سوريا بلد غير موجود حتى الآن

مهجرون من أهالي حي برزة بدمشق (أرشيف - إنترنت)

لنأخذ هذا المثال على علاقة السوريين بـ"الدولة السورية": طوال ثماني سنوات، تعرض عدد لا يُحصى من المواطنين السوريين في لبنان لأنواع لا تُعد من المضايقات أو الأذى أو الاعتداء.. عدا عن سلسلة قرارات أمنية وإدارية لبنانية بالغة الإجحاف في التعامل مع السوريين، سببت الكثير من المعاناة والمهانة لهم. مع ذلك، وخلال كل هذه السنوات، لم تقدم لا السفارة السورية ولا وزارة الخارجية أي شكوى رسمية ولا حتى مجرد احتجاج، ناهيكم عن أن تهتم تلك السفارة بشؤون "رعاياها". وهذا محال. 

لم يتساءل أحد فعلياً عن هذه المفارقة في علاقة الدولة بمواطنيها. من تمثل هذه السفارة (وكل سفارة سورية في العالم) إن لم تكن معنية بمصلحة حاملي صفة "التابعية السورية"؟ كيف يُعقل وجود سفارة غير مهتمة بما يصيب مواطنيها؟ بل وفي بلدان عدة، حدث أن السلطات المحلية أنقذت مواطنين سوريين مقيمين فيها من براثن سفارتهم بالذات.

سلوك "الدولة السورية" تجاه السوريين في أي مكان في العالم، هو هكذا: إنكار مسؤوليتها أو صلتها بهؤلاء المسمين "مواطنين سوريين"، إن لم يرتقِ هذا الإنكار إلى مستوى التآمر والملاحقة في أحيان كثيرة.

تُعدّ الدولة السورية واحدة من الدول القليلة في العالم التي "يخاف" حاملو جنسيتها من الذهاب إلى سفارتها

تُعدّ الدولة السورية واحدة من الدول القليلة في العالم التي "يخاف" حاملو جنسيتها من الذهاب إلى سفارتها، بل ويخاف من مطاردة موظيفها ومراقبتهم له في حالات كثيرة. وتقتصر اهتمامات تلك الدولة (في الخارج) بمن يوالونها حصراً، أي من هم جزء من الجماعة الحاكمة، ومن المتنفذين في أجهزتها أو المتشاركين معها في المصالح، ومن يمتّون لها بصلات قرابة أو مصاهرة، أو بانتماء لطائفة محددة.. وبشرط دائم: الولاء التام. 

وحسب ما تخبرنا وقائع السنوات الثماني المنقضية، لا ينتمي لهذه الدولة حقاً (إذا استثنينا الصامتين الساكنين) أكثر من ربع حاملي الجنسية السورية. البقية الباقية، أي الأكثرية الساحقة من السوريين، هم خارج الدولة السورية. 

نفي السوريين من دولتهم هو أمر جوهري لسياسة النظام، ومبدأ أساسي في سلوكه. انتزاعُ الهوية السورية وسلبها من أكثرية السكان، يتيح للدولة الأسدية أن لا تراهم "مواطنيها"، ما يحررها تماماً من أي التزام حقوقي أو سياسي أو أخلاقي تجاههم. وتحرُرُ النظام من أي "قرابة" بهؤلاء، أي ما يوازي أكثر من سبعين في المئة من السوريين، يسهل عليه إظهار العداء المطلق لهم، من دون أي قيد، كعداء قوم ضد قوم، وعداء هوية ضد هوية. بمعنى أن معظم السوريين هم "أجانب" (برابرة) يستحقون حرب إفناء.

حرمان السوريين من حقهم البديهي والطبيعي أي أن يكونوا سوريين وحسب، وامتناع الدولة أن تكون دولتهم، يبيح للسلطة المستولية على الدولة وأجهزتها أن تنفي صفة "الحرب الأهلية" وتجعلها حرباً ضد غرباء وأجانب وبرابرة.. وهوام غير مستحقي حتى سمة البشر. هم فائض وورم يستحق الاستئصال والإبادة.

العداوة الذي يظهرها بشار الأسد شخصياً تجاه الأغلبية الساحقة من السوريين، تطفح بحقد كلي وشامل

العداوة الذي يظهرها بشار الأسد شخصياً تجاه الأغلبية الساحقة من السوريين، تطفح بحقد كلي وشامل، من الصعب معه الوصول إلى ما يسمى "الحل السياسي" أو "التسوية الأهلية". هو اقترحَ وعملَ على مبدأ واحد وفكرة واحدة: التطهير.

فلا شيء يفسر بلوغ مستوى العنف الفالت من أي ضابط حد الوحشية القصوى، واستعمال القوة العارية حتى الدمار الشامل، وانتهاج سياسات التهجير حد الاقتلاع الكلي للسكان.. سوى مبدأ التطهير. فلقد تم اقتلاع ونفي مجتمعات كاملة، وحدثت إبادة عمرانية وبشرية بمدن وقرى وأصقاع ريفية شاسعة، وجعلها خلاء مستوياً. وبلغ هذا التطهير حد اجتثاث الأطلال ومحوها، وجرف الأراضي والبساتين وكل ما يدل على حياة سابقة، بما تحمله من ذاكرة وهوية. بل إن مخططات "إعادة الإعمار" الافتراضية، ترتسم على تغيير جذري للديموغرافيا، وتشترط نفياً تاماً للمجتمعات السابقة على التهجير والتطهير.

بهذا المعنى، ليس مبالغة عند اللبنانيين ذاك الخوف من أن يصيب اللجوء السوري في بلدهم ما أصاب اللجوء الفلسطيني. أي أن تتحول "الإقامة المؤقتة" إلى واقع دائم. فـ"دولة إسرائيل" تنكر على اللاجئين الفلسطينيين، بديهياً، صفة "المواطنة"، وبالتالي تنفي مسؤوليتها الحقوقية عن مصيرهم. ثم إنها تنفي عنهم حق الملكية العقارية لأراضيهم وبيوتهم، طالما أنهم خارج الدولة وكانوا متمردين عليها. كذلك، تنكر عليهم ذاك المبدأ الأساسي: حق العودة، كمهجري حرب وضعت أوزارها في منتصف عام 1948. والأهم أنها تنكر عليهم وجودهم القومي وهويتهم، وتعتبرهم فائضا بشريا لا ينتمي إلى "قوميتها".

هذا المبدأ "الصهيوني"، يتخوف اللبنانيون من أن تحذوه الدولة السورية الأسدية. وهذا ما يحدث عملياً. ففي كل السجال اللبناني لما يسمونه "ملف النازحين السوريين"، ثمة شعور يتقاسمه جميع اللبنانيين، بمن فيهم حثالة الموالين للنظام السوري، أن بشار الأسد ودولته ينكران على معظم السوريين التالي: صفة المواطنة، حقوق الملكية العقارية لأراضيهم وبيوتهم، حق العودة "الآمنة". 

من يراقب الإجراءات المضنية التي تبذلها الدوائر اللبنانية، كل مرة، مع الجانب السوري، لتدبير عودة بضعة مئات إلى بلدهم، يلحظ كيف أن السلطة السورية تتمنع عموماً عن منح مواطنيها حق الحياة في بلدها، وكأنه "امتياز" يمنح لأقل من أقلية. من دون ذلك، فالعائد بلا "ضمانات" أو تصريح (كمن يطلب فيزا دخول!) قد يتعرض للاعتقال أو القتل أو للتجنيد الإجباري (على طريقة سفربرلك العثماني). عدا أن هذه العودة، في حال تحققها، مشروطة أن يخضع العائد إلى مضبطة الأسدية: الخنوع والمذلة للاستبداد والبطش اليومي.

كل المباحثات والمفاوضات والمبادرات التي تتعلق بتسهيل عودة السوريين إلى بلادهم، تبرهن تلقائياً أن النظام السوري يتصرف كسلطة استيلاء واحتلال

كل المباحثات والمفاوضات والمبادرات التي تتعلق بتسهيل عودة السوريين إلى بلادهم، تبرهن تلقائياً أن النظام السوري يتصرف كسلطة استيلاء واحتلال، ويعمل على توطيد هوية خاصة به وبمجتمعه، لا تشمل عموم السكان ولا أولئك الذين يحملون الهوية السورية منذ أن تأسست سوريا الحديثة. وهو إذ نجح بـ"تطهير" القسم الأكبر من الجغرافيا السورية، فلا يريد أن يبدد نجاحه هذا ويتيح للمقتلعين الرجوع إلى أرضهم.

وعلى هذا، يمكننا أن نتحدث عن دولة احتلال بكل ما في الكلمة من معنى، ويتشارك "شعب" الأسد الخاص، مع الجيش الروسي والميليشيات الشيعية، في مهام هذا الاحتلال. ويصمت السياسيون اللبنانيون، فيما هم يتساجلون في "ملف" النازحين السوريين، عن واقع أن هؤلاء تحولوا إلى لاجئين بفعل احتلال ميليشيات لبنانية بالذات لقراهم وبلداتهم ومدنهم. إن معظم غرب سوريا، في الشريط الجغرافي العريض الممتد بموازاة الحدود اللبنانية، واقع تحت احتلال ميليشيا حزب الله. وهو بكل سهولة يمكنه على الأقل أن يعلن مثلاً قبوله بعودة سكان وادي بردى والغوطة الغربية والقلمون الغربي والقصير وريف حمص الغربي، وريف دمشق.. لكنه كقوة "احتلال" شريك أساسي في التطهير، سيظل ممتنعاً عن حل مأساة ضحاياه هو بالذات، الذي شردهم وقتل شبانهم ودمر بيوتهم وجرف أراضيهم.. ومعه سيظل السياسيون اللبنانيون ممتنعين عن الإقرار بمسؤولية الدولة اللبنانية (المادية والمعنوية) السياسية والحقوقية والأخلاقية، كشريكة بما حل بالسوريين، طالما أن جماعة لبنانية وازنة وأساسية هي شريكة، كاملة الشراكة، في الحرب التي شنها النظام السوري على سكان سوريا.

سوريا بلد غير موجود حتى الآن، سوريا الأولى قتلها الأسد. سوريا الماضي ماتت لسببين: الاحتلال والنزوح. وفقط عبر التحرير والعودة، يمكن إعادة هذا البلد إلى الوجود، دولة ومجتمعاً. فهل من سؤال عن مبرر لاستئناف الثورة، بعد هزيمة الثورة الأولى؟ هل من بديل آخر سوى صنع هوية سورية جديدة من دم ودموع وذاكرة السنوات الثماني المنقضية؟ 

شارك برأيك

أشهر الوسوم