سوريا في عهدة جنرال.. أهله متعاطفون مع الصهاينة

ربما بات من نافلة القول التذكير بالرسالة التي بعثها وجهاء العلويين لرئيس الوزراء الفرنسي ليوم بلوم عام 1936، بمناسبة المحادثات الدائرة بين سوريا وفرنسا من أجل الاستقلال، الوجهاء الذين من ضمنهم سليمان الأسد جد حافظ طالبوا فرنسا بعدم إعطاء سوريا استقلالها، رافضين الارتباط بسوريا المسلمة، "التعصب هو طابع المسلمين العرب بالنسبة لغير المسلمين جميعاً، لذلك ستتعرض الأقليات لخطر الموت عند انتهاء الانتداب"!.

اليهود والعلويون أقليات مسالمة!

هذا المعلومة التي أوردها دانييل لو غاك في كتابه "سوريا في عهدة الجنرال" أصبح الجميع يعرفها، ولكن القسم المتعلق باليهود في فلسطين لم يتم تسليط الأضواء عليه بما يستحقه، وهنا بيت القصيد ومربط الفرس، وسأنقل حرفياً ما جاء في الرسالة ضمن  الكتاب "إننا نلمس اليوم كيف أن مواطني دمشق المسلمين يُرغمون اليهود القاطنين بين ظهرانيهم على توقيع وثيقة يتعهدون بها بعدم إرسال المواد الغذائية إلى إخوانهم اليهود المنكوبين في فلسطين، هي أقوى الأدلة الواضحة الملموسة على عنف القضية الدينية التي عند العرب المسلمين لكل من لا ينتمي إلى الإسلام، فإن أولئك اليهود الطيّبين الذين جاؤوا إلى العرب والمسلمين لكل مَن لا ينتمي إلى الإسلام بالحضارة والسلام ونثروا فوق أرض فلسطين الذهب والرّفاه حرفياً ولم يوقعوا الأذى بأحد ولم يأخذوا شيئاً بالقوّة، ومع ذلك أعلن المسلمون ضدهم الحرب المقدّسة ولم يجدوا ضيراً في أن يذبحوا أطفالهم ونساءهم بالرغم من وجود إنكلترا في فلسطين وفرنسا في سوريا، لذلك فإن مصيراً أسود ينتظر اليهود والأقليات الأخرى في حالة إلغاء الانتداب وتوحيد سورية مسلمة مع فلسطين المسلمة، هذا التوحيد هو الهدف الأعلى للعربي المسلم".

تعاطف تاريخي بين الطائفتين

إنها دغدغة مشاعر اليهود ولا شيء غيره، بدأها الجد سراً، ولو لم تكشفها وثائق وزارة الخارجية الفرنسية لما علم بها أحد، ومارسها أحفاده بباطنية وتقية بعده من حافظ إلى بشار، فكيف نستطيع تفسير هذا السكوت الغربي، على بشار الأسد رغم ما ارتكبه من مذابح كان المجتمع الدولي على علم بها مباشرة، حيث فضلت إسرائيل بقاء بشار على حدودها الشمالية، رغم كثير من الانبطاح قدمه لها بعض المعارضين، سواء بالسر أو بالعلن، ولكن القضية أكبر من ذلك بكثير، وتعاطف تاريخي بين الطائفتين الخائفتين على مستقبلهما في ظل "المسلمين المتعصبين"، كما جاء في الرسالة.

تزوير العلامات

حافظ الأسد الذي كانت علاماته متوسطة في مراحله الدراسية، عمد بعد وصوله إلى السلطة إلى تزوير كل هذه النتائج، وجعل علاماته متفوقة، حسبما

الأسد الوحيد في تاريخ سوريا الذي يؤسس لنفسه وليس لسوريا جهازاً سرياً، وذلك منذ عام 65 حيث شكل لنفسه ميليشيا سرايا الدفاع الشهيرة

يكشف لو غاك، الذين يقول إنه كان كبير الحجم والعضلات، وكان يحمل سكيناً لا يتردد في استخدامها، في استحضار لسلوك عائلته الذين عرفوا كزعران بقوة بدنية، أوصلتهم إلى مراكز متقدمة في القرداحة، رغم النسب المتواضع، والحال الفقيرة.

