صرخة خارج الحدود

انهال السيل البشري الجارف عبر معبر باب الهوى، حاملاً مشاعر مختلطة نطقت بها وجوه السوريين الغاضبين، الذين اقتحموا البوابة، واخترقوا الحدود، معلنين عن امتداد ثورتهم، عن ترجمة لمعنى الكرامة في نفوسهم.

بدت البوابة كباب سجنٍ ضخم، يضم خلفه ألوفاً من البشر المُتعبين من عقودٍ من القهر والتسلط والإجرام، في قسمات وجوههم حكايات عذاب، وذكريات سجون وغارات جوية، رائحة دماء وجثث متناثرة، ورماد مبانٍ منهارة بسبب القصف، في عيونهم دموع احتبست حيناً، وساعدها الغاز المسيل للدموع بالتدفق أحياناً، لم يكونوا بحاجة غازٍ مسيل للدموع، فبمجرد أن يسرد أحدهم قصّته ستتابع الدموع سرد الحكاية، بينهم أطفال ونساء وشيوخ، وفيهم قهر يكفي كل أهل الأرض، يوم ضاقت عليهم الأرض، وتجاهل مأساتهم العالم، لم يجدوا خياراً من اقتحام هذا العالم، ليخبروه بأنهم أيضاً بشر، ويستحقون الحياة بكرامة.

لم يحدث الانفجار البشري من فراغ، فمليون إنسان وأكثر اضطروا لمغادرة مدنهم وبلداتهم تحت القصف الروسي الغاشم، وأصبحوا بلا بيوت أو مأوى، يفترشون الأرض في حقول الزيتون، أو يسكنون في خيام لا تقدم لهم شيئاً سوى تكريس مأساتهم، أو أمامهم درب مسدود، وحالة من التشرد والضياع، فضلاً عن عدم توفر مورد رزق لمن يعيلهم، ولا مدرسة لأطفالهم، لقد أصبحوا فجأة عالقين مقيدين، وهم الذين واجهوا طويلاً بطش النظام، وأعلنوا ثورتهم بكل شجاعة ممكنة، سجلوا موقفهم واضحاً دون مواربة أو خجل، ونقشوا مطالبهم واضحة؛ الحرية وإسقاط النظام، وعندما ضاقت السبل كان اختراق الحواجز لإيصال موقف أو كلمة سبيلهم الأوحد.

كانت البوابة وهماً، كانت الجدران ورقاً، كانت المخاوف كذبة، وكان الغضب سيّداً له صوتٌ هادر لا يمكن إيقافه، ذلك الصوت المحتبس في قلب كل سوري، يحمل قهراً ومرارة، ويحمل شعوراً عميقاً بالخذلان بسبب صمت العالم كله عما يحدث.

كانت البوابة وهماً، كانت الجدران ورقاً، كانت المخاوف كذبة، وكان الغضب سيّداً له صوتٌ هادر لا يمكن إيقافه، ذلك الصوت المحتبس في قلب كل سوري، يحمل قهراً ومرارة

كل ما فعله الثائرون يؤكد كرامتهم أكثر، قسمات وجوههم المغبرة، دموعهم المحتبسة بكبرياء أو المتدفقة بسخاء، بحة أصواتهم المتعبة، وعيونهم قالت أكثر مما صدّرته القنوات ووسائل التواصل.

ماذا يريد السوري من العالم كله سوى أن يُترك بسلام ليتابع حياته كأي إنسان في العالم؟ وماذا يريد أطفال سوريا غير حقهم بحياة كريمة؟ إن طموحاته أقل من أن تصل إلى مدنٍ مترفة، أو حياة مليئة بالرفاهية، فظلال شجرة الزيتون تكفيه، ورائحة تراب أرضه تكفيه، وهو إن اخترق الحدود ليعبر إلى قارّة أخرى، أو عالمٍ آخر، فلأجل أنه اكتفى وجعاً ومرارة، وما عاد يحتمل حالة السجن هذه، والبقاء لمجرد تلقي الطعنات، فهو يعلم أكثر من أي أحد آخر قيمة البقاء في أرضه، ولذلك يغدو الرحيل ألماً لا مفرّ منه عندما تُفقد تلك القيمة، ويغدو الصمت سيد الموقف.

لقد غامر الأحرار بأرواحهم، بأحزانهم، بذاكرتهم وحكاياتهم، بآلامهم وكل ما يملكون ليطلقوا صرختهم مدوية، تحركوا وبات ضرورياً أن يتحرك سواهم، ممن يقطنون المدن الآمنة، ويعيشون في بيوتٍ هادئة، وبإمكانهم أن يمارسوا حياة أقرب للطبيعية، باتت الحاجة ملحّة لتحرك كل هؤلاء من أجلهم.

ليس المطلوب شفقة أو تعاطفاً أو عبارات مواساة، مادام هناك حيّزٌ لتقديم شيء في دائرة الأفعال، الصرخة لابد أن ترتد بإيجابية، بمبادرات حقيقية لمساعدات إنسانية لا تقتصر على الحالة المؤقتة، بل تتركز باهتمامها على الديمومة والإنتاجية قدر المستطاع

ليس المطلوب شفقة أو تعاطفاً أو عبارات مواساة، مادام هناك حيّز لتقديم شيء في دائرة الأفعال، الصرخة لابد أن ترتد بإيجابية، بمبادرات حقيقية لمساعدات إنسانية لا تقتصر على الحالة المؤقتة، بل تتركز باهتمامها على الديمومة والإنتاجية قدر المستطاع، كما تتطلب الصرخة تحركات خارجية، في العواصم والمدن الأجنبية، بوقفات أمام السفارات، بصرخات مقلقة للناس، للحكومات، للدول، لابد أن تتحول تلك الصرخة إلى صرخات وتحركات ومبادرات، وأن ينزع كل حر عنه رداء اليأس، والقناعات البالية في عدم جدوى فعل شيء، فالعجز قاتل، والأمل محرك للحياة.

إن الهدف الذي نتفق جميعاً على تنفيذه في مواقفنا، في كلماتنا، ومحاولاتنا، في خطواتنا أو صرخاتنا، هو الذي يترك الأثر المطلوب، وهو الذي يغدو خطوة على طريق الفاعلية، فمن واجبنا إن صمت العالم عن مأساتنا ألا نقبل بحالة الصمت تلك، وأن نصرخ حتى يزعجهم هذا الصراخ، وأن نجعل لحياتنا ضجيجاً يلفت العابرين إليه، فتكرار الضجيج وثباته يشعل القلق والتساؤلات، ويقود بشكل جازم إلى أفعال، وتلك هي الثورة في أبسط تعريفاتها.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم