سباق الحل السياسي السوري أمريكياً... وآفاقه  

يبدو من الصعب القول أنّ الاستراتيجية الأمريكية حيال الصراع السوري والثورة السورية لم تكن متبلورة منذ عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، فهذه الاستراتيجية تمثّلت بترك سعير الصراع السوري في حالة تفاقم ونشاطٍ تدميري بغضّ النظر عما يلحق السكان المدنيين من قتلٍ وانتهاكاتٍ لحقوقهم، ودمارٍ لمنشآتهم الحياتية. فالموقف الأمريكي وعلى غير ما يتمّ الترويج له عبر وسائل إعلام عديدة لم يكن في أي لحظةٍ خارج المصلحة الاستراتيجية الأمريكية، والتي أخذت شكلين من أشكال إدارة الصراع السوري. الشكل الأول هو إدارة الصراع من الخلف في مرحلته الأولى، أي تشجيع الأطراف المنخرطة في الصراع العسكري والسياسي إلى ممارسة أقصى مصالحها وتدخلها فيه، عبر استخدامها لكلّ أدواتها الصراعية. والشكل الثاني هو إدارة الصراع السوري مباشرة كما يجري الآن، وتحديداً من خلال تعزيز الوجود العسكري الأمريكي المباشر، ومنع أيّ حلٍ سياسي للصراع لا يمرّ من بوابة المصالح الأمريكية.

رزمة القرارات الدولية المتعلقة بالصراع السوري (بيان جنيف1 – القرار 2118 – القرار 2254) تُشكّل في زمن إصدارها والاتفاق عليها عتبةً أولى لفرزٍ لاحق للمصالح الاستراتيجية لأطراف الصراع

وكي تتضح الصورة أكثر فإن رزمة القرارات الدولية المتعلقة بالصراع السوري (بيان جنيف1 – القرار 2118 – القرار 2254) تُشكّل في زمن إصدارها والاتفاق عليها عتبةً أولى لفرزٍ لاحق للمصالح الاستراتيجية لأطراف الصراع. ولو لم تكن هذه القرارات وفق هذا التقدير الملموس لوجدنا أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تتصرف عبر ميزان قوتها الراجح دولياً، بما يحقق مصالحها النهائية في هذه المنطقة من العالم. إنّ الانجرار وراء ما تُشيعهُ وسائل إعلامٍ كثيرة من أنّ الاستراتيجيات الأمريكية يصمّمها وينفّذها الرؤساء الأمريكيون، وهذا يتنافى في العمق مع جوهر تكوين بنية السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تتوزع الصلاحيات الكبرى فيها على مراكز القرار الفعلية، وفي المقدمة الكونغرس بمجلسيه، والبنتاغون بجنرالاته، والمخابرات بأذرعها الرهيبة.

هذا يقودنا إلى القول أنّ الاستراتيجية الأمريكية حيال الصراع السوري هي استراتيجية واحدة بمراحل متعددة. وما الإصرار الأمريكي الحالي على الحل السياسي للصراع إلاّ تعبيراً عن فتح بوابات الرؤية الأمريكية للحل السياسي النهائي، والذي لن يتطابق مع حرفيّة القرار الدولي (2254)، فذلك القرار كان تعبيراً عن درجةٍ من درجات الصراع العسكري والسياسي. هذه الدرجة اختلفت بمعطياتها بعدما حقّقت الولايات المتحدة كثيراً من النتائج المترتبة على تدمير الفصائل العسكرية سواءً في مدينة حلب أو في الغوطة الشرقية، أو في درعا. الولايات المتحدة كسبت دون بذل جهدٍ بعد إزاحة الحلف الروسي الإيراني الأسدي لمراكز قوة الفصائل العسكرية، ولكنها لن تسمح البتة بتوظيف هذه الإزاحة لمصلحة الروس أو الإيرانيين أو لمصلحة نظام الأسد.

الموقف الأمريكي ظهر جليّاً بعدم قبول الأمريكيين لمسار ونتائج "أستانا – سوتشي"، وعليه فهم يريدون صوغ قاعدة اتفاق سياسي شاملة لحلّ الصراع السوري

هذا الموقف الأمريكي ظهر جليّاً بعدم قبول الأمريكيين لمسار ونتائج "أستانا – سوتشي"، وعليه فهم يريدون صوغ قاعدة اتفاق سياسي شاملة لحلّ الصراع السوري، تنهض على قاعدةٍ تلحظ المصالح الاستراتيجية الأمريكية في هذا البلد. والتي لن تقبل باستخدام ذات أحجار الدومينو في الرقعة ذاتها. أي أن الأمريكيين يريدون لضمان مصالحهم تغيير البنية السياسية لنظام الحكم الأسدي ببنيةٍ جديدةٍ قد تحفل شكلياً بزخرفة ديمقراطية، ولكن واقع الحال العميق سيُبقي هذه السلطة ضمن مدار القوى الفاعلة اقتصادياً وسياسياً وفق توازناتٍ داخلية وإقليمية. ولتحقيق هذه الحالة فإن معادلة الصراع على الأرض يجب أن تتغيّر، بمعنى المطلوب تفكيك القوى الفاعلة لمصلحة روسيا وإيران من خلال منظورين، أحدهما يقبل بقيام الروس بفكّ تحالفهم السوري مع إيران، ولو بأسلوب المواجهة المسلحة، وهذا يحدث الآن بصورة محدودة في منطقة دير الزور. أما المنظور الثاني فيعبّر عن طرد الوجود العسكري المباشر لإيران وميليشياتها عبر عمليات عسكرية قد تقوم بها إسرائيل أو تقوم بها قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.

هذه الرؤية تستدعي تدخّلاً أمريكياً يتمّم الرؤية الاستراتيجية ذات المراحل المتعددة. ويبدو أن جولة المبعوث الأمريكي إلى سورية جيمس جيفري تندرج في هذا السياق. فهو يزور المنطقة، ويلتقي بالقوى ذات العلاقة بالصراع السوري سواءً الائتلاف الوطني لقوى الثورة، أو الهيئة العليا للمفاوضات، ويلتقي بقادة السعودية وقطر الفاعلين بالملف السوري. هذه الزيارة وخطّ مسارها دفع الروس إلى إرسال وفدٍ للقاء القيادة السعودية والقول علناً بضرورة الحل السياسي للصراع السوري.

تمرير أقصى ما يمكن تمريره من الاستراتيجية الأمريكية للحل السياسي في سوريا، والذي على ما يبدو لن يُنتج دولةً سوريةً ذات حكومة مركزية كسابق عهدها

الأمريكيون بهذه الخطوة يذهبون إلى أمرين اثنين، أولهما حشد القوى المعادية للوجود الإيراني في سورية وفي المنطقة وكذلك حشد القوى المتضررة منه خلف خطوة مواجهة عسكرية مع إيران في سورية والمنطقة لطردها من هذه المناطق. والخطوة الثانية هي تمرير أقصى ما يمكن تمريره من الاستراتيجية الأمريكية للحلّ السياسي في سورية، والذي على ما يبدو لن يُنتج دولةً سوريةً ذات حكومة مركزية كسابق عهدها. بل إن الصيغة الدستورية الجديدة التي يسعى الأمريكيون إلى إنفاذها عبر جلسات جنيف ستحمل طابع تخفيضٍ كبير في سلطات منصب الرئاسة السورية لمصلحة الأقاليم، سواء على الصعيد الإداري أو الاقتصادي أو السياسي. هذه الصيغة التي ستعني منع تجديد سلطة النظام الأسدي لنفسها بصورتها قبل الثورة. وتعني فتح الباب أمام رحيلها موضوعياً، بسبب عدم إتاحة الفرصة لها لتجديد وجودها.

نحن إذاً أمام مرحلة سباق الحل السياسي السوري، والذي سيعطي لكلّ طرفٍ من أطراف الصراع الداخلية والإقليمية والدولية حجمه الحقيقي وفق منظور المصالح الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة وحلفها الغربي. وهذا يعني شدّ الأحزمة فعلياً أمام المرحلة النهائية لهذا الصراع، والتي قد تمتّد لبعض الوقت، وتكلّف السوريين مزيداً من الضحايا والدمار وتفكك النسيج الوطني.   

شارك برأيك

أشهر الوسوم