تأسيس أجهزة استخبارات لخدمته

ومنذ استيلاء حزب البعث على السلطة عام 63 أوعز حافظ لملازم شاب يدعى محمد خولي بتشكيل جهاز استخبارات، استعان به فور وصوله إلى السلطة، "ومن المدهش تماماً الملاحظة أن الأسد الوحيد في تاريخ سوريا الذي يؤسس لنفسه وليس لسوريا جهازاً سرياً، وذلك منذ عام 65 حيث شكل لنفسه ميليشيا سرايا الدفاع الشهيرة، والتي استلمها بعد أعوام أخوه رفعت"، وطبق حافظ منذ كان وزيراً للدفاع خطة أسماها "أرضي شوكي" نقل بموجبها كل الضباط الذين كان يشك في ولائهم، وقبله كانت اللجنة العسكرية قد اتخذت قرارات بتسريح آلاف الضباط السنة.

حافظ الذي كان عضواً غير ذي أهمية في اللجنة العسكرية التي تم تشكيلها، وأغلبها من أبناء الأقليات في مصر أثناء الوحدة، استطاع أن ينفرد بالحكم، بعد أن صفى الرفاق بعضهم، ومن بقي للنهائي، كان في مقارعة مع الأسد الذي لا يرضى بحال من الأحوال أن يكون له شريك في الحكم، فسجن رئيسه صلاح جديد حتى مات، واغتال محمد عمران في لبنان، واغتال صلاح الدين بيطار – أحد مؤسسي حزب البعث- في فرنسا، وغيرهم الكثير من عمليات القتل والتصفية التي اقترفها كي تخلو له السلطة.

الأسد غير مثقف إلا شفهياً

12 تشرين الثاني عام 1970 تم فصل حافظ ورفيقه مصطفى طلاس من حزب البعث لتهاونهم في الدفاع عن الفدائيين خلال أيلول الأسود، وتهمة الإساءة للحزب، ولكنه خلال أيام انقلب على رفاقه، وأودعهم السجن في انقلاب أسماه " الحركة التصحيحية".

الأسد الكتوم أو الباطني كما أسماه ياسر عرفات، لم يكن يجيد اللغات الأجنبية، وليس مثقفاً سوى الثقافة الشفهية، وليس على اطلاع على الإصدارات الهامة في العالم الغربي، ولا على المذكرات الشخصية لقادة العالم، ولا على أمهات الكتب في المكتبات، سوى عن طريق ملخصات يلخصها له مستشاروه الثقافيون.

حافظ والطائفية

وعندما قامت ثورة الخميني في إيران لم يتردد حافظ الأسد في تأييدها، وحين اندلعت الحرب العراقية الإيرانية وقف حافظ القومي العروبي ضد رفاقه في البعث العراقي مع ثورة ملالي شيعية ذات ملامح فارسية، ورغم أن العلاقة حينها بين البلدين كانت ندية، إلا أنها لم تتعرض لأي نكسة، كعلاقة حافظ بكل الدول العربية، التي كانت العلاقات بين مد وجزر، وهذا ما أرجعه مراقبون للبعد الطائفي في شخصية الأسد -المتسلح ظاهرياً بالعلمانية- بغية بناء محور شيعي من لبنان إلى طهران مروراً بالعراق وسوريا، والآن بدأت تظهر نتائج تلك السياسات.

