صعاليك هيرا بوليس.. وثوارها

غلاف رواية الأديب الشاب محمد سعيد (إنترنت)

(قراءة أولية في رواية الأديب الشاب محمد سعيد)

إيضاحات عامة

أولاً: إننا نعيش، في حياتنا الأدبية، عصر الرواية بحق، أو كما قال حنا مينه بمعنى ما:

"لم يعد الشعر ديوان العرب بل الرواية". يؤكد هذا الحكم عددُ كتّاب الرواية المتزايد باستمرار، وميل القارئ العربي نحوها أكثر من أي جنس أدبي آخر، وهذا لا يعني أن حائط الرواية واطئ، بل لأنَّ الرواية تضطلع اليوم برحلة العربي من البداوة إلى المدنية، عبر أشكال كثيرة قوامها السرد الذكي الذي يتناول نثريات المجتمع  قاعاً وقمة.. وأن جيلاً كاملاً من الأدباء الشباب، إناثاً وذكوراً، يجترحون جنس الرواية محققين نجاحاً مشهوداً..!

ثانياً: إن الرواية فن يتسع للسياسة والمجتمع وللفكر والفلسفة والعلوم ولديه من الأشكال الفنية المستحدثة ما لا يمكن حصرها.. فللرواية القدرة على أن تستوعب، في ثناياها، الأجناس الأدبية كلها لغة وموضوعاً وخيالاً وعاطفة ويبقى السرد الأدبي المتسق والسلس سيدها..

ثالثاً: يقولون إن الرواية ابنة المدينة وهذا صحيح، ولكنها أيضاً ابنة الوعي، وإذا كان الوعي مرتبطاً بالمدينة، وبمستوى تطور أدوات الإنتاج، ووسائله، فهو أيضاً قد ينفصل عنهما، ويتقدمهما إذا ما واتته ظروفه.. ومثالنا صاحب هذه الرواية الذي يعدُّ بحق مزيجاً ما بين الريف والمدينة، لكنَّه ابن الوعي العابر للحدود، المتملك لواقعه، والنزّاع إلى استبداله بما هو أعلى وأرقى.. فمنبج رغم قدمها وعراقتها هي مدينة صغيرة رفدها في العقود الأخيرة كمٌّ هائل من أبناء الريف..!

رابعاً: الأدب في واحدة من تجلياته، هو تدوينه لهواجس الإنسان وعفويتها التي تنساق مع أخيلته أو مع ما يسمى بأحلام اليقظة.. تلك التي تنطلق بعيداً عن المعايير التي تفرضها شرائح اجتماعية محددة على المجتمع فكراً وممارسة تحقيقاً لمصالحها الخاصة المتناقضة مع غالبية المجتمع..

خامساً: يغلب على الروائيين المعاصرين كثرة تناولهم للجنس، وغالباً ما يأتي دونما توظيف، كأنما الجنس للجنس، بينما في هذه الرواية يوظف الجنس لدلالات أكثر بعداً قد تكون مسبوقة أحياناً، وقد لا تكون، يتوضح ذلك لدى الحديث عن مشاهده..

سادساً: أريد لفت القارئ إلى أن هذه المقالة تناولت الرواية من باب التذوق الأدبي الذاتي لا النقد المنهجي المتخصص، وهي تشير إلى ما يمكن أن يستمتع به القارئ من فكر وأسلوب وسرد ورؤية.. ولعل البداية تكون من الحديث عن العنوان "صعاليك هيرا بوليس" للشاب "محمد سعيد" لتنتقل إلى عدد من لوحات الرواية أو مشاهدها التي تشير في رموزها وإسقاطاتها إلى الواقع المعيش، قبل زمن الثورة السورية وبعده، وما عاناه الناس في الزمنين..! بل في زمن ربما عدَّه الروائي زمناً يتيماً بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ووفاة والده بآن واحد..!

 

في العنوان

يشير عنوان الرواية إلى أمرين يتكاملان فيما بينهما، إذ يجمع الاسم اليوناني القديم لمدينة منبج "هيرا بوليس" (وهي مدينة مقدسة اشتهرت بمياهها الطبية الدافئة كما اشتهرت بمعابدها، والمعبد تاريخياً يرمز إلى الخير والبناء وتحابب الناس وتآلفهم..) صفة العراقة والأصالة، إلى أصالة أخرى في الحياة المعاصرة، وهي الصعاليك والصعلكة اللتان تعنيان الفقر والفقراء اللذين يشكلان أغلبية في المجتمعات المعاصرة كلها.. إذ تفصلهما هوة ساحقة عن رأس هرم المجتمع الذي غالباً ما يملك المال والسلطة معاً.. كما تشير مفردة "الصعاليك" في تراثنا العربي إلى التمرد على واقع ظالم ومظلم بآن، وإلى حياة مغلقة بائسة تدعو إنسانها إلى التغيير نحو الأفضل والأجمل، وبما يجعل حياة الإنسان أغنى وأرقى..

