سليماني ومخلوف في بيروت بلباس رجال الأعمال

يصر حزب الله على ربط الانفراج السياسي في لبنان بالشروع في التنسيق المباشر مع النظام الأسدي. يحاول أن يفرض على رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري الموافقة المسبقة على هذا التنسيق كشرط أساسي للسماح بإنجاز تشكيل الحكومة، وهو ما أعلن الحريري عن رفضه التام له حاليا ومستقبليا.

 يتزامن هذا المناخ مع بروز فتور في العلاقة الأسدية مع إيران، فمع صعود موجات المطالبة الإسرائيلية بالانسحاب التام للقوات الإيرانية وجميع الميليشيات التابعة لها من سوريا، واستمرار الاستهداف الإسرائيلي للمواقع الإيرانية، لم يخرج نظام الأسد بأي موقف يدافع فيه عن حليفه الأبرز.

  تمثل شرعنة بقاء الأسد القاسم المشترك بين مجمل الصفقات المعقودة في سوريا، وينظر أطرافها إلى هذا الموضوع بوصفه أحد أدوات الحرب الثقيلة ضد الوجود الإيراني.

نظام الأسد لا يستطيع تمكين شروط انتعاشه ما لم يضم لبنان إلى دائرة نفوذه، كما أن خروج إيران من سوريا يعني نهاية نفوذها في المنطقة وسقوط مشروعها.

إنفاذ التفاهمات بين القوى الفاعلة في الميدان السوري يقوم على إطلاق مسار إلزامي، يربط  شرعنة بقاء الأسد بأمن إسرائيل ومواجهة النفوذ الإيراني.

لا يبدو اندفاع حزب الله إلى فرض تفعيل العلاقة اللبنانية مع النظام الأسدي مفهوما، مادامت كل المؤشرات تؤكد على أن مناخ تضارب المصالح بين الأسد وإيران سينمو أكثر وأكثر في المرحلة القادمة. نظام الأسد لا يستطيع تمكين شروط انتعاشه ما لم يضم لبنان إلى دائرة نفوذه، كما أن خروج إيران من سوريا يعني نهاية نفوذها في المنطقة وسقوط مشروعها.

نحن أمام استحالتين متناقضتين فلا الأسد يمكنه أن يترك لإيران النفوذ في لبنان في المرحلة القادمة، ولا إيران يمكنها الانسحاب من سوريا وخسارة استثماراتها الدموية والمالية في الدفاع عن النظام السوري.

الحل الممكن لهذا التناقض يكون بالتوافق على تحويل لبنان إلى ساحة تستخدم لإنعاش كل من النظامين، وتحييده عن تضارب المصالح القائم في الساحة السورية أو استخدامه لإعادة وصلها.

يصعب على إيران التي تعاني من عقوبات أميركية متجددة وقاسية تسببت بهبوط حاد في قيمة العملة الإيرانية، وبأزمة عامة طالت معظم قطاعات الاقتصاد أن تذهب إلى مفاوضات مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ظل هذا الوضع، لأنها ستكون مضطرة إلى تقديم تنازلات جدية لا تسمح بها بنية النظام القائم وطبيعته.

لا بد لإيران أن تستخدم استثمارها الميلشيوي والعسكري في المنطقة لتنظيم مفاوضات مع الجانب الأميركي بأقل قدر ممكن من الخسائر، لذلك لا مفر من استعمال واقع سيطرة حزب الله على القرار اللبناني في هذا الإطار، وتحويل لبنان إلى منفذ يتيح  التخفيف من ثقل العقوبات الأميركية والتحايل عليها.

يتطلب إنجاز هذا الأمر تنسيقا مع النظام السوري بشكل يؤمن مصالح الطرفين. بدأت عملية تنظيم المصالح المشتركة بين الطرفين في لبنان مع مرسوم تجنيس رجال الأعمال المشبوهين  المقربين من نظام الأسد، بغية إتاحة الفرصة أمامهم للتحرك داخل المنظومة المالية اللبنانية، والانطلاق منها لتركيب مخارج مالية لكل من الأسد وإيران.

من هنا  لا يستبعد أن تشهد المرحلة اللاحقة تعيين رئيس أسدي للحكومة اللبنانية بعد أن لمس الرئيس المكلف سعد الحريري النزعات الرامية إلى خنقه سياسيا، وإجباره على التنسيق المباشر مع النظام الأسدي وتحويله إلى واجهة لشرعنة عودة النظام السوري إلى لبنان. من الممكن أن يعمد حزب الله إلى  إيصال شخصية سنية بلا حيثية إلى موقع رئاسة الحكومة، تمهيدا لتحويل ما يسمى بالشرعية اللبنانية إلى شبكة إدارة أعمال نظامي الأسد والولي الفقيه.

كذلك يستخدم حزب الله موضوع اللاجئين  بطرق متعددة بعد أن ظهر التخبط الروسي في إدارة هذا الملف. لم يحمل  المبعوث الروسي ألكسندر لافرينتييف خلال زيارته الأخيرة لبيروت أي حلول جدية لأزمة اللجوء السوري، واقتصر طرحه  على ضرورة التطبيع مع نظام الأسد. تسعى روسيا من خلال تفعيل النشاط حول هذا الملف في هذه اللحظة إلى دفع الجهات الدولية والعربية الممولة لإعمار سوريا إلى المسارعة في الإفراج عن الأموال المخصصة لهذا المشروع.

تختلف الحسابات الروسية عن الحسابات الدولية إذ إن الوقائع الميدانية تعلن بوضوح أن أي عملية عودة لاجئين إلى سوريا حاليا لا تعدو كونها انتقالا إلى مخيمات خاضعة لتحكم الأسد ومخابراته، دون إيلاء أي عناية لشروط الأمان وتوفير سبل العيش، وهو ما يضاعف المخاوف الأوروبية بشأن نشوء موجات تدفق لاجئين.

تهتم روسيا بدفع دول جوار سوريا إلى التطبيع الكامل مع نظام الأسد، وتريد أن تقبض سلفا ثمن مشروع عودة اللاجئين، بما فيه تكليفها بإدارة مشروع إعمار سوريا. المقابل الذي تعرضه هو تحويل مشهد الشتات السوري المتوزع على عدد من دول الجوار إلى مشهد مراكز اعتقال، تؤمن للأسد تأبيد سلطته و تصفية معارضيه وإعادة توزيع العائدين لاحقا على مناطق محددة غير مناطقهم الأصلية، ريثما ينجز مشروع الإعمار الذي يحتاج إلى فترة تتراوح بين خمس وسبع سنوات بعد انطلاقه.

يتحدث العالم عن مرحلة انتقالية ووضع دستور جديد وانتخابات بينما تبحث روسيا عن تأبيد أبدية الأسد كمدخل لإحكام سيطرتها على المنطقة.

يلعب حزب الله من جهته  على ملف اللجوء من عدة مداخل، فهو يستفيد من ارتفاع الشكوى اللبنانية من أثر اللجوء على الاقتصاد بغية الضغط على القوى السياسية للتطبيع مع النظام.  كذلك يعمل على إجبار كتل معينة من اللاجئين على العودة بالقوة إلى مناطق سيطرة النظام ليشكلوا كتلة بشرية صالحة للاستخدام في معركة تثبيت شرعيته. يحرص كذلك على محاولة بيع هذا الأمر لعدة أطراف في الوقت نفسه، إذ يشكل هذا الملف نقطة التقاء مصالح الروس، والنظام، والداخل اللبناني، وإيران والمجتمع الدولي.

إذا كان التطبيع السياسي اللبناني المباشر والكامل مع النظام السوري ما يزال محل رفض مجموعة بارزة من القوى السياسية،

يحتاج حزب الله لإنجاز مشروعه إلى تفكيك الخصوصية التي كانت تميز حضور سعد الحريري بوصفه رجل الأعمال الليبرالي المعتدل المقبول.

فإن نوعا آخر من التطبيع قد بدأ فعلا هو التطبيع المالي والتجاري، حيث ترشح معلومات تفيد عن تقاطر تجار ورجال أعمال لبنانيين إلى سوريا واضعين أنفسهم في خدمة النظام ومشاريعه.

يحتاج حزب الله لإنجاز مشروعه إلى تفكيك الخصوصية التي كانت تميز حضور سعد الحريري بوصفه رجل الأعمال الليبرالي المعتدل المقبول، الذي يحظى بإجماع عربي ودولي بوصفه الطرف اللبناني المخول بإدارة ملف إعمار سوريا، وتدبير شؤون عودة اللاجئين من خلال التفاهم مع الجهات الدولية.

يطرح الحزب نفسه أمام الجميع كبديل اقتصادي وسياسي عن الحريري وعن الدولة اللبنانية ممسكا بزمام إدارة ملفات تعني الغرب والروس، كما يطرح التطبيع مع النظام السوري كصيغة تعيد ربط مصالح الأسد وإيران على الأقل في لبنان، ويجعل من إيران شريكا في حل أزمة دولية، تتيح لها التفاوض من خلالها على وجودها في سوريا من ناحية وعلى ملف العقوبات الأميركية من ناحية أخرى.

 يرجح أن يتغاضى الجميع عن انقضاض حزب الله على الداخل اللبناني، وأن يحظى نشاطه الرامي إلى تعميق الأزمات المالية والمعيشية في البلد بتجاهل عام، يسمح له بتظهير تقاسم النفوذ بينه وبين النظام السوري بوصفه عملية إنقاذية. هكذا سيتاح له نهب موارد الدولة، وإحكام قبضته على ملف النفط الذي تم توقيع اتفاقيات بشأن استكشافه تبدأ عام 2019، وأن يجعل نفسه جسرا لعبور الحلول وتدفق الموارد.    

قاسم سليماني ورامي مخلوف في بيروت بهيئة رجال الأعمال، هذا هو الاختصار البليغ للكارثة اللبنانية الجديدة.

شارك برأيك

أشهر الوسوم