ستون ثانيةً من الحرية.. هكذا سقط رأس الأسد

بشر أحمد - تلفزيون سوريا

يتابع ما تنقله شاشات التلفزة عن تونس ومصر، فيستذكر نقاشاته مع مدرس مادة القومية في المدرسة الثانوية ويستحضر رفضه التنسيب القسريّ لحزب البعث في السادسة عشرة من عمره.

(- أستاذ..

- لا تقل أستاذ أنا رفيق يا رفيق

- أستاذ ما عندكم غير حزب البعث، ما في أحزاب ثانية نقدر ننتسبلها!)

لم يعد اليوم طفلاً، لقد أصبح شاباً في الثالثة والعشرين من عمره وفي الثالثة من تحصيله الجامعي، يتساءل الآن بعمقٍ أخطر: "ألا يستوعب هذا الوطن وجود حزبٍ ليبرالي يعبّر عن أفكارنا ويمثّل تطلعاتنا"!

يُجيب خبرٌ عاجلٌ ظهر على الشاشة:

"قرر الرئيس محمد حسني مبارك التخلي عن منصب رئيس الجمهورية... "، يقفز فرِحاً، "عاش الشعب المصري العظيم".

بحماسٍ يقترح ع.ع ويوافقه صديقه أ.أ الرأي: "أحترم بشار الأسد ولا أريده أن يستقيل كمبارك، لكن لا بدّ من التغيير، لابدّ من ولادة حزبٍ يمثلنا ولابد لتمثال أبيه المقدس من مغادرة مَدخل بلدتنا".

شهرٌ من الحماسة والخوف والتخطيط ثم جاءت ليلة 15\3\2011 الباردة، يستقل ع.ع دراجته النارية ويُقّل صديقه أ.أ ، ملثّمَين ومن طرقٍ فرعية

لم تُثر جلبة العملية الملحمية انتباه الجيران النيام ودوريات الأمن العسكرى، دقيقةٌ من التحديق في الرأس المحطمة والقداسة المهدورة، ستون ثانيةً من نشوة الحرية

يصلان إلى مدخل بلدتهما (داعل) حيث يجثم تمثال حافظ المقدس، بفأس جده يضربه ع.ع الضربة الأولى يُتبعها بالثانية ويستمر بالضرب حتى يتعب فينوب عنه أ.أ، يستمران بالضرب ويستمر فأس الجَدّ بقضم قاعدة التمثال حتى يهوي، لم تُثر جلبة العملية الملحمية انتباه الجيران النيام ودوريات الأمن العسكرى، دقيقةٌ من التحديق في الرأس المحطمة والقداسة المهدورة، ستون ثانيةً من نشوة الحرية، ثم يغادران المكان.

- أردّة فعلٍ على اعتقال أطفال درعا هي؟

- إطلاقاً لم نكن قد سمعنا بقصة الأطفال بعد.

صبيحة 16 آذار 2011 لا حديث لأهالي البلدة والبلدات المجاورة سوى قصة الأبطال الذين هدموا التمثال، وكلٌّ يهمس في أُذن من يثق به مدعياً شرف سحق رأس القائد المقدس، وحده جار التمثال البعثيّ المُخلص كان حزيناً ومضطرباً، يقول الجيران إنّه هرول إلى الأسد الساقط حاضناً رأسه لاثماً جبهته، ثم قام بحمله إلى منزله واتصل (بالجهات المختصة) مبلّغاً عن الجريمة.

فرضت (الجهات المختصة) طوقاً أمنياً في المكان ثم حجبت المنصة المفجوعة بأسدها بستارٍ قماشي وأشاعت في البلدة نبأً لم يصدقه أحد: (أعمال ترميم).

وللمفارقة فقد اعتقلت ذات (الجهات المختصة) البعثيّ المخلص بعد أعوام، يُقال إنه قد قُتل تحت التعذيب ولم تُسلّم جثته لذويه حتى الآن.

درعا وبلداتها كانت تشهد إرهاصاتٍ مشابهةٍ لهدم تمثال داعل، كتاباتٌ على الجدران، منشوراتٌ وملصقات، دعواتٌ للتظاهر .... اكتمل المشهد وستفتتح حوران صفحةً جديدةً من تاريخ السوريين.

18 آذار 2011 ، يذهب ع.ع إلى مركز درعا القريب للمشاركة في مظاهرة المحافظة الأولى، يشهدُ سقوط (محمود الجوابرة) أولّ شهيدٍ في الثورة السورية فيتبدّل موقفه من بشار الأسد المحترم إلى الأبد، لم يتمكن يومها من العودة إلى بلدته فدوريات الأمن تسدّ الطرقات وتعتقل أبناء الريف القادمين للتظاهر في المدينة، بعد ثلاثة أيامٍ من تظاهر الشعب وقمع (الجهات المختصة) تمكن من العودة إلى بلدته، وبّخه والده وأمره بالذهاب إلى دمشق للالتحاق بجامعته من جديد، لكنّ أنباء (المندسّين) كانت قد سبقته إلى العاصمة، وكان أستاذ الثقافة في الجامعة أكثر وفاءً للبعث من مدرس القومية في ثانوية البلدة، إذ لم يحتمل سماع رواية الطالب القادم من درعا حول ما يجري فيها، فيكتب فيه تقريراً أمنياً (للجهات المختصة) ويهرب ع.ع على إثره إلى بلدته ولا يعود أبدا، بات الآن بمقدوره الانخراط كلياً في الثورة والتمرّد على قرار والده "لا يمكنني الذهاب إلى الجامعة فأنا ملاحقٌ أمنياً".

25 \4\2011 دبابات النظام تقتحم مدينة درعا وتعزلها عن ريفها، تتحول مظاهرة درعا المركزية

لم يحمل ع.ع سلاحاً ولم يغيّر بنطال الجينز أو تسريحة (السبايكي) التي يفضلها، ولا يقبل مقارنة هدمه لتمثال حافظ الأسد بهدم مَن جاء لاحقاً لتمثال أبي العلاء المعري

إلى مظاهراتٍ فرعيةٍ في بلداتها، فينخرط ع.ع سريعاً في حراك بلدته (داعل)، ويختار أن يعمل - إلى جانب مشاركته في مظاهراتها- على توثيق جرائم النظام فيها، استمرّ كذلك إلى أن كان هو نفسه حالةً يستوجب توثيقها، إذ ألقت قوات النظام القبض عليه ليخرج بعد أشهرٍ من الاعتقال فيتفاجأ بلافتاتٍ سوداء وأخرى حمراء وأخرى ملونة وبنادق لا عدد يحصى لها تنتشر في كلّ مكان، فيغادر وطنه ويغادر حلمه بالانضمام إلى حزبٍ سوري ليبرالي إلى غير رجعة.

لم يحمل ع.ع سلاحاً ولم يغيّر بنطال الجينز أو تسريحة (السبايكي) التي يفضلها، ولا يقبل مقارنة هدمه لتمثال حافظ الأسد بهدم مَن جاء لاحقاً لتمثال أبي العلاء المعري، وبالرغم من وجوده خارج سوريا الأسد أو غير الأسد إلا أنه طلب عدم ذكر اسمه حتى لا يلقى صديقه أ.أ فيها مصيراً كمصير البعثيّ المخلص الذي كان جاراً للتمثال.

شارك برأيك

أشهر الوسوم