 

شخوص الرواية

ومنها الراوي بضمير المتكلم، وهو شخصية شاب مثقف، غالباً ما يبدو عليه التذمر، ويتعاطى السياسة عن بعد، من خلال اهتمامه بالثقافة والمجتمع, وهو عين الروائي على أحداث روايته ورموزها، التي أكثر ما تتجلى في صديقيه جمعة الحميماتي الشخصية الرئيسة التي تحمل في ثناياها قيم الشعب الفقير وما يكتنزه من طاقات تتفجر عند الحاجة، وتصب في مصلحة الشعب و"عروة الأحمد" الشاب الفنان التشكيلي، والمغني حسن الصوت حامل معاناته وكاتم عليها، والفتاة الأوروبية "ماريَّا" التي أغنت الرواية برمزها المتطلع بها إليه..! والدرويش "دالي" المقيم دائماً في المقبرة القريبة من ضريح الشيخ عقيل المنبجي الذي يمنح المدينة الأمن والخير، ويتبادل الحب مع أهلها جميعاً، وتشكل المقبرة الكائنة في منتصف المدينة، مع مزار الشيخ عقيل عامليْ إلهام لأبناء منبج المشتغلين بالثقافة والإبداع يحملون في أرواحهم صوراً ومشاهد وحكايا تمنح إبداعهم غنى وثراء.. وثمة الكثير من الشخوص الثانوية التي لها رموزها ودلالة أفعالها كالبعثي مدرس مادة التربية القومية، ووالِدَيْ الراوي، وشيوخ داعش وتوابعهم..!

 

سير الرواية

تمتد معظم الرواية مكاناً على مساحة مدينة منبج داخل بيوتها وأزقتها ومركزها الثقافي وبساتينها والمقبرة طبعاً وأسطح منازلها التي يجد عليها أبطال الرواية ملاذهم مع كؤوس العرق، وحكايا "جمعة" عن متعة تربية الحمام وعلاقات المربين بعضهم ببعض، وعن الجنس والنساء الغجريات، والشعر وصولاً إلى السياسة الممنوعة التي تستدعي هرب بطل الرواية إلى بيروت خوفاً من اعتقاله.. والرواية عبارة عن مشاهد ولوحات لا يتجاوز المشهد الواحد أو اللوحة منها صفحتين أو ثلاث صفحات تحمل رقماً متسلسلاً تصل إلى سبعة وخمسين رقماً، كلٌ منها يحكي حدثاً ما واقعياً كان أم متخيلاً يأتي على حال المدينة قبل الثورة فتصف ذلك المجتمع البسيط الغارق في السكينة والأحداث اليومية المملة إلى أن تدخل الثورة حياتهم فتمنحهم الحيوية والفرح، ويشارك فيها هؤلاء الأبطال، على نحو أو آخر، عبر وصف منه ما هو واقعي ومنه ما هو سريالي محلِّق.. كل ذلك يأتي عبر سرد بسيط في لغة إخبارية بسيطة، وسليمة تتدفق بسلاسة، وتنوس بين لغة الأدب ولغة الصحافة، تمتع القارئ دون رهق، ودون أن تفقد دلالاتها وإحالاتها التي تأخذ بخيال القارئ إلى حيث يراد لها الأخذ..

تتداخل أزمنة مشاهد الرواية بما يكسر الشكل للسرد التقليدي للرواية.. بينما يمتد زمن الرواية الأساس لعدة سنوات فقط فمنذ سنوات ما قبل الثورة وبدئها إلى زمن دخول داعش والخراب المادي والروحي الذي أحدثته في المدينة وأهلها.. تحيل العلاقة بين الراوي المثقف الشاب وجمعة الحميماتي إلى رواية الياطر لحنا مينة، وعلاقة بطلها زكريا المرسنلي بصديقه عبعوب.. وكذلك إلى رواية زوربا اليوناني لـ: نيكوس كازانتزاكي وعلاقة المثقف بزوربا الذي له علاقة مباشرة بالحياة ما يجعله يستوعب الحياة وفهم الإنسان على نحو أبسط من فهم المثقف.. وتتكشف حقيقة جمعة عندما ينخرط في الثورة ثم في كتائبها المسلحة دونما فلسفة أو إيضاح لتصرفاته.. وتأتي حياته الشقية كلها لتصب طاقات مكتنزة في تلك الثورة الذاهبة إلى إزالة الاستبداد وتجفيف مستنقعاته..!

