روسيا تقود معركة إعلامية ضد الشبكة السورية والخوذ البيضاء

صحفيون غربيون على قناة روسيا اليوم الناطقة بالإنكليزية يتحدثون عن الخوذ البيضاء (RT)
عمر الخطيب - تلفزيون سوريا

لم يعد كافياً بالنسبة للنظام وروسيا أن يعتمدا على المواقع التابعة لهما بشكل مباشر، بما يخص تكذيب المعلومات الموثقة حول اعتداءاتهما. ومؤخراً أدار الاثنان حملة دعائية شرسة للدفاع عن استهدافهما للمستشفيات والمراكز الصحية في محافظة إدلب وريف حماة.

الحملة الإعلامية أتت بقيادة صحافيين غربيين تابعين ومؤيدين لروسيا، وبدأت بمهاجمة "الخوذ البيضاء"، ومحاولة النيل والتشكيك بتقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان التي باتت مصدراً معتمداً وموثوقاً لدى المنظمات الحقوقية والأمم المتحدة والصحافة الغربية.

الصحافية البريطانية "فانيسا بيلي"، المعروفة بتبعيتها للدعاية الروسية ونشرها مقالات تحريضية في المواقع التابعة لموسكو وعبر مقابلاتها التلفزيونية، انضمَّت بقوة إلى الحملة ضد الشبكة السورية، وهاجمت، في مقال لها على موقع "mint press news"، الشبكة واتهمتها بأنها "مسؤولة عن كثير من التقارير التهويلية عن الصراع السوري"، أما الإضافة التي حمّلتها بيلي خلاصة الحقد الروسي فجاءت باتهامها للشبكة بأنها "ممول رئيسي لدعاية القنابل البرميلية".

رواية لا تصدق

وتعتمد الدعاية الروسية في حملاتها على أن المشافي التي يتم تدميرها أو استهدافها من قبل موسكو هي مشافٍ ميدانية، وعلق فضل عبد الغني مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان لموقع تلفزيون سوريا بأن المشافي لا يجوز استهدافها بالمطلق مهما كان نوعها "المراكز الطبية هي لعلاج الناس ومداواتهم بغض النظر إن كان النظام هو من أنشأها أم لا" واستهداف المراكز الطبية يعتبر "جريمة حرب".

الاتهامات لموسكو باتباع سياسة تدمير ممنهجة للمنشآت الصحية لا تأتي فقط من الشبكة السورية، فمنظمة العفو الدولية اعتبرت في 17 أيار الماضي أن النظام وروسيا يقومان بـ"هجوم متعمد ومنهجي على المستشفيات والمرافق الطبية الأخرى في إدلب وحماة"، وقالت "لين معلوف"، مديرة أبحاث الشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية، لمركز "مؤسسة القرن" إن النظام في جميع عملياته العسكرية يقوم بـ"تدمير المنشآت المدنية عمداً للضغط على السكان المدنيين والجماعات المسلحة للتنازل"، مشيرة إلى أن "الهجمات ضد المستشفيات واسعة النطاق ومنهجية، وهذا ما يجعلنا نقول إن الهجمات ضد المستشفيات في سوريا هي جريمة ضد الإنسانية".

الحملة تزداد عنفاً

يقول "عبد الغني" إن الحملة من قبل ناشطين وصحفيين تابعين لروسيا على الشبكة السورية لم تتوقف، ولكنها تشهد تصعيداً مؤخراً، ومن أهم أسباب الحملة برأيه أن الشبكة تفضح وتعرّي جرائم النظام وروسيا وتعتبر مصدراً موثوقاً "للصحف العالمية ووزارات الخارجية الغربية"، وأكد عبد الغني أن هذه الحملات والقائمين عليها يستهدفون أيضاً منظمة الخوذ البيضاء السورية ويهدفون من خلال حملاتهم بشكل أساسي إلى "التشكيك بتقارير الشبكة وأرقامها، واتهامها بالانحياز".

وانطلقت الحملة الأخيرة هذه المرة على خلفية التقارير التي تدين روسيا والنظام بارتكاب جرائم حرب بسبب استهدافهم الممنهج للمنشآت الطبية في إدلب وحماة، والتي كان للشبكة السورية لحقوق الإنسان جهدٌ كبيرٌ في متابعة هذه الاعتداءات ورصدها.

نقاش في الأمم المتحدة

شهدت الأمم المتحدة في الأسابيع القليلة الماضية كثيراً من النقاشات الحامية حول استهداف موسكو المتعمد للمشافي والمراكز الصحية وقالت عدة صحف غربية إن هذا الاستهداف تشترك الأمم المتحدة في تحمل مسؤوليته، لأنها تقدم قائمة لروسيا بمواقع المشافي والمنظمات الإنسانية، وتقوم روسيا باستهداف هذه المواقع، وكان قرار الأطباء ومعظم المنظمات غير الحكومية في إدلب بالتوقف عن منح المواقع للأمم المتحدة صفعة قوية واتهاماً مباشراً سواء للأمم المتحدة أو لروسيا.

ونشرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مؤخراً تقريراً متكاملاً تحدثت فيه بالتفصيل والأدلة مع التواريخ عن استهداف المنشآت الصحية بشكل متعمد وممنهج من قبل الطيران الروسي وطيران النظام.

وورد في تقرير الشبكة أن عدد المنشآت الصحية المستهدفة وصل إلى 24 منشأة خلال 4 أسابيع، حيث تم تدميرها جزئياً أو كلياً، وتم استهداف المنشآت في 29 اعتداء توزعت بحسب تقرير الشبكة كالآتي: 15 اعتداء من قبل النظام و14 من قبل روسيا، حيث تعرض مركز كفر نبل للرعاية الصحية للاعتداء بالقنابل العنقودية المحرمة دولياً.

لم تهدأ الحملات الدعائية الروسية التي تستهدف المنظمات الحقوقية والإنسانية السورية منذ انطلاق الثورة السورية، وبالرغم من ذلك فشلت في النيل من مكانة هذه المنظمات، وأكد عبد الغني أن من يقود هذه الحملات هي "صحافة سوداء لن يكون لها تأثير على سمعة الشبكة ومكانتها العالمية" فالعالم والمنظمات العالمية تعلم أن هذه الحملات تأتي من قبل "أشخاص مأجورين "واعتبر أنها موجهة بالدرجة الأولى للموالين لروسيا في حربها على سوريا.

الإبلاغ عن المشافي في صلب اتفاقية جنيف

نصت اتفاقية جنيف الرابعة 1949 بتوفير الحماية للمدنيين في زمن الحرب، وضمان إمكانية وصول المدنيين إلى المرافق الطبية، بالإضافة إلى ضمان حرية عمل الممرضين والأطباء وأمنهم وحماية المشافي وعربات الإسعاف ويعتبر استهداف المشافي جريمة حرب، وتقوم الأمم المتحدة من جهتها بمحاولة ضمان الحماية للمنشآت الطبية.

ولهذه الغاية يقوم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية "أوشا OCHA"، بالعمل على "تبادل المعلومات والتخطيط من قبل الجهات الفاعلة في المجال الإنساني مع الجهات الفاعلة العسكرية" من أجل "إزالة العقبات أمام العمل الإنساني، وتجنب المخاطر المحتملة للعاملين في المجال الإنساني". أي أن الأمم المتحدة تساعد الفاعلين في المجال الإنساني على نقل المعلومات المتعلقة بوجودهم ووضعهم القانوني المحمي إلى الجهات الفاعلة العسكرية العاملة في المنطقة، وذلك عن طريق تسجيلهم على ما يُعرف باسم "قائمة عدم الضربات"، ويشير مركز "مؤسسة القرن" إلى أن "أوشا" قامت منذ عام 2015 بتسليم روسيا وأمريكا وتركيا قوائم بأماكن وجود المنشآت الطبية، حيث إن هذه الدول ولاسيما روسيا يجب أن تقوم بإخطار حلفائها حتى لا يتم استهداف هذه المنشآت، لكن على أرض الواقع فالمراكز الطبية كانت دائماً الأهداف الأساسية لروسيا نفسها، ناهيك عن النظام وإيران، في حربها على سوريا.

سياسة الإنكار

من جهتها تتابع موسكو سياسة الإنكار التي تتبعها منذ شنها الحرب على سوريا حيث تدعي عدم استهداف المدنيين بل إن سفارة موسكو في واشنطن أصدرت منذ أيام بياناً صحفياً هاجمت فيه الإعلام الأمريكي لا سيما "نيويورك تايمز" و"سي إن إن" بسبب التقارير التي نشروها عن جرائم النظام بحق المعتقلين السوريين، وبررت السفارة استنكارها باستحالة الوصول إلى دليل كما تقول، وهي نفس الحجة التي يستخدمها مندوب روسيا في الأمم المتحدة للإنكار عند مواجهته بصور وفيديوهات المنشآت الصحية التي تم تدميرها من قبل دولته.

وكالعادة هناك توافق دائماً بين البروباغندا الروسية من جهة وبين تصريحات مسؤوليها من جهة أخرى، فكلام بيلي في تقريرها عن اتهام الخوذ البيضاء والشبكة واستفاضتها بالحديث عن مؤامرة أمريكية وغربية، نجده في بيان أصدرته وزارة الخارجية الروسية في 23 أيار الماضي، اتهمت فيه الولايات المتحدة بأنها تصدر معلومات "خاطئة" عن استهداف روسيا والنظام لمنشآت مدنية لإلقاء اللوم على موسكو، وأضاف البيان أن هدف واشنطن من ذلك منع روسيا من القضاء على الإرهاب.

بروبغندا عمرها 8 سنوات

من المعروف أن الدعاية الروسية بدأت باستهداف الشعب السوري وثورته منذ انطلاق الثورة السورية، ولكن هذه الدعاية ازدادت شراستها مع بدء حرب روسيا على سوريا، وحالياً تشهد مواقع التواصل الاجتماعي لا سيما تويتر حملات مستمرة من قبل جيش روسيا الإلكتروني وعبر مواقع إعلامية تابعة لموسكو.

وتعتبر منظمة الخوذ البيضاء والمنظمات الحقوقية السورية التي نجحت في اكتساب ثقة المجتمع الدولي والصحافة الغربية من الأهداف الدائمة لهذه الدعاية، وتدرك هذه المنظمات أهمية ما تقوم به وتدرك أنه كلما ضاعفت من رقابتها وملاحقتها للانتهاكات الروسية ارتفعت وتيرة الحملات التي تستهدفها وزادت شراستها.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم