صفقة على قرن من الانهيارات العربية

"ترامب" و"نتنياهو" (أرشيف - إنترنت)

الاصطلاح الجديد لعبارة "صفقة القرن"، لا يعني بالضرورة انتظار لحظة تنفيذها، أو إتمام بعض اللوجستيات والتقنيات لأجل إعلانها. الإعلان أو تحققها، إنما يكون نتاجاً لمسار طويل من السياسيات والأحداث، التي يفترض أن تصبّ في مجرى تحقيق النتيجة. صحيح أن الصورة النهائية قد لا تكون واضحة منذ بداية تشكيل اللوحة أو رسم ملامحها، فيما تبقى التفاصيل الأخرى رهن التطورات ومآلاتها. إنما الأساس يرتكز على منطلق لا يمكن فهمه دون الرجوع إلى الأحداث التاريخية وربطها ببعضها البعض.

يختصر مصطلح "صفقة القرن"، عن قصد أو من دونه، بأنها تتويج لمسار عمره مائة سنة. أي أن بداية هذا القرن كانت بعد إرهاصات الحرب العالمية الأولى ونتائجها. ففي تلك الحرب رسمت ملامح المنطقة الجديدة، والتي كان عليها أن تقوم على مبدأ أساسي وهو تمهيد الطريق أمام قيام دولة إسرائيل في فلسطين. والتأسيس لقيام هذه الدولة، كان لا بد من تقسيم ولايات السلطنة العثمانية بعد انهيارها، وبعد معاناة غربية كثيرة مع السلطان عبد الحميد الثاني، حول فلسطين والقدس تحديداً.

خضعت الولايات العربية إلى انتداب فرنسي وبريطاني على قاعدة التقسيم بين الدولتين المنتصرتين في الحرب

تزامن التوافق على اتفاقية سايكس بيكو، مع بروز وعد بلفور. انحسر الأتراك داخل تركيا الجديدة التي واجهت محاولات انتدابية عليها، بينما خضعت الولايات العربية إلى انتداب فرنسي وبريطاني على قاعدة التقسيم بين الدولتين المنتصرتين في الحرب. خُذِلَ العرب في أول معاركهم وطموحاتهم، تبدد حلم المملكة العربية المتحدة، وعلى الإثر قامت ممالك وإمارات في الخليج العربي، بينما خضعت سوريا ولبنان إلى الإنتداب الفرنسي، مقابل خضوع العراق وفلسطين والأردن إلى انتداب بريطاني.

يمكن الارتكاز على تلك اللحظة الحدثية المفصلية، للولوج إلى صفقة القرن التي تستعد الولايات المتحدة الأميركية لإعلانها في الشهر المقبل (هذا بمعزل عن نجاحها أو فشلها). وأسّست النكبة الفلسطينية في العام 1948، الطريق الطويل في هذا المسار، وما شهدته السنوات التالية من أحداث وتطورات، كلها كانت تصب في اتجاه هدف واحد، مروراً بحروب العام 1967 و1973، وبعدهما ما شهدته الحرب اللبنانية من العام 1975 إلى العام 1990. وليس بعيداً عن هذه الحروب، كانت الحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج الثانية، وصولاً إلى لحظة اجتياح العراق في العام 2003.

أسهمت حرب العراق بتغيير على صعيد العلاقات الدولية، إذ أسست لسقوط الموروث العثماني، وهي اتفاقية سايكس بيكو، التي منحت استقلالاً للولايات العربية التي كانت تابعة للسلطنة العثمانية. وبنيت فكرة الموروث العثماني على أساس أن المجتمع السني ونخبه هو الوحيد القادر على حكم الولايات العربية التي كانت خاضعة لسيطرة الدولة العثمانية. وهذا هو فحوى سايكس بيكو، بمعزل عن الأقليات التي بقيت خاضعة لحسابات مختلفة وما زالت إلى يومنا هذا.

كان للعراق مفارقة أساسية، تتجلى بتعيين ملك هاشمي سني ارتضاه الشيعة، ولكن بعد الدخول في حرب العام 2003، ضربت اتفاقية سايكس بيكو، فأسقطت النظام السني وسمحت للأغلبية بتسلم مقاليد الحكم. والأهمية الجيبولوتيكية لحرب العراق، والتي لم تكن مرئية هي مفصل أساسي وجديد للتركيبة السياسية في العالم العربي، وكانت أول نقطة للقطع مع الماضي.

وقد تزامن اجتياح العراق، مع قانون محاسبة سوريا على وجودها في لبنان، وكانت تلك الحرب مقدّمة للأحداث التي انعكست في لبنان فيما بعد على صعيد انسحاب الجيش السوري من لبنان. وهذه لاحقاً أخذت في التطور إلى لحظة حصول تطورات وتحولات دولية كبيرة أسهمت في دفع الجيش السوري إلى الإنسحاب من لبنان، إلى أن جاءت لحظة تفجر ثورات الربيع العربي، والتي أيضاً أظهرت مدى هشاشة الأنظمة العربية، وأدخلت المنطقة في دوامة جديدة من الصراعات الإنقسامية التي اتخذت طابع طائفي أو مذهبي في بعض الدول كـ سوريا مثلاً، وانعكاساتها على المنطقة كلها بشكل عام.

وجد السنّة أنفسهم أمام خيار من اثنين إما الرضوخ كما هو حاصل في لبنان أو الذهاب إلى تنظيمات أصولية متطرفة

إسقاط صدام حسين في العام 2003، تلاه بعد عام واحد، اغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وفي العام 2005، اغتيل رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني البارز. ثلاثة رؤساء سنّة بارزين، مثّل إسقاطهم أو اغتيالهم بداية التغيير الاستراتيجي في هذه المنطقة. بإسقاط النظام العراقي، دخلت إيران إلى الساحة العراقية من بوابتها الواسعة، وكذلك باغتيال ياسر عرفات بالنسبة إلى القضية الفلسطينية، بينما سيطر حزب الله حليف إيران وذراعها القوي على لبنان بعد انسحاب الجيش السوري منه، كنتيجة لاغتيال رفيق الحريري. وجد السنّة أنفسهم أمام خيار من اثنين إما الرضوخ كما هو حاصل في لبنان أو الذهاب إلى تنظيمات أصولية متطرفة بسبب فقدان أي قوة عربية يمكن الارتكاز عليها في بلورة مشروع سياسي وطني، يحفظ التوازن، ولا يخلّ في الميزان بين أكثرية وأقلية، أو لصالح أقلية على حساب أكثرية. اختار السنّة في لبنان الرضوخ والتسليم بالأمر الواقع، مقابل الحفاظ على بعض المكتسبات السلطوية، فانهارت التجربة التي عرفت بـ"14 آذار". في العراق اختار بعض السنة التطرف والالتحاق بتنظيم القاعدة. أما سوريا فبقيت تنتظر لحظة الانفجار التي دوّت في العام 2011، تماشياً مع الربيع العربي.

وعلى إثر تشكّل هذه المعادلة لدى البيئة السنّية، تنامى مصطلح مواجهة الإرهاب، تلك الذريعة الكبرى التي استخدمت في ضرب الثورة المدنية السورية، وأدّت إلى عسكرتها وتطرفها، وسط انعدام رؤية عربية واضحة ومشتركة لحماية الحراك المدني. وهذا مكّن إيران أيضاً من الدخول إلى سوريا، وتمزيق جغرافيتها وديمغرافيتها، تحت أنظار العالم بذريعة مختلقة وهي محاربة الإرهاب. فخسرت سوريا وجودها كدولة وكتركيبة سياسية واجتماعية، وفاق المشهد فيها مشاهد التغريبة الفلسطينية قساوة.

