شرعية مستوردة ...

لم تكن النظم العربية الحاكمة يوما مُنصِتة لرأي شعوبها ولم تكن تعترف بحق المواطن في صنع القرارات المؤثرة بحياته ومستقبل أولاده، فقط تعاملت مع من يقبل أن يكون موظفا لديها يخدم دعايتها من خلال تبرير قراراتها مهما كانت سلبية ويغطي على أخطائها وموبقاتها وأحيانا جرائمها.

 وبما أن السمة العامة لمجتمعاتنا هي التدين لهذا كان الكهنوت الديني، والذي يعتمد في خطابه العام على تخويف وترهيب الأفراد العاديين من جهة، ويروج للحاكم كفرد أو كمفهوم لا يصح أن يطاله النقد لأنه قدر إلهي وأحيانا باعتباره ظل الله في الأرض، من أهم الأدوات المعتمدة لخدمة الحاكم واستمراره بالسلطة.

وبقدر ما تتمتع به هذه الطبقة من احترام من قبل عوام الشعب الذي يقبلها كموجه أعلى لطريقة حياته وتفكيره، بقدر ما تُمتَهن من الحاكم لعلمه بمدى نفاقها، وهذا لا يظهر فقط بالديكتاتوريات العسكرية أو التي تدعي العلمانية بل في الدول والممالك التي تعتمد أحكام الشريعة الإسلامية وتروج لثقافة أحادية اللون والتوجه.

في نفس الوقت يمكن للمراقب أن يلحظ خضوع هذه النظم بشكل كامل لتوجيهات ورغبات الدول المؤثرة، وإن لم تكن هناك مصلحة لدولها وشعوبها بهذا الخضوع، وذلك لعلمها أنه بغياب الشرعية الداخلية المستمدة من المجتمع وقراره الواعي باعتماد هذه السلطة كممثل له، فإنه لا يمكن لها الاستمرار بعالم متغير دون أن تكون محققة لمصالح الدول المؤثرة وبالتالي يكون حمايتها مضمونة لأنها تصبح (الأنظمة) جزء من مصالح الدول الكبرى (اقتصاديا وعسكريا)، كما أن هذه النظم تعتبر حقوق المجتمع أوراقا تفاوضية يتم لعبها باللحظة المناسبة والتي تتمثل (على سبيل المثال) إما للتخلص من مأزق كبير (وجودي) أو في اللحظات التاريخية المتمثلة بوصول شخصية جديدة إلى الحكم من خارج السياق التقليدي.

هذه النظم تعتبر حقوق المجتمع أوراقا تفاوضية يتم لعبها باللحظة المناسبة والتي تتمثل (على سبيل المثال) إما للتخلص من مأزق كبير (وجودي) أو في اللحظات التاريخية المتمثلة بوصول شخصية جديدة إلى الحكم

لا يمكن إنكار أن هذا الخضوع في بعض الأحيان كان فيه مصلحة للمجتمعات المحلية التي لا تستطيع تغير واقعها، نتيجة لخمول أصابها بسبب الكهنوت الديني وتأثيره السلبي العميق بوعي المجتمع من جهة، ولتغول الهيمنة الأمنية والفساد المالي الذي أرادته السلطة لتلويث عموم المجتمع ليصبح الكل متورطا من جهة أخرى.

من المرات العديدة التي تحققت فيها بعض مصالح المجتمعات من خارجها هو ما تم إقراره بالسماح للمرأة بقيادة السيارة ففي مملكة يسود فيها التوجه السلفي الذي لم يتوقف يوما عن إصدار فتاوى وبيانات إنكار على من تجرأ وطالب بهذا الحق، ولقد تم سجن وترهيب العديد من السيدات اللاتي حاولن إثبات هذا الحق إلا أن كل محاولاتهن لم تنجح بسبب هيمنة الكهنوت الديني، ليتم ببساطة إلغاء التحريم السابق لسبب يعود لرغبة السلطة الحاكمة ،لا رغبة الشعب، بالترويج للقيادة الجديدة لدى الدول المؤثرة والتي لايرى إمكانية استتباب الحكم دون قبوله في ناديها بغض النظر عن صفته بهذا النادي الدولي المهيمن. ومن المفارقات أن نفس المؤسسة التي كانت تحذر وتتوعد بالويل والثبور في حال قادت المرأة سيارتها نفس هذه المؤسسة عادت تسبغ الحمد والثناء لحكمة ولي الأمر في قراراه الجديد!!!!