الكاتب يذكر معلومة قد ينساها الكثيرون في ظل جعجعة المقاومة الخالية من الطحين، والمعارك الوهمية التي خاضتها مع إسرائيل، فيذكر أنه في عام 82 عندما اجتاح شارون جنوب لبنان استقبله الجنوبيون أو بعض الجنوبيين بقبضات الأرز!، والأسد رغم ما كبده الإسرائيليون من هزائم حينها، كان سعيداً بهذا الاجتياح، فقد حققوا له ما عجز عنه خلال ست سنوات، وهو تصفية الوجود الفلسطيني بين بيروت وصيدا.

أسباب دخول لبنان

وحسب المؤلف هناك ثلاثة أسباب دعت حافظ – المكروه من مواطنيه والغالبية العظمى من اللبنانيين والفلسطينيين- لدخول لبنان، الأول: الخوف من أن يرى الفرصة

الخطاب الأسدي المعادي لأمريكا والإمبريالية العالمية لا يزعج أمريكا، فالظاهر غير الباطن، وحافظ في السر غيره في العلن

تفوته بعد صعود قوة الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين، الثاني: رغبة حافظ بتأمين حدود دولته، والسبب الأهم هو إشغال جيشه، فضلاً عن السماح لضباط جيشه الكبار بالاستفادة إلى الحد الأقصى من العيشة في هذا البلد الغني والجميل.

الكاتب أشار إلى الخطاب الأسدي المعادي لأمريكا والإمبريالية العالمية لا يزعج أمريكا، فالظاهر غير الباطن، وحافظ في السر غيره في العلن.

جيش فقير وضباطه أغنياء

الجيش الذي يأخذ حصة الأسد من ميزانية الدولة السورية، "في بلد الحرية الوحيدة المسموح بها هي حرية السرقة" وكنتيجة للسرقات المتوالية، حصل نقص في بعض العقاقير الطبية، فتم طلبها من ألمانيا الشرقية التي اقترحت دفع المبلغ مباشرة بالعملة الصعبة فرفض السوريون، فما كان من المسؤول الألماني الشرقي إلا أن وبخ الوفد قائلاً : بعض كبار ضباطكم يجدون المبالغ الكافية لشراء السيارات البرلينية الفاخرة، فلماذا علينا نحن أن نتفهم؟ّ!

العودة إلى الانتماءات ما قبل الوطنية

ويشير الكاتب إلى أن البعثيين الذين سبقوا حافظ على مساوئهم حاولوا تحجيم النظام العشائري والولاءات، وقبل وصول البعث كان الناس يطالبون بكل فخر بعروبتهم، أما بعد عشرين سنة من حكم حافظ الأسد فقد أصبح الناس يتخندقون خلف طائفتهم الأصلية، وليس هناك حديث إلا عن شيعة وسنة وعلويين ودروز وغيرهم.. "وإسرائيل لها بوضوح مصلحة في بروز عدد من الدول الطائفية في المنطقة، أسهمت بالتأكيد في صب الزيت على النار، ولكن بمصادرة الدولة السورية لمصلحة طائفة علوية أقلية، وبإضعاف وإذلال الدولة اللبنانية وصل النظام السوري إلى النتيجة المحزنة نفسها" طبعاً هذا الكلام كان قبل 28 وعشرين سنة، أما ما نعيشه اليوم فما هو إلا الحصاد المر لنظام الأب والابن.

ويختم الكاتب بقوله: ومثل كل المتآمرين، حافظ أسد هو رجل وحيد والعزلة لا تخيفه لأن تصوراته لنفسه والفكرة التي يصوغها لنفسه في الحياة عالية جداً.

في النهاية حاولت عبر مقالين الإضاءة على أبرز النقاط التي رأيتها مهمة، ولكن في الحقيقة لا يستطيع مقالان إيفاء الكتاب حقه، كتاب برأيي هو من أهم ما أُلِّف عن حياة حافظ الأسد من عام 63 حتى 91، وكم تمنيت لو أن الكاتب بقي حياً ليسعفنا بكتاب آخر عن حياة الأسد منذ 91 حتى وفاته، ولكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه.

شارك برأيك

أشهر الوسوم