ثمة أحداث تاريخية تعيد نفسها وإن تغيّرت أمكنتها. وسط ما تشهده سوريا هذه الأيام على أبواب إعلان صفقة القرن، فهي تتعرض في حسابات الدول، لما تعرّض له لبنان في العام 1973، أيام الاتفاق السرّي بين هنري كيسنجر وحافظ الأسد، كانت اتفاقية الخط الأحمر، التي تشبه في تقسيمها لمناطق النفوذ السورية والإسرائيلية على الجغرافيا اللبنانية، ذلك الخطّ الذي خطّه كل من سايكس وبيكو في رمال الولايات العربية التابعة للسلطنة العثمانية. أسس اتفاق الخط الأحمر لوصاية النظام السوري على لبنان، له حدوده إلى مشارف بيروت، مقابل حدود النفوذ الإسرائيلي إلى مشارف صيدا. تغيّرت بعض مساحات النفوذ تبعاً للأحداث، بينما الهدف بقي أساسياً وهو ضرب أي حراك يساري أو وطني في لبنان، وضرب منظمة التحرير الفلسطينية.

الدخول السوري إلى لبنان كان لدعم الجانب المسيحي في الحرب التي اندلعت، وما يرتبط هذا بمفهوم "الأقليات" بالنسبة إلى المسيحيين حينها وإلى النظام السوري الذي يعتبر أنه نظام أقلوي علوي عليه الاستمرار بالاحتفاظ بحكم دولة ذات غالبية سنّية. أما ضرب منظمة التحرير، فكان هدفه استراتيجي أيضاً بالنسبة إلى النظام الذي يريد الإمساك بالورقة الفلسطينية لإبقائها ورقة تفاوضه مع الأميركيين والإسرائيليين.

هذه الأيام، ترسم روسيا وأميركا وتحتهما تركيا وإيران، خطوط مناطق النفوذ على الجغرافيا السورية. وربما مهد للمرحلة النهائية من صفقة القرن هذه، قد بدأت في سوريا، وفي المؤامرة التي تعرض لها الشعب السوري، قتلاً وتهجيراً على مرأى العالم. ولا حاجة هنا للتذكير بكم الحملات الإعلامية العربية والعالمية التي ركزت على الفصل بين أكثرية وأقلية، وضرورة حماية الأقليات من الثورة.

لا تنفصل بوادر إعلان صفقة القرن، عن الموافقة الضمنية الروسية على الاعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان

لا تنفصل بوادر إعلان صفقة القرن، عن الموافقة الضمنية الروسية على الاعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان. والتي دعمها الروس بإنجاز صفقة الرفات، والتي سيليها صفقات أخرى مشابهة، كلّها إلى جانب تطبيع النظام السوري مع هذه الصفقات المتعددة، لقاء إعادة تعويمه، في المشروع الجديد الذي يطلق عليه صفقة القرن، تلك الصفقة التي ستكون على حساب الشعب العربي، ولصالح الأنظمة العربية.

الاتفاق الروسي الأميركي الواضح في سوريا، والتلزيم الأميركي لروسيا بالسيطرة المطلقة في الملف السوري، لها تبعاتها وثمنها، وهو أن تتولى موسكو مع حلفائها من العرب وغير العرب، إدارة الوصول إلى التطبيع مع صفقة القرن. وحال النظام السوري على أبواب هذه الصفقة، ينطبق على حال غيره من الأنظمة العربية، التي تشعر حالياً بتهديد إيراني، لكنها تقف عاجزة عن هذه المواجهة، أو عن ردّ الخطر الإيراني المحدق بها، بعد أن تمكنت إيران من أربع عواصم عربية. لم تكن إيران لتحقق ما حققته لو كان لدى الأنظمة العربية مشروعاً سياسياً لحماية البلاد العربية، فالتلكؤ في سوريا ولبنان والعراق، أوصل رحى المعركة إلى قلب الخليج، من اليمن إلى العمليات التي استهدفت السعودية والإمارات قبل أيام.ستكون الصفقة بين إيران وروسيا وأميركا، والدول العربية مقبلات على مائدتها فتدفع الشعوب الثمن لصالح الحفاظ على الأنظمة.

شارك برأيك

أشهر الوسوم