مثال آخر ذو حساسية أعلى بحكم أنه يمس الكرامة الإنسانية بعمومها، وهو ما حصل في نفس المملكة من إلغاء لتجارة العبيد. حيث استمرت تجارة العبيد من خلال العديد من الأسواق في العديد من المناطق ومنها مكة المكرمة (المصدر: memorandum submitted to the United Nation ad hoc committee on slavery in 1955 - -Slavery in Arab world book by Murry Gordon ) ولم تتوقف هذه التجارة للعديد من الأسباب ربما أهمها عدم تطور الفهم السلفي للدين الإسلامي الذي عالج هذه القضية العامة بمقاربة متدرجة من حيث التشجيع على تحرير الرقاب، إلا أن الكهنوت الديني كان يرى مصلحة باستمرار العبودية لما فيها من مصلحة مادية و إرضاء لطبقة الحكام التي تعتبر أهم المستفيدين من تملك العبيد واعتبارهم غرضا قابلا للبيع والشراء إن كان لتسخيرهم بالأعمال الشاقة أو الخدمات الجنسية، والأهم من ذلك لا يرغب الكهنوت الديني بالتغيير لما فيه من جهة تناقض ومفهوم العقل السلفي المؤسس على اتباع من سبق وعدم إعمال العقل من جهة، ومن مخاطر تتمثل باستيقاظ المجتمع ومناقشته لقضايا مهمة أخرى من جهة أخرى ، قد يكون منها مثلا قضية الحكم، بعد أن اعتاد التغييب واعتبار هذه القضايا قضايا دينية يجب التسليم بها.

ما أنهى العبودية في المملكة، هو الضغط السياسي الدولي عموما والأمريكي خصوصا والذي توج بطلب مباشر من الرئيس الأميركي جون كندي عام 1962 م، حيث خاطب الأمير فيصل (كان رئيسا للحكومة بذلك التاريخ) والذي كان يرغب بشراكة تجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية، المستهلك الأكبر للنفط، "قد تنكر ما سأقوله، ولكن أعلم أن لديكم عبيدا في هذه البلاد وأنا أريدهم أحرارا (المصدر: The Saudi Royal Family | A&E Biography | 2002) واستجاب الأمير فيصل وأصدر ما يفيد بإنهاء تجارة العبيد في السعودية ضمن قرار اشتهر فيما بعد ببرنامج "النقاط العشر".

في الحالة السورية حيث نجح نظام الأسد الأب والابن في إقران مصلحة الدول الكبرى العالمية والإقليمية (إسرائيل)

وهكذا نرى بأن التأثير الداخلي بصنع القرارات المهمة معدوم لسببين رئيسيين:

أولهما توظيف الحاكم للفعاليات المؤثرة بالمجتمعات لصالحه والتي هي في حال المجتمعات العربية المؤسسة الدينية والتي مخرجاتها لا تتعلق بالنقد والإصلاح والتطوير وإنما صدى لما يرغب به الحاكم وثناء على تفضله بتحمل مسؤولية الحكم مع جلب ما يلزم من النصوص المقدسة أو التي جرى إسباغ القدسية عليها تاريخيا بطريقة انتقائية لدعم هذا التوجه يصاحبها تغييب مقصود لوعي المواطنين من خلال طرح قضايا هامشية على أنها جوهرية بقصد تغييب المجتمع.

ثانيا نجاح الأنظمة العربية بالتموضع في شبكة مصالح الدول المؤثرة إما لكونها تسيطر على مخزونات نفطية أو لما تتمتع أقاليمها من أهمية جغرافية- سياسية وهذا ما نراه بشكل واضح في الحالة السورية حيث نجح نظام الأسد الأب والابن في إقران مصلحة الدول الكبرى العالمية والإقليمية (إسرائيل) ببقائه كحاكم لسوريا (ومهيمن على لبنان سابقا حيث ضبط الحدود اللبنانية مع إسرائيل) مما حماه من المساءلة رغم ارتكابه جرائم وإرهاب دولة في الثمانيينات بعهد الأسد الأب وجرائم إبادة مستمرة منذ عام 2011 بحق السوريين في عهد الأسد الابن.

شارك برأيك

أشهر الوسوم