سوريون في ألمانيا: قانون تحديد إقامة اللاجئين لا يراعي حقوقنا

لاجئون سوريون في ألمانيا (AFP)
ألمانيا - تلفزيون سوريا - حسام يوسف

السوريون في ألمانيا، إلى أين؟ سؤال تزايد ترديده في أوساط اللاجئين بعد ما أشيع مؤخراً عن دراسة الحكومة الألمانية لمجموعة من القرارات والقوانين المتعلقة بسياسات اللجوء والاندماج، التي كان آخرها دراسة تعديل قرار تحديد إقامة اللاجئ في المدينة التي اختارتها الحكومة له، ومنعه من الانتقال منها قبل مضي ثلاث سنوات على الأقل من تاريخ حصوله على حق اللجوء، ليصبح القانون المذكور بموجب التعديلات سارياً مدى الحياة بعد أن كان من المفترض أن ينتهي العمل به مطلع آب المقبل.

القانون يتغلب على الإنسانية

مكمن الاعتراض على التعديلات محل الدراسة ارتبط وفقاً لبعض اللاجئين بعدم مراعاته للكثير من معايير الاندماج، ودوره في زيادة حالة التشتت التي تعيشها العديد من الأسر السورية في ألمانيا، الأمر الذي عبرت عنه الشابة لبنة المقيمة في البلاد منذ عامين، مضيفةً: "الكثير من العائلات السورية لم تأت مجتمعة إلى ألمانيا وإنما على دفعات ضمن موجات اللجوء لهذا تم توزيعها على عدة مدن متباعدة، ما جعلها -العائلات-  تعيش حالة تشتتٍ وتشرد على الرغم من أن أفرادها يقيمون في البلد ذاته".

وقالت لبنة: "أنا واحدة من تلك الحالات؛ فقد سبقني أشقائي إلى ألمانيا، وعندما لحقت بهم وحصلت على الإقامة؛ تفاجأت بأن القانون يمنعني من الانضمام إليهم والسكن معهم، وأني مجبرة على البقاء في قريتي الصغيرة التي اختارتها لي الحكومة"، لافتةً أنها حاولت عبر المحامين الانتقال للسكن برفقة إخوتها إلا أنها في النهاية استسلمت للأمر الواقع بانتظار مضي سنوات الإقامة الجبرية الثلاث على حد تعبيرها.

وأضافت ابنة الـ33 عام: "اليوم وأنا أقترب من إنهاء هذه المدة المفروضة علي؛ أُصدَمُ بأن الحكومة تريد أن يبق القانون مدى الحياة، إنها خطوة تأخذ في اعتبارها كل شيء ما عدا الناحية الانسانية والاجتماعية للاجئين الذي يعيشون مأساة تعتبر الأكبر في التاريخ الحديث"، معتبرة أن تطبيق التعديلات بحد ذاتها يشير إلى انتصار القانون على الإنسانية حتى في بلد حقوق الإنسان.

ظلم وانتقائية

انتقادات اللاجئين لم تطل التعديلات فحسب، وإنما تعدت ذلك لانتقاد القانون ذاته الذي اعتبروه متعارضاً مع الكثير من مبادئ حقوق الإنسان وعلى رأسها عدم المساواة بين اللاجئين، حيث لفتت الشابة لبنة أن أبرز مشاكل قانون تحديد الإقامة ارتبطت بتطبيقه على شريحة من اللاجئين وهم من حصلوا على الإقامة في ألمانيا "لجوء - حماية ثانوية" بعد العام 2016، ويستثني من حصل عليها قبل هذا التاريخ، مضيفةً: "كيف يمكن الحديث عن المساواة بين الناس ونحن أمام قانون كهذا، يمنح الحقوق للبعض ويمنعها عن البعض الآخر، إذاً في هذه الحالة نحن لسنا متساوين أمام القانون الألماني".

في السياق ذاته، اعتبرت لبنة أن القرار يتنافى أيضاً مع مبدأ تكافؤ الفرص، رابطةً ذلك بتباين مساحة المدن والبلديات التي تم توزيع اللاجئين عليها، وكذلك تباين الفرص فيها، موضحةً: "كيف يمكن أن تحافظ على تكافؤ الفرص بين من يعيش في مدينة كبرلين أو كولن، وبين من يعيش في قرية جبلية تكسوها الثلوج معظم أوقات السنة، كيف يمكن أن تتم معاملتنا بذات الشروط والقوانين مع كل هذا الاختلاف في ظروف الحياة وفرصها، لا أجد أي عدلٍ في ذلك".

وفي السياق ذاته أضافت لبنة: "في قريتي لم أتمكن من إيجاد مكان لي في دورات الاندماج إلا بعد انتظار لما يزيد عن عام كامل بسبب صغر قريتي وقلة المدارس فيها وقلة المدرسين المؤهلين، في الوقت الذي لا يحتاج الأمر في المدن الكبيرة سوى أسابيع قليلة للالتحاق بالدورة، ومن جهة ثانية أتحدث أيضاً عن قلة المنازل المخصصة للإيجار والتي يحتاج المرء في قريتي لما يزيد عن ستة أشهر لإيجاد أحدها"، مشيرة أن كل العوامل السابقة أثرت سلباً على قدرتها على الاندماج وتحقيق الشروط المطلوبة لنيل الاقامة الدائمة والجنسية فيما بعد، حالها حال الكثيرين من شملهم القرار على حد قولها.

جدل وتوضيحات ومصلحة وطنية

الآراء المنتقدة للقانون وتعديلاته لم تقف عند حد اللاجئين وبعض المنظمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني وإنما امتدت لتشمل أيضاً الباحثين الاجتماعيين، حيث اعتبر الباحث الاجتماعي أحمد برا أن القرار يساعد في تمزيق شمل الأسر اللاجئة كما يحدث مع الشابة لبنة وأسرتها، مضيفاً: "في الحالة السورية تكون حالة التباعد بين أفراد الأسرة الواحدة مضاعفة الأثر، على اعتبار أن السوريين عموماً يعيشون حالة إنسانية غير طبيعية، وهو الأمر الذي كان يفترض على الحكومة الألمانية أن تأخذه بعين الاعتبار، كحالة استثنائية، أو أن تسمح بما يمكن تسميه لم الشمل الداخلي".

وبيّن برا أن الحكومة الألمانية تسعى من خلال هذا الإجراء للحفاظ على الخريطة السكانية والتوزع الديموغرافي في البلاد بما لا يفتح المجال لنشوء مجتمعات أو كانتونات داخل المجتمع الألماني، إلى جانب الحفاظ على الهوية والقيم المجتمعية الألمانية كهوية سائدة على التراب الألماني الذي تعيش فوقه المئات من الشعوب مختلقة الثقافات، مضيفاً: "طبعا الأمر هنا مرتبط أيضاً بحسابات اقتصادية وتنموية بعيداً عن الجوانب الاجتماعية".

أما من الناحية القانونية فقد أوضح المستشار القانوني المحامي باسم سالم أن القرار بصيغته الحالية الممتدة لثلاث سنوات لا يتعارض مع القانون الألماني وهو قانوني ودستوري مئة بالمئة حتى وإن كان لا يتناسب مع معايير حقوق الإنسان، على حد وصفه، مستبعداً في الوقت ذاته إقرار التعديلات المتعلقة بمدة سريانه.

وأضاف سالم: "هنا يجب التوضيح أن القرار لا يشمل إلا من يتلقى مساعدات من الدولة، كما أنه ينص على تحديد مكان الإقامة وليس المنع من التنقل بين المدن كما يردد البعض"، لافتاً في ذات الوقت احتواء القانون على عدة استثناءات لمن حصل على فرصة دراسة أو فرصة لخوض دورة تدريبية مهنية على سبيل المثال.

أما عن الهدف من هذه الإجراءات والتعديلات المذكورة بين سالم أن الحكومة الألمانية تحاول من خلال تلك القرارات خلق ديموغرافيا جديدة على الأرض لاسيما بوجود الكثير من المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة التي تحتاج دم جديد لإنعاشها وبنائها من جديد، ومن وجهة النظر القانونية تعتبر هذه الخطوات كخطة دولة لا يمكن لأحد منعها أو وصفها بغير القانونية.

يشار إلى أن الحكومة الألمانية قد شرعت بتنفيذ قرار تحديد الإقامة للاجئين في آب العام 2016 على أن ينتهي العمل به آب 2019، وهو ما قابلته العديد من المؤسسات والمنظمات الحقوقية، بالإضافة لبعض التيارات الحزبية التي اعتبرت القانون انتهاكاً للقانون الألماني ومبادئ حقوق الانسان واتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين.

شارك برأيك

أشهر الوسوم