رواية الثورة السورية

طفل يجلس على كرسي وسط الدمار في مدينة دوما(رويترز)

تعتبر رانيا أبو زيد في كتابها الصادر حديثا باللغة الإنكليزية (لا عودة إلى الوراء) أن أحداث الثمانينيات لعبت دوراً رئيسا في تقرير طبيعة رد فعل الأسد على الثورة الحالية، فالأسد الأب الذي أراق الدم بغزارة في أوائل الثمانينيات شجع الابن على القيام بالشيء نفسه ولو بنسبة أكبر، تذكر أبو زيد أن الأطفال الذين عاشوا خيال مجازر الثمانينات هم من كانوا ينتظرون وقتهم من أجل القتال مرة أخرى، لكنهم لم يكونوا هم الذين بدؤوا الانتفاضة في عام 2011. إلا أنهم استغلوا الفرصة فيما بعد من أجل توجيه الثورة بهدف العمل المسلح حيث يكون لهم الصوت الأقوى فيها.

كان تسليح الثورة جزءا من إستراتيجية الأسد في مقامرة محسوبة كما تذكر أبو زيد حيث كان النظام يعمل على قمع المتظاهرين السلميين بكل ما يستطيع وبنفس الوقت تشجيع تسليح الثورة وعسكرتها وقيادتها من قبل المتطرفين. كما شجع الأسد الجهاديين السوريين على التسلح لا سيما أنه يملك بيانات كاملة عنهم لكل الذين سمح لهم بالذهاب إلى العراق لقتال الأميركيين واعتقلهم بعد عودتهم مما سمح له ببناء بيانات كاملة عنهم ساعدته باستخدامهم فيما بعد من أجل توجيه دفة الثورة السورية كما يرغب ويريد.

ففي وقت مبكر في أيار/مايو 2011، عندما كانت الانتفاضة السلمية تكتسب زخماً، أعلن الأسد عفواً عاماً أفرج عمليا عن جميع المتطرفين الإسلاميين في سجونه. فقد كان لهم استخدام آخر فهموه جيدا عبر تشجيعهم على حمل السلاح، وكما نقلت أبوزيد، "سيسمح هذا للنظام بأن يقول للعالم، انظر إلى الإرهابيين". في السنوات التي تلت ذلك، حصل الأسد على رغبته. لقد صور هو ومؤيدوه الروس والإيرانيون بلا هوادة كفاحهم على أنه "حربهم الخاصة ضد الإرهاب الإسلامي" بينما كانوا يحاولون ذبح أي قوى معتدلة لا تتناسب مع هذا الوصف. كانت هذه وصفة للفوضى، وكانت طبيعة الصراع المتصدع والممزق هي أنه مع مرور الوقت، حتى المقاتلون المتصلبون المنضبطون المرتبطون بالقاعدة سيتقاتلون فيما بينهم.

تعتبر رانيا أبو زيد في كتابها الصادر حديثا باللغة الإنكليزية (لا عودة إلى الوراء) أن أحداث الثمانينيات لعبت دوراً رئيساً في تقرير طبيعة رد فعل الأسد على الثورة الحالية

أما قصة المدنية الوحيدة التي تركز عليها أبوزيد وهي روها من سراقب، فهي فتاة صغيرة كان عمرها تسع سنوات عندما بدأت الحرب، ثم أصبحت امرأة أكبر سنا بكثير من سنواتها ال 14 عندما ينتهي الكتاب. تقول روها في الصفحات الختامية: "كنا أطفالاً من قبل، لكننا لم نعد أطفالاً بعد الآن".

في نقد الكتاب وكما ذكر محرر صحيفة النيويورك التايمز أنه لا يمكن اعتبار الكتاب بأنه تأريخ للثورة السورية إذ قد يفاجأ بعض القراء بالمعاملة القصيرة نسبياً التي تعطى للأحداث التي تصدرت عناوين الصحف حول العالم. في أغسطس 2013 ، استخدم نظام الأسد غاز السارين في إحدى ضواحي دمشق ، وقد تردد الرئيس باراك أوباما في فرض الخط الأحمر الذي أعلنه ضد الأسلحة الكيميائية. في نهاية المطاف، أدى إبرام صفقة مع الروس إلى تدمير معظم ترسانة الأسد الكيميائية، لكن ذلك كان مبعث راحة محدودة لسكان سراقب كما تروي روها، فسراقب تعرضت للضرب بغاز السارين دون أن يقنع ذلك أي شخص في المجتمع الدولي بفعل أي شيء للمساعدة.

بعد عام، في أغسطس 2014 ، شن أوباما عمليات محدودة ضد داعش في العراق ، وفي الشهر التالي ، بعد أن قام داعش بقطع رأس الصحفي الأميركي جيمس فولي ، توسعت الحرب الأميركية المحدودة إلى سوريا. وتلاحظ أبوزيد: "تساءل العديد من السوريين لماذا انتظرت الولايات المتحدة حتى أصبحت الدولة الإسلامية في أوج قوتها لمهاجمتها".

لكن بالنهاية كما تقول أبو زيد فهذا ليس كتاب سياسة، في الواقع لا يقدم لنا الكتاب خطة للمستقبل. لقد غادر العديد من الشخصيات المركزية في كتاب أبوزيد سوريا، وهم يبنون حياة جديدة في أوروبا. وهو ما يشير بشكل غير مباشر أن سوريا تشظت وأصبحت سوريات وأن عودتها إلى وحدتها أصبحت مستحيلة مع تشظي أبنائها وانقسامهم.

ينتهي الكتاب بسردية واقعية لكنها حقيقة ومؤلمة بالقول في سراقب، تستمر القنابل في التساقط يومياً، كما يخبرنا عنوان الكتاب، لا عودة للوراء ولذلك نقرأ الصفحات النهائية للكتاب دون أمل في نهاية سعيدة. لكن المرء يقرأها بقناعة أن العمل الصحفي والأدبي الرائع الذي قدمته أبوزيد قد أعطانا، في النهاية ، كتابًا يستحق أن يقال عنه أن يقترب من وصف المأساة الهائلة التي هي سوريا.

 

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم