سوريا.. حرب القمح

باتت سوريا أرض تجارب ومختبرا مفتوحا لكل شيء، وصارت متخمة بحروب من شتى الأنواع في طليعتها اختبار الأسلحة. واعترف الروس في عام 2016 أنهم جربوا نحو 165 سلاحا، من بينها أسلحة فتاكة من نمط القنابل الارتجاجية التي تزن الواحدة منها قرابة نصف طن (500 كلغ) من الديناميت، وتتمتع بقدرة تدميرية هائلة، وهذا ما تم استخدامه في حلب عام 2016 لفرض الاستسلام على المقاتلين ضد النظام.

ويمكن أن نسجل للنظام السوري براءة أكثر من اختراع، مثل سلاح البراميل للإبادة الشاملة ذات النمط البدائي، واستخدام السلاح الكيماوي وتلبيس التهمة للمعارضة. وكما أن الساحة السورية شهدت استخدام أسلحة محرمة دوليا، فإنها تحولت إلى مسرح لجرائم حرب أخرى وجرائم ضد الإنسانية مثل الإعدام من دون محاكمات والاغتصاب وترحيل البشر من بيوتهم وديارهم ومصادرة ممتلكاتهم. ولم يقف الأمر عند هذا، بل امتد إلى الحرب القذرة

من الواضح أن حرب القمح شملت عدة محافظات، وهناك أكثر من مستفيد منها، وشارك في إشعالها أكثر من طرف، في حين أن الفاعل ما يزال مجهولا

التي تدور منذ عدة أسابيع، وتتمثل في حرق المحاصيل الزراعية في أرياف حماة وإدلب والسويداء وفي منطقة الجزيرة؛ الرقة، ودير الزور، والحسكة التي تضررت أكثر من غيرها.

ومن الواضح أن حرب القمح شملت عدة محافظات، وهناك أكثر من مستفيد منها، وشارك في إشعالها أكثر من طرف، في حين أن الفاعل ما يزال مجهولا، ولم تكلف الأطراف المسؤولة على الأرض نفسها عناء التحقيق وإصدار تقرير يحدد المسؤوليات. واللافت والمثير للاستفزاز أن الأطراف الدولية المعنية مثل الأمم المتحدة لم تتحرك من أجل إجراء تحقيق لتحديد المسؤولية عن الجريمة التي أصابت مئات الآلاف، وتركت جروحا كبيرة في قلوب الناس الذين لم يشهدوا موسما زراعيا ناجحا منذ أن وصلت داعش إلى المنطقة، وفرّخت الإرهاب والقتل والتهجير. ورغم أن داعش لم تعد موجودة على مسرح الأحداث فإنها أبت أن تمر هذه الجريمة من دون أن تكون لها حصة فيها، ولذا اعترفت بأنها أحرقت بعض المحاصيل في جنوب الحسكة.

ما حصل حتى الآن من حرائق في الجزيرة يشكل كارثة لا تقل هولا عما خلفته داعش وحروبها ضد الآخرين والحروب عليها، ومن الصعب تحديد حجم الأضرار التي ترتبت على إحراق مساحات كبيرة مزروعة بالقمح، طالما أنه لم يحصل تحقيق مستقل تشرف عليه جهة دولية محايدة مثل الأمم المتحدة. وما لم تتحرك قوى الأمر الواقع الموجودة على الأرض في الجزيرة، فإن الاتهامات الموجهة ضدها قابلة أن تصبح حقيقية

سواء تم تحديد هوية الفاعل أم لم يتم، وحتى لو كان النظام أو داعش هما من قام بإحراق المحاصيل فإن قوى الأمر الواقع هي المسؤولة، والتي يقع عليها تعويض المتضررين

في ظل مؤشرات إلى أن القمح صار أحد الأسلحة التي يتم استخدامها على الساحة السورية، ومن ذلك المضاربة بالأسعار بين النظام وما يسمى الإدارة الذاتية الكردية في الجزيرة، والتي قررت في الختام منع أصحاب المحاصيل من بيعها بصورة حرة، وهذه خطوة قريبة جداً من المصادرة. وكشف أكثر من مصدر في الإدارة الذاتية عن أنها رصدت مبلغ 200 مليون دولار لشراء محصول القمح في الجزيرة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن محصول هذه السنة وفير جدا، وهو يفيض عن حاجة الاستهلاك في المنطقة، الأمر الذي يطرح كثيراً من علامات الاستفهام.

وتبقى المسألة التي لا تسقط بأي حال من الأحوال هي التعويض على المتضررين، ومن سيتولى ذلك؟ وهذا يتطلب فتح تحقيق لتحديد حجم الأضرار. وسواء تم تحديد هوية الفاعل أم لم يتم، وحتى لو كان النظام أو داعش هما من قام بإحراق المحاصيل فإن قوى الأمر الواقع هي المسؤولة، والتي يقع عليها تعويض المتضررين، وهذا يلزم الإدارة الذاتية والقوات الأميركية أن تتعاملا مع القضية بلا مماطلة وتهرب وتقليل من حجم الكارثة.

شارك برأيك

أشهر الوسوم