صناعة الرداءة

الكاتبة: كلما تردى الواقع تردى الإعلام معه (أرشيف - مجلة قلم رصاص)

ما زالت الغالبية العظمى في المجتمعات العربية متحمسة للتلفزيون وتتابعه أكثر من غيره في وسائط الميديا، وعلى وجه الخصوص أننا ما زلنا نعاني من الأمية الرقمية ومن تدني مستوى الخدمات العامة في هذا المجال، بالإضافة إلى الظروف الخاصة في بعض البلدان التي تعاني من حروب مديدة، وغيرها التي تعاني من أزمات تتفاقم وتزمن. فالعائلات عادة ما تجتمع حول الشاشة الصغيرة خاصة في شهر الصيام بعدما صارت صناعة الدراما التلفزيونية تتوجه بإنتاجها نحو هذا الموسم.

صحيح أن جيل الشباب في عصر الثورة الرقمية والسرعة صار أكثر ميلاً لاستخدام الإنترنت في مجالاته المتنوعة، وبالأخص مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن التلفزيون ما زال يشكل بالنسبة إليه وسيلة إعلامية لا بد من التعامل معها، وإذا لم يتمكن الفرد منهم من متابعة برامجه المفضلة في وقتها على التلفزيون فإنه يتابعه على اليوتيوب.

لست بشأن الكتابة عن الإعلام، خاصة بالنسبة للقنوات الإخبارية، والدور التضليلي الذي لعبه في انتفاضات الشعوب العربية في أكثر من دولة في المنطقة، والذي ما زال يلعبه ويؤدي دورًا يكاد يفوق الحرب الميدانية بالأسلحة بما ساهم به في تأجيج الفتنة والتجييش وبث أفكار هدامة بدلاً من أن يكون رافعة لوعي الشعوب. كما أنني لست بصدد طرح موضوع الحريات أو مدى هامش الحرية الذي تتمتع به المنابر الإعلامية خاصة المحطات التلفزيونية، وإلى أي حدّ يمكن أن تدعي الاستقلالية، بل الحديث هنا عن البرامج الترفيهية التي لا تكاد محطة تخلو منها، تتبارى بالتفاهة والسطحية وإشغال المشاهدين بقضايا، من المعيب أن نسميها قضايا، بل بسفاسف الأمور. ولقد دفعتني مشاهدة أحد برامج التسلية والترفيه إلى كتابة هذا المقال لما يحمل من استخفاف بعقل المشاهد وذوقه وثقافته، بل أيضًا لما فيه من تطاول على الضيف بحجة التسلية واستنطاقه بما لا يريد أن يشهره، ولقد أذهلني اشتراك بعض الشخصيات اللامعة في المجال الفني بهذا البرنامج. يقوم البرنامج على فكرة محاصرة الضيف كما لو كان في قفص اتهام، بل أسلوبه يذكر بدور الجلاد أو المحقق في المعتقلات، إذ يوجه إليه مقدم البرنامج سؤالاً، غالبًا ما يكون تدخلاً سافرًا في الحياة الشخصية للضيف، أو محاولة انتزاع رأي أو تقويم لأحد زملاء المهنة، طبعًا ليس التقويم نقديًا، بل يقوم المقدم بتضمين السؤال حكم قيمة مسبقًا ويمنح الضيف خيارين: إما أن يجيب أو يأكل من الطعام المقزز الموضوع أمامهما على الطاولة الدوّارة بعد أن يزيد المقدم على قرف المادة الموجودة قرفًا آخر بوصفه الصادم لما يكون عليه الطعام المعروض بطريقة فنية.

الممثل المبدع والمخلص لموهبته، التي هي أيضًا حرفته، عندما يقبل بالدور الممنوح له فإنه يؤديه مهما كانت الظروف، فقد قام الممثل نيكولاس كيدج في أحد أفلامه في العام 1988 بأكل صرصار حقيقي من أجل مصداقية المشهد ضمن السياق، بل تم تصوير المشهد مرات ثلاث وفي كل مرة كان عليه أن يأكل واحدًا من الصراصير، وهناك مشاهد فيديو للممثلة الأميركية أنجلينا جولي تعلّم أبناءها فيه طريقة أكل الحشرات من عقارب وعناكب، ولقد علقت في إحدى مقابلاتها بأن الحشرات تؤكل للبقاء على قيد الحياة كما في أثناء الحروب، فعندما تم تجويع الناس استطاعوا البقاء على قيد العيش بأكلهم هذه المخلوقات.

إنها غريزة البقاء التي أمام التهديد الوجودي لا تعود تأبه بالمحظور والمحرم، ولا تعود الذائقة انتقائية، بل هي تحدّ جبار للموت في أبشع صوره

ولقد شاهدنا في الواقع الكثير من هذه الحالات المرافقة للحرب السورية عندما تمت محاصرة الناس في العديد من المناطق السورية ومنع دخول الأغذية عنهم، كيف تحولوا إلى الطبيعة وأكلوا من حشائش الأرض وذبحوا بعض الحيوانات الشاردة، إنها غريزة البقاء التي أمام التهديد الوجودي لا تعود تأبه بالمحظور والمحرم، ولا تعود الذائقة انتقائية، بل هي تحدّ جبار للموت في أبشع صوره. أما أن يكون عرض الطعام المنافي للثقافة الموروثة والذوق العام والخاص، وبطريقة تستنفر رغبة المتلقي بالقيء، بل القيء فعلاً عندما يضطر إلى الأكل، فهذا امتهان يكاد يتماهى مع أساليب الجلادين في المعتقلات تحت عناوين براقة وفي استوديوهات فخمة متعوب عليها ومبذول لها المال الوافر في الوقت الذي يعيش فيه عشرات الملايين من شعوب المنطقة تحت خط الفقر، بل يموت مئات الآلاف من أطفالها بسبب الجوع والحرمان، مثلما لو أن العملية مدفوعة مسبقًا لتمكين ثقافة الخنوع لدى المشاهدين تلك الشريحة المستهدفة الواسعة.

الإعلام العربي يكاد يكون مع الواقع العربي انعكاسًا لبعضهما البعض، فكلما تردى الواقع تردى الإعلام معه، وكلما تهاوى الإعلام وانحدر نحو التفاهة كلما ازداد المجتمع استنقاعًا وركودًا وعطالة. وفي الواقع فإن حجم وكمية الإرساليات الصادرة عن العديد من المنابر والشاشات يكاد لا يُحصى، بين دينية وترفيهية ومنوعة وغيرها، لكن المواضيع أو التيمات التي تسعى إلى تكريسها بإشهار وترويج مدروسين ومصنوعين بحرفية وإتقان، فهي تعمل على تخريب الوعي والذوق العامين بخفة ومكر أيضًا.

يعرّف الكاتب برنار كاتولا في كتابه «الإشهار والمجتمع» (ترجمة الكاتب المغربي سعيد بنكراد) الإشهار أو التسويق بقوله: «هو مجموعة من الوسائل والتقنيات الموضوعة في خدمة مقاولة تجارية، خاصة أو عمومية، وغايته التأثير في أكبر عدد ممكن من الأفراد عن بعد». فالإشهار قد أصبح حقيقة اجتماعية وثقافية قبل أن يكون آلية اقتصادية تدفع إلى البيع، وهو جزء من الفضاء الاجتماعي وجزء من الفضاء الجغرافي وجزء من وجدان كل المواطنين في كل البلدان، وآلياته لا تقتصر على البيع، بل هي خالقة ثقافة تشمل كل أشكال السلوك الإنساني. فالإعلام من وجهة النظر هذه هو الحامل والمحمول في الوقت عينه، وهو يسوّق لسلعه الخاصة مستثمراً نوعين من رأس المال كما تقول الباحثة نهوند القادري عيسى في كتابها "الاستثمار في الإعلام وتحديات المسؤولية الاجتماعية" استثمار رمزي وآخر مادي. يعتبر الإعلام ذا مكانة مؤثرة في الحياة البشرية بمجمل مجالاتها في الوقت الراهن، فالعصر الذين نعيش فيه هو عصر الوسائط المتعددة التي باتت تتدخل في صياغة الواقع وتساهم في تغيير الشروط السياسية والاجتماعية للشعوب. وانطلاقاً من هذه الأهمية والحضور الراسخ للإعلام في حياة الشعوب فإن السؤال يعتبر مهماً حول الاستثمار في هذا القطاع إذ لا بد من طرح الأسئلة أمام هذا الواقع، مثل السؤال الذي يعتبر جوهريًا حتى نفهم الدور الموجه الذي تلعبه هذه الفضائيات في الوعي الجمعي والوجدان الجمعي أيضًا، ما هي غائية العملية الإعلامية؟ ومن هو الجمهور؟ الجمهور "ذلك الجسم الهلامي الذي تصعب الإحاطة به" لكن يبدو من تلك البرامج الترفيهية والدينية التي تستقطب دعاة يشوهون الدين ويبثون السموم في العقول، فإن هذا الجمهور أو الكتلة العصية على اتخاذها قالبًا نمطيًا، هذا الجمهور هو هذه الشعوب التي دفعت ومازالت تدفع الأتمان لأنها أرادات في لحظة ما أن تمتلك نفسها وإرادتها، فاجتمعت الإرادات على إبقائها في استنقاعها وتسطيح وعيها وذوقها. إنها صناعة الرداءة الموجهة، الصناعة التي تُضخ في سبيلها أموال النفط وغيرها من فائض الخزائن المكنوزة لدي الأنظمة في البلدان المنكوبة، الأموال التي لا يصل الشعب إلا الفتات منها، بينما ما يصرف على الثقافة والتعليم والبحث العلمي واستثمار الموارد البشرية يكاد يكون رقمًا مهملاً، مخجل الحديث عنه.

شارك برأيك

أشهر الوسوم