روبرت كولدفاي بطلٌ في رواية

عالم الآثار والمنقّب والمكتشف روبرت كولدفاي (1855 ــ 1925)

بفضل الفيلم الهوليودي (لورانس العرب) وأبطاله بيتر أوتول وعمر الشريف وأنطوني كوين، الصادر سنة (1962) تعرّف معظم الناس على توماس إدوارد لورانس (1888 ــ 1935)، وبفضل اكتشاف طروادة سنة 1871 أحبّت أوروبا عالم الآثار الألماني هاينريش شليمان (1822 ــ 1890)، وتأخر اكتشاف الكاتبة وعالمة الآثار والمساهمة الرئيسة في تأسيس العراق الحديث غيرترود بيل (1868 ــ 1926) إلى وقت صدور فيلم (ملكة الصحراء) سنة 2014، الذي أدّت فيه نيكول كيدمان دور الآنسة بيل، فمنحتها ألقاً فوق ألقها، وأضفت على بيل جمالاً وحلاوة لم تحظَ بهما في حياتها.

واليوم تتاح لنا فرصة رائعة لنتعرّف على عالم الآثار والمنقّب والمكتشف الأهم روبرت كولدفاي (1855 ــ 1925)، بعد أن ظلَّ، مدّة مئة عام، وراء الستارة منتظراً أن يزيحها عنه أحدهم ليدهشنا ويبهرنا، ويأخذنا إلى عوالم ومعالم ما كنّا نتخيّلها، ويزجّ بنا في قصص وحكايات ما كنّا لنسمعها أو نعرفها! وهذا ما فعلته الأنثروبولوجية وعالمة اللغات السومرية والأكادية والحثّية الشاعرة الألمانية كينا كوزانيت، فأزاحت هذه الستارة، وأمسكت بيد كولدفاي وقدّمته إلى الجمهور العريض الواسع بكل فخر ومحبة في روايتها (بابل) الصادرة بالألمانية قبل شهر بالضبط.

خلفية تاريخية:

لقد اختارت كوزانيت أن تبني روايتها على أساس شخصيات تاريخية حقيقة، ولذلك يحسن بنا أن نلقي بصيص ضوء على الشخصية الرئيسية في هذه الرواية، ومكانتها العالمية في علم الآثار.

درس روبرت كولدفاي الهندسة المعمارية، وعلم الآثار، وتاريخ الفن في برلين وميونيخ وفيينا، وكان أحد أهم بناة تقاليد العمل الألمانية في الآثار، وهي أولى التقاليد العلمية في تاريخ العمل الأثري، إذ اتسمت بطابع تنظيمي في التحري والاستكشاف والتوثيق والتسجيل وتصوير ما تمّ الكشف عنه من آثار بغضّ النظر عن حجمها وماهيتها، بحيث غدت طرائقه وأساليبه أجروميّة التنقيب الأثري لمن بعده من المنقّبين والمكتشفين.

أسّس مع فيلهلم دوربفيلد خليفة هاينريش شليمان بحوث تاريخ البناء الفني والمعماري للمباني الأثرية، وبدأت رحلاته البحثية الأولى سنة 1882، فنقّب في جزيرة ليسبوس اليونانية مع المستشرق برنارد مورتيز، وسافر إلى بلاد ما بين النهرين أول مرة عام 1887، وأجرى تحقيقاً أوّلياً عن المدن السومرية في جنوب شرق تركيا، وأجرى حفريات في مدينة سامال الآرامية، ثم درس مع أوتو بوتششتاين ما بين  1892و 1894 المعابد في مدن المستعمرات اليونانية في جنوب إيطاليا وصقلية، وفي عام 1894 حصل على الدكتوراه الفخرية لتحقيقاته الأثرية من جامعة فرايبورغ.

بدأ كولدفاي سنة 1899 حفريات بابل، واستمرت إلى سنة 1917 سنة الغزو البريطاني لبغداد، وخلال هذه المدة انهمك في العمل بلا انقطاع ولا ملل، وتمكّن من إحراز أهم الكشوفات الأثرية، وعلى رأسها اكتشافه بوابة عشتار الشهيرة المخصَّصة في الأصل للإلهة البابلية عشتار، والتي نُقلت إلى متحف بيرغامون في برلين.

بوابة عشتار

استقرّ كولدفاي بعد عودته من العراق في برلين، وعمل مسؤولاً عن الشؤون الخارجية لمتاحف برلين سنة 1921، وتوفي بعد معاناة مريرة مع المرض سنة 1925.

لقد مرّت قبل كولدفاي قوافل من المنقبين والمكتشفين الأثريين الغربيين، ككلوديوس ريتش، وأوستن هنري لايار، وجورج سميث، وكانت بصمتهم مهمة، واكتشافاتهم مذهلة، غير أنّهم جميعاً لم يرتقوا إلى الضوابط التي قعّدها كولدفاي، فقد أضرّت أعمالهم بالمواقع الأثرية ضرراً بالغاً، لأنّ اهتمامهم انصبّ أولاً وأخيراً على مجرد الكشف وحيازة اللقى الأثرية، وليس على صيانة الموقع نفسه، وحمايته من عوادي أيدي المنقّبين.

 

رواية بابل:

ترصد كينا كوزانيت في هذه الرواية البطولة العلمية الألمانية التي تجسدت في شخصية روبرت كولدفاي الذي قام بأهم المغامرات الأثرية للألمان في الشرق، وساعده باحثون مختصون أبرزهم فالتر أندريه، ومع بدء عمل البعثة الأثرية سنة 1899 حدّد كولدفاي مدة خمس سنوات للعمل في هذا الموقع، ولكن بعد أربعة عشر عاماً كتب في أحد تقاريره: "إنّ نصف العمل الذي يعدّه ضرورياً قد انتهى".

