روسيا واللجنة الدستورية السورية

بعد أن أثخنت روسيا جراحها في سورية وحولت بلداً بأكمله إلى جثة متعفنة ودولة فاشلة ليس لها مقومات النهوض أو الأمل بالحياة، ها هي تقترح تشكيل لجنة دستورية تكتب دستوراً جديداً للسوريين، الملهاة السياسية مستمرة والتي يطلق عليها "الحل السياسي" ودائماً هناك من يشارك باسم المعارضة مهما بخس الثمن أو صغر الهدف وقلت قيمة الهدية، فصغار النفوس يكثرون عندما يصبح أبخس وأبخس.

صور الدمار الذي تركته روسيا من حلب إلى الغوطة إلى درعا لا تفتح أي مجال للشك بأن مناورة أستانا فعلت فعلها واستطاعت ليس فقط تحييد قوى المعارضة المسلحة وفصائلها ضد بعضها وإنما تحييد الدول الإقليمية وعلى راسها تركيا.

تحتفظ روسيا اليوم بكامل الحقوق السورية بثرواتها وبشرها، وكي تخفف تكاليفها تسلم جزءا من ذلك لبشار الأسد الذي لا تعني له سورية إلا كقطعة أرض يريد امتلاكها ولو حولها إلى مقبرة كاملة لأبنائها، قصص الموت والألم تبهجه، قصص التعذيب واللجوء والنزوح تبهجه.

هذه سورية اليوم التي سيستمر بحكمها الأسد على رأس عصابة طائفية لم تمتلك انتماء يوماً لوطن أو حضارة، نظام يذكرك بأسوأ أنظمة التاريخ كنظام بول بوت أو الخمير الحمر في كمبوديا أو النظام المتطرف في روندا الذي ارتكب مذبحة أودت بحياة أكثر من 800 ألف شخص، سورية مرتبتها اليوم بين مصاف هذه الدول، ولن يذكر السوريون إلا هذه القصص، ستصبح ذاكرتهم معبأة بالدم والألم، وأجيالهم ستطرد شبح وطن اسمه سورية من ذهن أولادهم، فلا شيء يدعو للفخر، إنها مشبعة بذكريات الألم.

فكيف بكل هذا الانهيار يطلب من السوريين المشاركة في حفلة اللجنة الدستورية ولماذا قررت روسيا أن تبدأ من نقطة بالغة الحساسية بالنسبة لأية أمة، فأي دستور لأية دولة إنما يعكس قيمها الأساسية،

روسيا اليوم لا تتدخل لحساب نظام الأسد وإنما تتصرف بوصفها قوة احتلال، وتستخدم القوة لفرض رغبتها العسكرية والقوة ذاتها لرغبات أحلامها السياسية.

وبما أن روسيا تكرر في كل مرة منذ بدء الانتفاضة السورية في عام 2011 أن الأمر متروك للشعب السوري وتصر في كل فرصة أن الحل يجب أن يكون سورياً من خلال تسوية سياسية وحصرية من قبل السوريين.

ثم كيف تأتي روسيا وتفرض على السوريين الاتفاق على لجنة دستورية قبل الاتفاق على شكل النظام السياسي الذي من شأنه أن يعكس الدستور القادم وفقه، أعتقد أن كل السوريين الذين يتابعون أخبار هذه اللجنة يتابعونها بكثير من الإهانة، فروسيا اليوم لا تتدخل لحساب نظام الأسد وإنما تتصرف بوصفها قوة احتلال، وتستخدم القوة لفرض رغبتها العسكرية والقوة ذاتها لرغبات أحلامها السياسية.

قررت روسيا عدم احترام مناطق خفض التصعيد التي أقرتها هي في أستانا، وفي جميع أنحاء سوريا حيث كشفت روسيا أن هذه المناطق مؤقتة وأن روسيا تستطيع أن تقرر متى تنتهي صلاحية هذه الاتفاقات من عدمها.

وبدل التركيز على ذلك فضلا عن قضايا أخرى تشكل أولوية للسوريين اليوم من مثل اللجوء والوضع الإنساني فإن روسيا قفزت وعملت على لجنة لاقتراح دستور سيكون مصيرها مثل مصير اتفاقات أستانة لعب على الوقت تحت القوة العسكرية من أجل تحقيق السيطرة العسكرية الكاملة لنظام الأسد.

مع التدخل الروسي في سورية فروسيا لم تعد داعما لنظام الأسد أو راعيا له، وإنما أصبحت بالحقيقة مالكة له وبالتالي عليها "إنقاذ سورية" من أجل الخروج بشرف وكرامة من تدخلها العسكري، لكن في الحقيقة تطورت الأمور على غير هذا المبدأ كلياً ، إذ تدخلت روسيا في كل الأماكن مع تركيز عسكري وقوة نارية هائلة ضد المعارضة السورية المسلحة بما دعم نظام الأسد، ثم تحول تدخلها العسكري الأخير في الغوطة فدرعا إلى قدرة تدميرية هائلة خارج إطار القانون الدولي ومكنها موقعها الدائم في مجلس الأمن،

النظام السياسي الروسي اليوم شبيه تماما بالنظام السوري فيما يتعلق بآليات السيطرة والتحكم داخل المجتمع الروسي، فكل الإعلام الروسي تحول إلى بروبوغاندا دعائية للكرملين في حربه في سورية ضد "الإرهاب".

و امتلاك حق النقض الفيتو من حمايتها من أي مسائلة عن جرائم الحرب التي ارتكبتها في حلب ودرعا والغوطة عبر استهداف المشافي والمناطق المدنية المأهولة بالسكان ، ,أخيرا في ما يسمى "اتفاق خروج المسلحين" من درعا والذي يعني عمليا اتفاق تهجير للمدنيين القاطنين في مدن محافظة درعا إلى خارج مدنهم.

إنه اتفاق تهجير قسري ضد القانون الإنساني الدولي وليس اتفاق لحماية المدنيين، وفي الحقيقة من أعقد الأمور الآن التي يمكن تحليلها اليوم هي معرفة النوايا الروسية الحقيقة في سورية، هذا ليس بسبب ازدواجية الخطاب الروسي حيث تقوم بقول شيء وتفعل عكسه على الأرض، وإنما لأن النظام السياسي الروسي اليوم شبيه تماما بالنظام السوري فيما يتعلق بآليات السيطرة والتحكم داخل المجتمع الروسي، فكل الإعلام الروسي تحول إلى بروبوغاندا دعائية للكرملين في حربه في سورية ضد "الإرهاب".

لقد غابت كليا الحجج المنطقية التي برأيي يجب أن تكون الأساس الأول لكل قائد يقرر تدخلا عسكريا مكلفا خارج بلاده، وهو ما فائدة أو علاقة هذه الحرب بالأمن الوطني الروسي؟ هل هناك حاجة لروسيا كي تصرف أو تستنفذ كل هذه الموارد المالية والعسكرية والسياسية في الدفاع عن نظام من المستحيل عليه الاستمرار بطريقة سياسية أو قانونية، فاستمراره يعني استمرار الحرب السورية إلى مالا نهاية ولن يشعر اللاجئون السوريون الذين بلغ عددهم اليوم أكثر من 7 ملايين لاجئ بالأمان من أجل العودة إلى سورية طالما أن الأسد مستمر بطريقة حكمه في القتل والتعذيب والبراميل المتفجرة في حكم ما تبقى من سورية.

شارك برأيك

أشهر الوسوم