 

رموز الرواية وإشاراتها

إذا كان سطح المنزل وتربية الحمام يرمزان إلى الرغبة في الابتعاد عن الواقع المتعب والانطلاق إلى الفضاء البعيد ومراقبة الحمام ذلك الكائن الجميل في امتلاكه حرية السباحة في فضاء رحيب فإن الروائي استخدم الجنس في سياقه العام للإشارة إلى الكثير من مشكلات مجتمعنا.. وقد رسم عدة لوحات لعلها أجمل ما في الرواية من عمق دلالاتها.. فثمة مشهدان لهما علاقة بالاستبداد وعقمه من جهة وتغلغله في عمق حياة الناس الخاصة ينغصُّ عليهم أجمل ما في الحياة من متعة.. أما المشهد الأول فيرسمه الكاتب دلالة على عقم حزب البعث في شخص:" أبو نعيم" مدرس التربية القومية، على لسان جمعة الحميماتي الذي يبرر عدم إنجاب أبو نعيم للأولاد بأنه: "في كل ليلة قضاها مع إحدى نسائه كان يخلع ثيابه ويقف بجانب السرير الذي تستلقي عليه زوجته العارية، ويبدأ بالهتاف أمامها رافعاً قبضته عالياً: بدنا (..) وبدنا (..) وهكذا طوال الليل.. والهتافات تترى دون أن يفعل شيئاً" ص70 أما المشهد الآخر فحين يرى الشاب بطل الرواية تبدلاً في حركة الشارع ذات مساء فيتساءل ما الخبر دون أن يجيبه أحد، فالكل مأخوذ بما حدث لتجيبه إحدى العجائز بصوت خافت مرتجف، وهي تنزل من السيرفيس، "لقد مات الرئيس" فيسرع إلى البيت الذي غادره تاركاً فراغه لصديقه وحبيبته فيفتح عليهما باب الغرفة وهما عاريان، وحين يرى دهشتهما من وقاحته وقلة حيائه، وهو جامد ينظر إليهما بسعادة طافحة على وجهه.. "قلت له آسف يا صديقي، سامحني، ولكن مات الرئيس" ص 77

أما مشاهد الجنس الأخرى بين بطل الرواية الشاب و"ماريَّا" الصحفية الأوربية التي تعرَّف عليها، وهي تتابع أخبار الثورة السورية، وأدواتها عن كثب.. فيتركز الرمز في دلالتها على نزوع الشباب إلى الحرية وتطلعهم نحو حياة أخرى تحررهم من هذه الأطر الصارمة التي تقيِّد حياتهم، وتحول بينهم وبين أحلامهم وإبداعهم. فالكبت والاحتقان لا يعيق حياتهم ويعقدها فحسب، بل لعله يطغى على كل مفرداتها التي يمكن عبرها النمو والارتقاء، وقد رسمهما الروائي بتقنية أدت الغاية المنشودة، ولعلي أشير فقط إلى مشهد ممارسة الجنس الافتراضية.. فهو عنصر جديد على الكتابة الأدبية يرتبط بتقنية النت، ويتلازم طغيان المشهد الجنسي مع كثافة الموت الجماعي والخراب الشامل الذي يحدثه انفجار سيارة مفخخة في لحظات النشوة.. وثمة مشهد آخر يتراءى حلماً أو تهويم للبطل وهو يعاني شدة العذاب في سجن داعش. وكأنما عقد الجنس هنا سبب أو أحد أسباب الخراب العام الذي يحصل في محيط أبطال الرواية.. يؤكد ذلك، أيضاً، رواية عروة عن اغتصاب والده لابنته بعد خروجه، بقايا إنسان، من سجن النظام.. ولعل ذلك كله يشير إلى أمر كانت قد التقطته صحفية بريطانية إثر هزيمة العرب في حرب عام 1967 إذ رأت: "أن حرب حزيران كانت بين مجتمعين أحدهما مصاب بالتعقيد الجنسي".

ويبقى أن أقول: إن الرواية غنية في أسلوبها المكتنز معاني ودلالات وإحالات تسَرِّح خيال القارئ في مساحات شاسعة من فكر روائي مستنير وفي تمجيدها، على نحو غير مباشر، لثورة الحرية إذ رأت فيها حاجة موضوعية، وكذلك في إدانتها لكل من الاستبداد والتطرف الديني المتمثل بتنظيم الدولة الذي ناب عن الإله في الأرض، كما مرَّ معنا في مشهد إعدام أبطال الرواية..!

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم