رواية "حوض السلاحف": الملل المشوّق

كقارئ لديه شيءٌ من اللؤم والانتقائيّة في القراءة، وذائقة يصعب عليها الاندماج مع النصوص بسهولة، ومأخوذاً بفضول الاستكشاف، بدأت بقراءة رواية "حوض السلاحف" للشاعرة والتشكيليّة اللبنانيّة رولا الحسين (دار الساقي - بيروت 2018، بالتعاون مع برنامج آفاق للرواية). وحين انتهيت من القراءة، خلصتُ إلى نتيجة مفادها: إن هناك لحظات فارقة ومفصليّة في حياة أيّ شخص، ربما تحدد مصيره، أو تنقله من عالم إلى آخر، وتضعه في مواجهة مصير جديد، أو وسط شكل ونمط مختلف من الحياة. لحظاتٌ مشحونةٌ بفوضى الهواجس وقلق الأسئلة وتناسل الاحتمالات التي تفضي إليها تلك الأسئلة. لحظاتٌ مزدحمةٌ بالسنوات والأمكنة والذكريات لا مناص من الاستسلام والإذعان لها، ومحاولة التكيّف والتأقلم مع ما تفرزه وتنتجه من حيوات جديدة لم نعتد عليها. وربما يقول أحدهم؛ هذه الخلاصة أو النتيجة، ليست كشفاً، ويدركها أيُّ شخص، لديه قدر من التجارب في هذه الحياة!

هذا صحيح. ولكن الصحيح أيضاً أن من مهام ووظائف الأدب، (إن كانت له مهام ووظائف) أن يقدّم لنا العادي والمألوف والمتعارف عليه، بشكل غير عادي وغير مألوف، لكأنّنا نعيد اكتشاف الحياة مجدداً. شيءٌ آخر خلصتُ إليه بعد الانتهاء من قراءة "حوض السلاحف" هو أنه لا يوجد تفصيل هامشي وآخر أساسي. كل تفصيل هو كيان وتكوين بحد ذاته. كل تفصيل هو أساسي ومحوري ومركزي ومفصلي في مكانه وزمانه، وبإمكانه أن يقلب الطاولة على كل التفاصيل الأخرى المشّكلة للمشهد أو الحالة أو الظاهرة أو الحياة، ويغيّر مسارها وأقدارها.

وعليه، حين تُباغتنا التفاصيل في نصّ روائي، غالب الظنّ أن النصّ يدخل نفق الرخاوة والضجر والملل. وتكمن مهارة وحرفيّة الكاتب أو الكتابة في تحويل التعبير عن الملل، في نصّ مشوب بتكرار بعض الجُمل والمفردات إلى سردٍ مشوّقٍ، محفّزٍ على المضي والاستمرار مع النصّ حتّى النهاية لمعرفة مآلات ذلك الملل أو خاتمة رحلة التفاصيل المملّة. وفي ذلك، كانت رولا الحسين موفّقة في التعبير عن الملل المشوّق الذي يقرّب القارئ من النصّ أكثر، بل ربما يجعله لصيق النصّ أيضاً.

حين تُباغتنا التفاصيل في نصّ روائي، غالب الظنّ أن النصّ يدخل نفق الرخاوة والضجر والملل. وتكمن مهارة وحرفيّة الكاتب أو الكتابة في تحويل التعبير عن الملل، في نصّ مشوب بتكرار بعض الجُمل والمفردات إلى سردٍ مشوّقٍ

هكذا تفتتح رولا الحسين روايتها"أنا واقفةٌ هنا أمام بوّابة السجن الحديديّة الداخليّة. هذا أمرٌ مؤكّد. فما أراه هو بوابةٌ من الحديد، بإمكاني تمييز نوع المعادن، على الأقلّ الحديد. أنا أنظرُ أمامي، إذن البوابة أمامي. الأرضُ وإن كنتُ لا أشعرُ بملامسة قدميّ لها، لكنني أراها أسفل نظري، وأرى قدميّ عليها. ولا شيء منّي غيرهما يلامس الأرض تحتي، إذن أنا واقفة. ولا بدّ أن من يقف هنا الآن هو أنا. وإلاّ فأصابع من هذه التي أشعر أنها ستتكسّر من شدّة الشدّ عليها؟ وما زلت هنا، رغم أنني لا أشعر بوزني، فإذن أنا فعلاً أقف أمام بوّابة السجن الحديديّة الداخليّة الآن. ولون البوّابة أسود، بإمكاني تمييز عتمتهِ بسهولة، فأنا أكرهه. وهذه البوّابة، لا شكّ أنها بوّابة السجن، لأن كتلة ضخمة بلون كحلي تقف بجانبي تماماً. أرى أصابعها تبحث بين المفاتيح الكثيرة في يدها عن المفتاح الذي تحتاجه. لا شكّ أنها تبحث عن مفتاح، وإلاّ لِمَ كل هذه الخشخشة؟ ولا بدّ أنها تحتاجه، وإلاّ لماذا تبحث عنه..." (ص7).

هذا المقتبس، وما ينطوي عليه من تكرار في العبارات كـ"بوابة السجن الحديديّة الداخليّة" ومفردات أخرى، للوهلة الأولى يحيل القارئ إلى أن الكاتبة تستقبل قارئها بالملل. لكن ابتداء الرواية بـ"أنا" وتكرار ضمير المتكلّم ست مرّات في هذا المقتبس (150 كلمة)، هذا يعني أنها رواية الأنا، على أكثر من مستوى. وإذا عطفنا تكرار "الآن" مرّتين، و"لا شكّ" أيضاً مرّتين، و"مؤكّد"..، هذا يعني أن الكاتبة تريد أن تؤكّد لنفسها ولقارئها أن البطلة تعيش واقعاً، وليست في حلم. إذاً، الرواية هي رواية الأنا، وربما تكون رواية الـ"أنتم / أنتنّ" أيضاً. من دون أن نسهو عن دلالات استخدام مفردات البوّابة، الأقفال، المفاتيح، الأرض، الآن، هنا...، كمدخل للسرد، هذا أيضاً يعني فيما يعنيه؛ الانتقال من واقع حقيقي إلى واقع حقيقي آخر، في سياق مفاجآت الحياة ومصادفاتها. وعليه الأسطر الأولى من هذا النصّ هي تأكيد على واقع حالٍ حقيقي معاش، وبقية الأسطر حتّى نهاية الرواية، هي تتمة على ذلك التأكيد الأوّل.

تعالج "حوض السلاحف" اللحظات الأولى من الدخول إلى السجن أو مركز الاحتجاز، وخطوها الخطوة الأولى نحو "هوّة" الداخل - السجن، عبر سرد حكاية امرأة مجهولة الاسم والهويّة، ولكنها عربيّة، تساق من المطار إلى مركز اعتقال، في بلد عربي مجهول، غالب الظنّ أنه خليجي أو ربما لبنان نفسه، مع معرفة المحتجزة أو المعتقلة بأنها ارتكبت مخالفة قانونيّة، لكنها لا تعرف ماذا سيترتّب على هذه المخالفة، أو لم تكن تحسب حساب ذلك.

الفكرة بسيطة، وربما تكون مطروقة في أعمال روائيّة تناولت أحوال وحيوات السجينات والسجناء. لكن التشويش والاختلال الذي ينتاب التكوين النفسي للمرء، وحالة الصدمة الأولى وإقناع النفس بأن ما يجري ليس حلماً أو وهماً، ومحاولة اكتشاف المكان بتفاصيله وأبعاده وتكيوناته وقاطنيه، وممانعة الاندماج، ومحاولة إقناع النفس بأن الأمر آني ومؤقّت، ربما يستغرق سويعات، وأن هناك أناس؛ أقارب أو أصدقاء سيأتون للنجدة أو متابعة الأمر، من ثم حالة القلق والهواجس والتأمّلات وتناسل واشتقاق الاحتمالات وبناء أفعال على كل احتمال من هذه الاحتمالات، وحالة التكبّر والغرور أمام الواقع الجديد - السجن، ثم الضعف والخوف من الآتي، واتخاذ قرار الرفض والمواجهة، ثم التردد، فالندم على التردد، فالرضوخ للواقع الجديد ومحاولة تقبّل فكرة الاندماج والتأقلم والتكيّف مع المكان - السجن، في حال طالت الإقامة لأيّام وأشهر، وربما سنوات. كل هذه التقلّبات وما رافقتها من انفعالات مكتومة، وأسئلة وأجوبة ضمن مونولوج داخلي، ينتهي بما يشبه الجنوح إلى الاستسلام لفكرة أنه كل ما كان خاصّاً، فجأةً يمكن أن يتحوّل إلى عام، لسبب ما، وفي لحظة ما نعلمها أو نجهلها. ومثلما نأخذ حصّة من أشياء الآخرين الخاصّة أو ما نعتبرها بأنها خاصّة، كذلك نكون مجبرين على منح آخرين قسماً أو جزءً من أشيائنا التي نعتبرها خاصّة بنا ولنا، كالسرير، الحمّام...إلخ، ومع ذلك، يبقى هناك حيّز ولو ضيّق لبعض الأشياء الصغيرة الخاصّة.

الحقّ أنه لا يمكنني اعتبار حالة التكرار في استخدام العبارات والمفردات في الأجزاء الأولى من الروايّة على أنه مثلباً أو عيباً اعترى السرد

الحقّ أنه لا يمكنني اعتبار حالة التكرار في استخدام العبارات والمفردات في الأجزاء الأولى من الروايّة على أنه مثلباً أو عيباً اعترى السرد. لا. لأن حالة التشويش وفوضى الأسئلة والأفكار، وتناسل الاحتمالات والافتراضات والبناء عليها، هي من طبائع توتر الحالة النفسيّة لدى السجين أو السجينة في اللحظات والساعات الأولى من الاعتقال. وعليه، اعتبر "حوض السلاحف" رواية التقلّبات النفسيّة لدى الإنسان في زمان ومكانٍ ضيّقين، والتأرجح بين مكانين؛ خارج السجن وداخله، وزمنين؛ الماضي والحاضر، أثناء الحديث عن مفردات المكان الجديد، ومقارنتها مع ما كانت تمتلكه البطلة في منزلها وحياتها خارج السجن.

حتّى أن قلّة الحوارات أيضاً في هذه الرواية لا اعتبره عثرةً سقطت فيها الكاتبة. لأن هكذا لحظات أو مواقف، الحوار فيها شبه معدوم لدى شخص يجرّب تجربة الاعتقال والسجن أوّل مرّة. لذا أتى تركيز رولا الحسين على السرد، والحوار الداخلي مع الذات موفّقاً وفي محلّه.

شخصيّاً، مررتُ بنفس اللحظات التي مرّت بها بطلة "حوض السلاحف" أثناء الانتظار لساعات، قبيل التحقيق لدى أمن نظام الأسد سنة 2004-2007، وفي سجن جزيرة خيوس اليونانيّة، وفي سجن أدرنة التركي. وبالتالي، أجادت الحسين في "حوض السلاحف" التعبير عن هذه اللحظات وهكذا مواقف، بطريقة سلسة ومشوّقة وجميلة. والجهد الأدبي والإبداعي الذي بذلته رولا الحسين في "حوض السلاحف" لا ينتقص منه بعض الهفوات والعثرات التي شابت الرواية، وجلّها تتعلّق بالتحرير والتدقيق اللغوي. على سبيل الذكر لا الحصر:

- على صعيد البناء الروائي، لم أفهم جدوى ومغزى ودلالة وأهميّة تقطيع نصّ روائيّ موزّع على 158 صفحة من القطع المتوسّط، إلى 20 فصلا: "الفصل الأول، الفصل الثاني...العشرون"؟! ذلك أن ما كان ينتهي به كل فصل، يبدأ به الفصل الذي يليه! وعليه، في السياق وتوتر السرد والأحداث كان واحداً ومتسقاً ومنسجماً. وعليه، وجود ذلك الشكل من التقطيع إلى 20 فصلا، كان لزوم ما لا يلزم. ومثلما لم يخدم الرواية، كذلك ما ساء إليها أيضاً.

- حديث البطلة عن نفسها بصيغة المفرد المؤنّث، ثم بصيغة المفرد المذكّر: "...إذن أنا واقفة. ولا بدّ أن من يقف هنا الآن هو أنا" (ص 7).

- التعامل مع غير العاقل (السلاحف) كمعاملة المؤنث العاقل. وذلك عبر استخدام نون النسوة: "... ثلاث سلاحف، لا أكاد أميزهن (...) لانعدام حركتهنّ، وتشابه لونهنّ مع ما يحيط بهنّ". (ص 38).

- التعامل مع جمع النساء معاملة جمع الذكور: "أودُّ أن أسألهن: لماذا تريدون أن تصبغوا شعركم في هذا المكان؟" (ص 107).

- "أسئلة كثيرة جدّاً للإجابة عنها" (ص 31)، الأسئلة يُجاب عليها، وليس عنها. "بهزّة بالرأس" (ص 71): بهزّة رأس. "في أثناء الليل" (ص 72): أثناء الليل. "كان سيكون عليّ الحذر" (ص 57): كان عليّ الحذر.

- الإكثار في الشروح، حتّى في البديهيّات، مثلاً: "هذه بلاطة مرّبعة، أي طولها وعرضها متساويان" (ص 99). هل هناك مربع طول أضلاعه غير متساوية؟!

بالعودة إلى المقتبس الأول، الموجود أعلاه: "أنا واقفةٌ هنا أمام بوّابة السجن الحديديّة الداخليّة. هذا أمرٌ مؤكّد. فما أراه هو بوابةٌ من الحديد، بإمكاني تمييز نوع المعادن، على الأقلّ الحديد. أنا أنظرُ أمامي، إذن البوابة أمامي. الأرضُ وإن كنتُ لا أشعرُ بملامسة قدميّ لها، لكنني أراها أسفل نظري، وأرى قدميّ عليها. ولا شيء منّي غيرهما يلامس الأرض تحتي، إذن أنا واقفة. ولا بدّ أن من يقف هنا الآن هو أنا. وإلاّ فأصابع من هذه التي أشعر أنها ستتكسّر من شدّة الشدّ عليها؟ وما زلت هنا، رغم أنني لا أشعر بوزني، فإذن أنا فعلاً أقف أمام بوّابة السجن الحديديّة الداخليّة الآن. ولون البوّابة أسود، بإمكاني تمييز عتمتهِ بسهولة، فأنا أكرهه. وهذه البوّابة، لا شكّ أنها بوّابة السجن، لأن كتلة ضخمة بلون كحلي تقف بجانبي تماماً. أرى أصابعها تبحث بين المفاتيح الكثيرة في يدها عن المفتاح الذي تحتاجه. لا شكّ أنها تبحث عن مفتاح، وإلاّ لِمَ كل هذه الخشخشة؟ ولا بدّ أنها تحتاجه، وإلاّ لماذا تبحث عنه..." (ص7)

صحيح أن حالة التوتّر والتشويش والقلق اللغوي وفوضى الأفكار والأسئلة، تخلق ارتباكاً في الكلام أو المونولوج الداخلي، لكن المعنيين بالتحرير والتدقيق في دار "الساقي"، كان عليهم التخفيف من هذا التكرار. فمن أصل 150 كلمة، هي عدد كلمات المقتبس، تكررت هذه المفردات، على سبيل الذكر لا الحصر:

العبارة / الكلمة

العدد

بوابة السجن الحديديّة الداخليّة

2

أنا

6

أمام / أمامي

4

بواية

4

وإلاّ

3

إذن

3

الآن

2

الأرض

2

الحديد

2

لا شكّ

2

لا بدّ

2

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم