صعود الشعبوية

لا يمكن اعتبار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترمب – وهما أكبر عمليتي اقتراعٍ احتجاجيٍ – أنهما تمثلان مولد عصر سيادة الشعبوية بل شيخوختها كما يقول ديفيد جودهارت في كتابه عن صعود الشعبوية.

يزيد بأنه سيتم مستقبلاً النظر إلى باكورة سنوات القرن الواحد والعشرين، والتي شكل هذان الاقتراعان ذروة أحداثها، على أنها شكلت النقطة الزمنية التي شهدت صعود سياسة الثقافة والهوية كنِدٍّ لسياسة اليمين واليسار.

بهذا المعنى انتهت الاتجاهات الأيديولوجية اليسارية واليمينية التي حكمت الأحزاب السياسية وتوجهاتها على مدى العقود القادمة وسيتم تقييم الأحزاب القادمة وفقا لتبنيها مبدأ الهوية أو تنازلها عنه لحساب القيم العالمية.

شكل كلٌ من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب ترمب نصراً غير متوقعاً رجح حدوثه تصويت الطبقة العاملة البيضاء المستاءة – والتي شكلت النكسة الثقافية، الناتجة عن تدفق الهجرة والتغيرات العرقية دافعها الأكبر على ما يبدو – أكثر من أي حساباتٍ اقتصادية. إلا أنه من المثير للاهتمام أن هاتين الحادثتين ظاهرتان مختلفتان تماماً. فتقديم ترمب لنفسه "كزعيم" قد شكل نقطة تحولٍ جوهريةٍ في سياسة دول الغرب على صعيدي اللهجة والمضمون، الأمر الذي ستفوق بالطبع نتائجه بعيدة المدى ما سيتمخض عنه انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.  فإذا ما قام ترمب بالوفاء بوعوده الانتخابية الانعزالية فإن العالم سوف ينحدر نحو حربٍ تجاريةٍ وحدوث كسادٍ اقتصاديٍ عالمي، دون الحاجة إلى التذكير بيد روسيا الطليقة والتي ستتحرك كما يحلو لها فيما يجاورها من دول، أما في حال تملص من وعوده تلك فإن هذا لن يروق لأنصاره الأساسيين.

لكن من غير الوارد أن تتم الإطاحة بالديمقراطية الليبرالية كما يشير جودهارت، حتى في الولايات المتحدة الأميركية.  فالوفاق والنظام المدني عاداتٌ راسخةٌ، وستواصل الأغلبية الساحقة نظرها إلى أميركا على أنها أرضٌ متعددة الأعراق. في حين ستحافظ السياسة البريطانية إلى حدٍ كبيرٍ على كونها إما تكنوقراطية أو محكومة بأولويات اليمين واليسار– كالانشغال مثلاً بإيجاد الطريقة المثلى للربط بين السوق وَالدولة في عمليات الإنِفاق على البنية التحتية، أو إيجاد طريقةٍ للحد من التفاوت. إلا أن السياسة الغربية قد وجدت نفسها منذ مطلع هذا القرن مجبرةً لكي تفسح المجال لأصواتٍ جديدةٍ يسيطر على تفكيرها القلق على حماية الحدود الوطنية وَسرعة التغيير الحاصل، وأن تستمع لأولئك الذين يشعرون بأنه لا مكان لهم داخل مجتمعٍ واقتصادٍ شديدي الانفتاح، يفضلان خريجي الجامعات، صممته النخب الجديدة لخدمة مصالحها.

وهكذا يقف جودهارت في منزلة بين المنزلتين، حيث لا ينحاز إلى الشعبوية التي يعترف أن في تطرفها خطر قادم لكنه يعتبرها صوتا مشروعا يجب السماح له وفتح حوار حقيقي بين أنصار الشعبوية، لكن ينتقد النخب بشكل أكبر بكثير التي يعتبر أنها انحازت لمصالحها ونسيت التيار الأكبر من المجتمع، أصبح لها قيمها وتستخف بكل من يخالف هذه القيم، وهو لذلك يصر على أنه لن يكون هناك استقرار سياسي مستقبلي مالم يشهد هذا الحوار طريقه الحقيقي بغية الوصول إلى نقطة التوازن.

إن تركيز الفكر الليبرالي الأرثذوكسي الذي دافعت عنه النخب على مدى عقود متمركزا على قيم حرية الاختيار والاستقلالية يجعل منه لا يحبذ أشكال الهوية والتجارب غير الناتجة عن اختيار الفرد لها. فهو يبدي ترحاباً بفكرة المجتمع نظرياً إلا أنه لا يرى أن المجتمع المجسد لمعناه يقوم بعملية الاستثناء والاستبعاد تماماً كما يقوم بعملية الاحتواء. فهذا النوع من الليبرالية ينظر للأفراد على أنهم قويمو التفكير، مؤمنون بفرديتهم ويركزون على ذواتهم ولا تتحكم بوجودهم أي روابط أو ولاءات قوية مع الجماعة. إن معظم النظم الاقتصادية والقوانين الحديثة ترتكز إلى هذا النموذج من السلوك البشري، الأمر الذي يعتبر مسؤولاً عن الفشل الدائم لكل النظامين عن إعطاء توصيفٍ دقيقٍ للحدود الوطنية وَالامتيازات. وفي حال قبولك بهذه الفرضيات التحررية فمن المحتمل أن يبدو أي دفاعٍ عن التقاليد أو المجتمع أمراً غير عقلانيٍ أو، في حالة مسألة الهجرة، أمراً عنصرياً.

فمن دون ليبراليةٍ أكثر رسوخاً وَوعياً للانفعالات العاطفية بحيث تتمكن من إيجاد أرضية مشتركة بين المنفتحين على أي مكان كما يسميهم والمنغلقين على مكانٍ ما، فلن يكون من الممكن استبعاد إمكانية حدوث ردود أفعالٍ أكثر سوءاً على نحوٍ كامل. فخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أشبه بهزةٍ مبكرة من كونه فوراناً شعبوياَ غير متوقع كالذي حدث في هولندا أوائل العقد الأول للألفية الجديدة. 

ولذلك يدافع جودهارت عن ما يسميه الاعتدال والشرعية اللذين تتصف بهما كثيرٌ من أفكار ودوافع المنغلقين على مكانٍ ما وَإلى الدفاع عنها من الاستخفاف الذي يتعامل به الكثير من المنفتحين على أي مكان معها. لكن سياسة المنغلقين على مكانٍ ما تشتمل أيضاً على بعض الأشكال الفظة والمتحيزة ضد الأجانب حيث ينجرف الشعبويون نحو اليمين المتطرف أو الوعيد الطنان الذي أظهره دونالد ترمب.

شارك برأيك

أشهر الوسوم