زمن عدد المشاهدات!

لا تكاد تخلو جلسة -على اختلاف السويات الثقافية والعلمية للمجتمعين- من استعراض مستجدات "السوشال ميديا"، وشيئاً فشيئاً مع احتدام الجدل والنقاش واستعراض تفاصيل المحتوى وتبادل الآراء.. تُفضُّ الجلسة ليجد المجتمعون أنفسهم وقد استهلكوا كماً هائلاً من محتوى غير متسق دون أن يسهموا في عملية الإنتاج.

مسوغات كثيرة نسوقها لإقناع أنفسنا والآخرين بأننا لسنا جزءاً من هذا السياق المتغوّل الذي صار يحكم أمزجتنا ويعيد صياغة أذواقنا ورؤانا ومفاهيمنا، ونحن عارفون وموقنون أننا تورطنا في لعبة التكنولوجيا وصرنا مجرد مستهلكين سلبيين، ومهما حاولنا التبرؤ من ترويج السطحية، فلا مناص من الاعتراف بأن مشاهدة الرداءة عن حب اطلاع أو فضول أو زعم نقدي.. هي ترويج وإغناء

حمّى "عدد المشاهدات" خلقت أنماطاً جديدة في العمل وآليات التفكير والعلاقات الاجتماعية

للمشاهدات، فالأمر هنا يتعلق بعدد المشاهدين ليس إلا، مع إدراكنا أن أي حالة نقدية لن تستطيع المنافسة ولن تجد أذناً واعية، فالعين منشغلة بالفرجة، والأذن لوثها الضجيج ولم تعد قادرة على استعادة براءتها.

حمّى "عدد المشاهدات" خلقت أنماطاً جديدة في العمل وآليات التفكير والعلاقات الاجتماعية حتى، ولعلَّ الإعلام كان من أبرز اللاعبين المساهمين في تكريس الحالة الجديدة، إذ إن الحكم الأول يكون على "عدد المشاهدات" للمنتج، دون النظر أحياناً في المحتوى ومصداقيته ومهنيته وجدواه، في تكريس لحالة طالما نقدناها ثقافياً، حالة سادت في ستينات وسبعينات القرن الماضي وتمظهرت في الإنتاج السينمائي وقتها، إذ إنه كان الشكل الأكثر سطوة وانتشاراً، لتسود وقتها "الأفلام التجارية" تحت عنوان "الجمهور عاوز كدة"!.

ولا أجد في هذا المقام ضرورة أو حاجة لسرد ماهية المحتوى الذي يحظى بملايين المشاهدات على "السوشال ميديا" هذه الأيام، فالكل يعرفه أو هو جزء من مستهلكيه ومعيدي إنتاجه، ولكن يجدر بنا الوقوف طويلاً وإعادة ترتيب أذهاننا وأفكارنا وأولوياتنا، في الوقت الذي نتحدث فيه عن وسيلة صارت مفروضة ولا يمكن القفز عليها أو تجاوزها، حتى يأتي مبدعوها بما هو أحدث منها!.

ومع عدم ادعائي أنني أملك بدائل أو مقترحات تعويضية، أرى أن عدم الانسياق لدرجة الانسحاق هو أقل ما يمكن أن نصحح به هذا المسار، أو نحاول، فتطوير آليات مستقاة من تجاربنا القريبة التي أصبحت ماضياً وهي في طور الطزج، يمكن أن يكون حلاً معقولاً يقاوم حالة الاستلاب الكلي التي نعانيها، وإلا سنجد أنفسنا عما قليل في منافسة وصراع محسوم النتائج مع الآلة!.. نعم، فالروبوت والآلات الذكية

هذه التقنيات لم تعد جزءاً من حياتنا المعاصرة وحسب، بل صارت تقودها وتوجهها

هي منافسنا المستقبلي القريب، وبالتأكيد لن نجد إلى الفوز سبيلاً، ما يعني استسلام إنسانيتنا لقسوة الآلة وجفافها، ومهما اجتهدنا في التخلي عن مشاعرنا ونكرانها لن نستطيع أن نتبلد إلى درجة أن لا يعني لنا الموت شيئاً أو أن نستقبل أخبار الفقد بحيادية أو أن نضحك ونبكي بكبسة زر!.

لا شك في أن هذه التقنيات لم تعد جزءاً من حياتنا المعاصرة وحسب، بل صارت تقودها وتوجهها، إلا أن الحيز الإنساني يجب أن يبقى بمنأى عنها، وتشي محاولات سابقة لمصادرة المشاعر تقنياً بأن الأمر ليس من السهولة بمكان، فقد ظهرت منذ تسعينات القرن الماضي محاولات لرقمنة المنتج الإبداعي الذي هو حامل المشاعر الأكبر والأقدر، فظهرت القصيدة الرقمية والعروض الرقمي.. ومحاولات كتابة قصص وروايات رقمية، وهو ما انتهى إلى لا شيء، إذ إن المصفوفة اللغوية وحدها لا تكفي لإنتاج نص إنساني، ولا براعة الصف والتنسيق قادرة على بث الروح في الكلمات وتحويلها أدباً إنسانياً.

وخلاصة القول؛ في هذا العالم المشحون بالتوترات والتناقضات والفوضى، لا يوجد محددات يمكن الركون إليها كمعايير أو مقاربات في صياغة نظام عالمي وإنساني أكثر رقياً وأمناً، لكن أسوأ ما يمكن أن نقدمه لمستقبلنا هو استسلامنا وانسحاقنا أمام طغيان الآلة، وجعل أهم أرصدتنا رصيدنا من "المشاهدات"، لأننا والحالة هذه نراهن على إنساننا ونضعه طرفاً في معادلة بائسة، معادلة تسليع تفضي بالإنسان إلى تحدي بضاعته والتماهي معها!.    

شارك برأيك

أشهر الوسوم