إنها رواية مغامرة التنقيب في أطلال متاهات جبّارة من جدران طينية صفراء، كانت في يوم من الأيام مركزاً لأقوى دولة مدينية في العالم. وتحقيق أعظم اكتشاف أثري في تاريخ المنطقة! فقبل أن يبدأ العمل كانت بابل مجرد أسطورة تتعلق بجبل رائع تكلّله النباتات والأشجار، وبعمله الجاد المتقن أخرجها من عالم الأسطورة إلى عالم التاريخ.

رواية فيها كم هائل من البحث الذي قامت به المؤلفة لإعادة بناء أكبر الحفريات في الشرق الأوسط، واستجلاء سياقاتها الثقافية والسياسية: تقفّي التفاصيل التاريخية والثقافية للعلاقة بين الصورة والكتابة في الكتابة المسمارية البابلية، والقطع والوصل المعرفيان ما بين الشرق والغرب، والنقاشُ حول الاستعمار، ونهبُ الآثار والفن، وتأريخ التنافس المحموم على مجد الاكتشاف ما بين ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، ولا عجب ففي ذلك الوقت كان مجال علم الآثار مشحوناً سياسياً، وكانت هذه الدول تخوض مسابقة حقيقية في التنقيب، ومصارعة فعلية على حصيلة الغنيمة التي حاولوا دائماً حجبها وإخفاءها عن العثمانيين، رغم القوانين الناظمة لهذه التنقيبات، والاتفاقات الحاكمة لها.

تدور أحداث الرواية سنة 1913، أي قبل سنة من اندلاع الحرب العالمية الأولى، وهذا ما يضع الرواية في خضم الحدث السياسي العالمي، ولأنّ أحداثها تدور في العراق على أرض عثمانية فإنّ التناول السياسي يطال شبكة العلاقات السياسية العثمانية والألمانية والبريطانية.

تقدّم كوزانيت في تدفّقها السردي جميع الحقائق المهمة حول مدينة بابل وتاريخها الأثري، فههنا بابل الأكدية القرية الصغيرة قبل أربعة آلاف وثلاثمئة وسبعين سنة، ثم بابل ملحمة جلجامش في الألف الثاني قبل الميلاد، وبابل الملك حمورابي، ثم بابل التي هدمها الآشوريون، ثم بابل التي أعاد بناءها نبوخذنصر، وبابل الإسكندر الأكبر الذي جعلها عاصمة إمبراطوريته العظيمة من اليونان إلى شمال الهند، ومن العراق حتى مصر، ومات فيها وهو في الثالثة والثلاثين سنة 323 ق.م، بالإضافة إلى الأساطير التي ظهرت حول برج بابل منذ زمن التوراة. تدفّقٌ يمور بمعلومات وتحليلات مبنية على مفاهيم الحفريات التاريخية الفلسفية ومصطلحاتها، من دون أن يغيب عن السرد الوضع السياسي الذي يمزّقه الصراع في الشرق الأوسط، ولكي تكسر حدة هذه المعلومات عمدت الروائية إلى إضفاء لمحات كوميدية بارعة من خلال وصف بيروقراطية متحف برلين المسؤول عن البعثة وتمويلها، ومن خلال وصف العلاقة بين كولدفاي ومعاونيه الكسالى، ومن خلال إعطاء شخصية كولدفاي نفسها طابعاً كوميدياً! ولذلك وُصفت هذه الرواية بأنّها تحفة كوميدية أيضاً.

في النصف الثاني من الرواية تظهر النبيلة الإنجليزية ابنة المليونير الآنسة غيرترود بيل، المستكشفة والدبلوماسية والجاسوسة البريطانية باعتبارها خصماً لكولدفاي، لكنّها في النهاية تلعب دورًا حاسمًا في تأمين اكتشافات الحفريات الألمانية حيث يعهد إليها بكنز بوابة عشتار وشارع بابل في حال وقوع هزيمة ألمانيا في الحرب القادمة، ولا يسع القارئ إلا أن يتوقف عند النهاية المفاجئة للرواية، إذ يودّ أن يعرف أكثر عن هذه السيدة المميّزة، ولكنّ هذا ما تبخل به الرواية.

ترى هل يأتي يوم نزيح فيه الستار أيضاً عن أعلامنا ومنقّبينا؟ من خلال فيلم أو رواية أو إنشاء سيرة ذاتية؟ عن شيخ الأثريين السوريين نسيب صليبي الذي استطاع أن يرمِّم واجهة قصر الحير الغربي حين نقلت من موقعها إلى متحف دمشق، أو عن العوائل المصرية التي امتهنت هذه المهنة فكان منهم رؤساء الحفائر الشهود على أهم الكشوف الأثرية والمساهمون في إنجازها، أو عن الآثاري المهم طه باقر مكتشف تل حرمل، أو النابغة العراقي الآشوري المجنس بريطانياً (هرمز رسام) الذي كانت حياته سلسلة من المغامرات العظيمة، وإحداها عمله باسم المتحف البريطاني من سنة 1882 حتى سنة 1897، واكتشافه الألواح الطينية لملحمة جلجامش؟

ربما تسعدنا الأيام بذلك.

شارك برأيك

أشهر الوسوم