سوريا في نفي المنفى (2)

نستكمل أجوبة الكاتب عزمي بشارة في كتابه الحواري "في نفي المنفى"، ونبدأ بكون زياراته لسوريا قبل الثورة قد مكنته من فهم قصص السوريين ومآسيهم اليومية، وهذا بدوره جعله يقف مع الثورة عندما قامت، لأنه يعرف طريقة تعامل رجال الأمن مع المواطن العادي، والخوف الكامن في النفوس.

تأكد لديه هذا الانطباع مع زيارته للمحافظات السورية المختلفة ليلقي المحاضرات ويحتك بالناس، الأمر الذي جعله يكتشف عدم وجود تنمية جدية في الأعوام الأخيرة، في ما عدا حلب، خصوصاً بعدما ظهرت عليها نتائج الانفتاح على تركيا. وهناك فوق ذلك فارق شاسع بل صارخ بين دمشق والمحافظات الأخرى، وهذا العجز في التنمية يشمل حتى المناطق العلوية، فالفجوة بين دمشق وبقية المحافظات عابرة للطوائف، والفرق بين دمشق والريف ضخم، على الرغم أن برامج حزب البعث وشعاراته تزعم أن سوريا دولة فلاحين.

يرفض بشارة أن يعتبر النظام السوري علوياً يقوم على أساس حكم الطائفة العلوية للطوائف الأخرى، ويشرح ذلك بأن النظام السوري سمته الأساسية سيطرة نخبة عسكرية أمنية على حزب ذي قواعد ريفية وبرجوازية وسطى. هذا الحزب تحالف مع رجال أعمال في مرحلة بشار الأسد. وعلى الرغم من أن تلك القوى التي سيطرت على الحزب الحاكم استعانت بقواعد قرابة، وانتماءات جهوية وعشائرية، تطابقت مع الانتماء إلى طائفة بعينها، فإن المعيار بالنسبة للنظام في تحالفاته مع رجال الأمن ليس كونهم يتحدرون من طائفة بعينها، بل المعيار هو الولاء المباشر، أكان هؤلاء الموالون علويين أو غير علويين. وهنا يستشهد بشارة بتجربة صدام حسين الذي جلب معاونيه من أبناء تكريت وضمهم إلى الجيش والأمن ليس لكونهم من السنة، بل لأن الولاء لصدام شخصياً هو الأساس، فالثقة هي تفسير تقريب أبناء تلك المناطق، فكل ضابط كبير يستسهل إحضار أبناء عمومته وأقاربه وأبناء ضيعته للعمل معه. وهذا يرجع أيضاً إلى ضعف المؤسسات وقلة معرفة النظام بالمناطق المختلفة من ناحية أخرى.  وفي المحصلة ستتكون هناك عصبية طائفية واضحة في الأجهزة الأمنية، والواقع ذاته هو الذي ينتج الطائفية، كما يوضح في كتابه عن الطائفية بأن "الطائفية السياسية تنتج طوائف متخيلة".

من ضمن المناقشات في الكتاب الرد على نظرية المؤامرة التي ينشرها مؤيدو النظام، وملخصها أن هناك ضغطاً غربياً على سوريا منذ احتلال العراق، يقوم على الطلب منها تجريد حزب الله من السلاح مقابل إبقائها في لبنان، ولأنها رفضت هذا الطلب كان عقابها إخراجها من لبنان وإشعال الوضع الداخلي. وهنا يتعجب بشارة من هذه النظرية التي تفترض أن يتم اتهام الحليف بقتل حليفة دون أي دليل وهو في هذه الحالة الغرب وأمريكا مع حليفهم رفيق الحريري، بدلاً من اتهام أعداء الحريري السياسيين المتضررين من نشاطه مثل إيران وسوريا وحزب الله بقتله. وفي هذا تجاهل للتفسير العلمي العقلاني للخلفيات الاجتماعية والسياسية لثورة الشعب السوري، والغريب أن يتم الترويج لوجود مؤامرة أمريكية لعزل الأسد في وقت يصبح الأسد فيه مقبولا من أميركا وأوروبا.

المؤامرة الحقيقية فعلها النظام بدعم المقاومة في العراق ضد الولايات المتحدة لا حباً للمقاومة، أو لتحرير العراق من الاحتلال،

فلسطين لم تكن البوصلة للنظام، فالمحدد الرئيسي  لمواقف النظام كان السلطة والنفوذ والطائفة وغيرها، فإذا وقفت مع النظام في هذه القضايا كنت وطنيا حتى لو كنت عميلاً لإسرائيل.

بل كي تجبر سوريا الولايات المتحدة على أخذها في الحسبان كشريك دون شروط من كولن باول. لقد أراد النظام أن يتم تقبله كما هو كعامل استقرار في المنطقة دون التدخل في شؤونه الداخلية ودون أن يضطر إلى القيام بأي إصلاحات.

لم تكن قضية فلسطين، كما اتضح لبشارة، إلا أداة للنظام، وليست هدفا وغاية. فلو كانت فلسطين هي الهدف، فلا يجوز أن تتحول حركة حماس مثلاً إلى خائنة إذا اختلفوا معها. فلسطين لم تكن البوصلة للنظام، فالمحدد الرئيسي  لمواقف النظام كان السلطة والنفوذ والطائفة وغيرها، فإذا وقفت مع النظام في هذه القضايا كنت وطنيا حتى لو كنت عميلاً لإسرائيل. ولو كانت قضية فلسطين مقدسة فعلاً فلماذا يعامل الفلسطينيون في مخيمات جنوب لبنان بهذه الطريقة؟ ولماذا لا يدمج الفلسطينيون في مقاومة الاحتلال، كل هذه أسئلة تقوض رواية النظام.

أما موقف النظام من حزب الله فيرى بشارة أن الحزب بدأ مسيرته رغماً عن سوريا، فالحزب تأسس في سياق التمدد الإيراني في المنطقة. ففي البداية، ومن منطق احتكار النظام السوري للمقاومة، حاول الحد من توسعه باتفاق سوري-سعودي، وأدار هذا التحالف عبد الحليم خدام، واستخدم مقاتلي حركة فتح، لكنهم سرعان ما وجدوا صعوبة في التجاوب مع ذلك الاصطفاف. انتهت هذه الفترة بسرعة، وبدأ حزب الله يثبت نفسه في الصراع ضد إسرائيل، وبموجب تحالف النظام مع إيران، تغير موقفه من الحزب.

أصبح الحزب السند السياسي الوحيد لسوريا في لبنان، خصوصا بعد اغتيال رفيق الحريري في 14 من شباط/ فبراير 2005، وأصبح أكثر أهمية من حركة أمل. وتحول الحزب إلى قوة مسلحة بديلة عن الوجود السوري في لبنان، أكان ذلك في السياسة الداخلية اللبنانية، أو في ما يخص الصراع ضد إسرائيل. وبعد عام 2005 تضاعفت أهمية حزب الله لسوريا، لقد أراد النظام استخدام حزب الله كأداة، لكن المشكلة أن وراء هذا الحزب دولة بحجم إيران، وعندما ضعف النظام تحول حزب الله إلى حليف رئيسي.

كان بشارة قد دافع عن حزب الله وهو عضو في البرلمان الإسرائيلي، وخاض مجادلات مع الصهاينة الذين أكدوا بشتى الحجج أن المقاومة اللبنانية طائفية ومذهبية، إلا أنه في خضم الجدل السياسي الذي خاضه اضطر إلى التقليل من فعالية هذه الحجج. يشرح عزمي بشارة موقفه بأن الجدل مع الخصم السياسي يتطور إلى إنكار ما يؤكده الخصم.

تعرف بشارة بعد ذلك على الحزب عن قرب، ولم تعجبه طريقة تعامله مع الفلسطينيين. ودخل مع الحزب في نقاش في بعض أفكاره،

تغيرت قيادات سورية بعد عام 2007 كما يوضح بشارة في الكتاب، فبشار الأسد أصبح أقل تواضعاً بكثير، وأصبح لديه بعض الغرور، خصوصا بعدما عادت دول العالم لتنفتح عليه بعد حقبة من الحصار.

كان يرى مذهبية الحزب الأصولية ويتجاهل طائفيته، راجع بشارة موقفه  بشأن الحزب وأراءه فيه، فهو يرى أن موقفه مع المقاومة كان صحيحاً، لكن ثمة أموراً جعلته يذهب إلى أبعد مما يجب في العلاقة مع حزب الله، عبر عن ذلك بقوله (أخطأت في بعض الأمور بنية حسنة)، شهد بشارة بعد حرب 2006 محاولات الحزب للسيطرة على قوى سياسية عربية، وتحولت نتائج الحرب إلى أداة للسيطرة السياسية.

تغيرت قيادات سورية بعد عام 2007 كما يوضح بشارة في الكتاب، فبشار الأسد أصبح أقل تواضعاً بكثير، وأصبح لديه بعض الغرور، خصوصا بعدما عادت دول العالم لتنفتح عليه بعد حقبة من الحصار، ولم يعد يستمع إلى  النصيحة، وصار يؤمن بأن القوة تحل المشكلات كلها، وأن العالم لا يفهم إلا هذه اللغة.

حاول بشارة أن يؤسس هيئة سياسية للحفاظ على الثوابت الفلسطينية بعد خروجه للمنفى، تقوم بتجميع القوى الفلسطينية الشابة التي لا تنتمي إلى الفصائل السياسية، لكنه لاحظ أن الاستخبارات السورية تريد أن تمارس هيمنة مباشرة عليها. فانسحب بسرعة، خصوصا عندما اكتشف أن الآخرين لا يقدرون حالة مثقف له وضع مجتمعي خاص وثقافة مستقلة، ولم يكن يقبل أن يكون التعامل معه من منطلق الاستفادة الأداتية.

كان بشارة صديقاً للنظام السوري ويزور سوريا باستمرار، لكن الأوضاع تغيرت، فمن قبل كان يقف مع سوريا من أجل مشروع المقاومة، لكن هذا النظام أصبح يطلق النار على شعبه، ويقصفه بكل الوسائل المتاحة، بعد أن عجز على تلبية مطالبه واحتواء حركاته الاحتجاجية، خرج بشارة إلى التلفزيون ووقف مع الثورة كما فعل من قبل مع الثورة المصرية والتونسية، وكانوا في النظام السوري وفي حزب الله يمتدحون ظهوره الإعلامي تأييدأً للشعب المصري، ثم فجأة تغير الأمر تماماً مع وقوفه مع الثورة السورية. وغدا موقف النظام يتلخص في أن كل الثورات كانت مؤامرة.

خرجت الأمور عن السيطرة في سوريا منذ 2006 أي قبل الثورة بسنوات. وتجاوز وضع النظام السوري ما كان عليه الوضع في نظام مبارك، وقد وصف الباحث جمال باروت النظام السوري بأنه نظام "الذئاب الشابة"، واعتاش النظام على البترودولار طويلاً، وكانوا مستعدين لبيع كل شيء، فمصيبة سوريا في عهد بشار هو أن رجال البيزنس بالمعنى المرذول كانوا نافذين حقاً.

يلخص بشارة علاقته بالشعب السوري على هذا النحو "عندما راحوا يناضلون ويخرجون لأخذ حقهم وقفت إلى جانبهم. وعندما خرجوا إلى الشوارع كنت في العالم العربي، وأُعامَل كمثقف عربي. وكان عليَّ أن أتناول هذا الموضوع بإسهاب، وعبّرت عن رأيي الصريح والواضح بالنسبة إلى الثورتين التونسية والمصرية، وكذلك الثورة اليمنية. إذن، عندما خرج السوريون إلى الشوارع، وأنا أعرف أن قضيتهم أعدل حتى من قضية الشعبين المصري والتونسي، من حيث مدى الظلم والقمع والإذلال والفساد، كان من الطبيعي أن أقف إلى جانبهم بالمبادئ نفسها. وأنا دائمًا أقول إن المبادئ التي جعلتني أناصر المقاومة في لبنان، وحكمًا في فلسطين، هي نفسها التي جعلتني أتقاطع مع سوريا، ثم مع الشعب السوري ضد الطغيان، أي أن الموقف من مقاومة الاحتلال ومقاومة الظلم هو نفسه".

شارك برأيك

أشهر الوسوم