رجُل المخلَّل

-هل جربت أن تكون راعي غنم، تمتطي صهوة الحمار، وتمشي أول القطيع وتغني : موطني... موطني .. ؟؟؟

-لا يوجد اتساق في المشهد، ثم إن ثمةَ مبالغةً غيرُ مبررة منطقياً.

 طيب: هل جربت أن تكون خبير جودة سجائر؛ في مصنع للسجائر.. نعم ،نعم هناك مهنة اسمها مجرب جودة السجائر. بعد أن يجهزوا طبخة كاملة - بحسب مصطلحاتهم - أي عيِّنة كاملة- يقدمون مجموعة سجائر للخبير، كي يحدد جودتها، ثم يوقَّع على صلاحية الطبخة، ثم تدخل أنت في عراك مع زوجتك من أجل أن ترسل عبودي لشراء باكيت دخان، وهي تقول لك: هذه ثمن ربطة الخبز غداً صباحاً.

هذه أيضاً صعبة.. كيف تصير خبيراً في هذا الموضوع.. من خلال الدراسة

إذا دخلتُ حانةً وظننتها مقهى عادياً، وطلبت كوكا كولا فأتاني الساقي بشامبانيا، فشربت هل في ذلك إثم؟

أم التجريب؟؟.. ومن سيشهد أنك صرت خبيراً؟؟، وهل في الموضوع بكالوريوس وماجستير ودكتوراه؟؟

لا، لا، لا ..  ذهبت بعيداً يا صاحبي.

طيب على المستوى الشرعي: إذا أردت أن تجرب أمراً لمجرد التجريب، وأنت غير مقتنع به.. هل في ذلك إثم؟؟ .. أليست النية المعقودة شرطاً أساسياً لكل عمل.

يعني إذا دخلتُ حانةً وظننتها مقهى عادياً، وطلبت كوكا كولا فأتاني الساقي بشامبانيا، فشربت هل في ذلك إثم؟ .. طيب إذا عرفتُ في اللحظات الأخيرة أنه شامبانيا، وقررت أن أجرِّب.. هل تُسْكِر أو لا تُسْكِر.. هل في ذلك إثم؟

لماذا اللف والدوران سأحكي لكم الحكاية.. الدخول إلى الموضوع مباشرة أسهل.

أنا بصراحة لا أمتلك موهبة في أي شيء، وكل عمل مارسته طردت منه شر طردة، مرةً عملت في صالة لنباتات الزينة، بقيت عدة أشهر لم أتعلم أي شيء، الأمر الوحيد الذي قمت به حفرتُ اسمي على جذع نبتة شوكية غالية جاؤوا بها من صحراء سونورا بين أمريكا والمكسيك، وتسمى هذه الصحراء أيضا بالصحراء الواطية.

أصلاً لو لم يكن صاحب صالة نباتات الزينة واطياً لما جلب من هذه الصحراء الواطية نبتة شوكية بائسة بعشرين ألف دولار، ويريد أيضاً الإكثار من هذا النوع في بلادنا ..

في الحقيقة، عندما كتبت اسمي على هذه الشجرة الشوكية لم يكن لدي إحساس أنها نبات..  ربما شعرت أنها دولاب سيارة .. جذع شجرة محروق.. غسالة قديمة يستعملونها باباً لحظيرة ماعز .. المهم هذا ما حدث، وتم طردي من العمل ..

وصلت إلى هذه الديار منذ عامين .. هنا لا يوجد عمل أصلاً لأي أحد، حتى أهل الديار يعيشون هذه الهوس في البحث عن عمل، وإحساسهم تجاه الآخرين مثل إحساسي تجاه الشجرة الشوكية؛ التي حفرت اسمي عليها ..

إذا أردنا الحديث عن موضوع العمل فهذا سيرة طويلة، ربما يتمزق ثوب الأوزون كاملاً قبل أن نصل إلى النهاية دَعْكُم من هذا ... مؤلم وممل ومقرف.

الروتين اليومي هو الخروج لتمشيط الشوارع بحثاً عن عمل، والنتيجة دائما تكون واحدة.. لا يوجد عمل ... مرة كنت أتجول في أحد الشوارع، وكانت سيارة تقف في منتصف الطريق وهناك عمال يرفعون براميلَ إلى لسيارة، ويقف رجلٌ وامرأة مشرفين عليهم، وكان العمال يأتون بهذه البراميل العملاقة من قبو، اقتربت لاستبين الموضوع.. أوووه لقد عرفت .. هذا مخلل .. هذا معمل مخلل .. يا إلهي ستنتهي حياتي، ولم أرَ معملاً للمخلل، شيء مبهج أن تختم حياتك بعد أن عرفت كيف يصنعون المخلل.. لا أريد شيئاً آخر من الدنيا .. لقد شاهدت كل شيء ... من حديقة الحيوان حتى معمل المخلل..

أثارت وقفتي وابتسامتي البلهاء السيد الذي يقف أمام السيارة.

ناداني السيد وقال: ماذا تريد؟؟

-أبحث عن عمل يا سيد؟؟

- أنا السيد بهجت.. وهذه السيدة حسنية زوجتي، وهذه ورشتنا لتصنيع المخلل.. هل عندك خبرة في صناعة المخلل؟؟

لفرط سروري في إيجاد العمل أردت أن أقول له: أنا أول من اخترع المخلل؟؟ لو تعرف يا سيد بهجت أن الذي يقف أمامك - بكل تواضع - أول من اخترع مخلل البصل ... هذه الدنيا ظالمة يا سيد بهجت.. أنا من جعل المخلل يتحول إلى حالة التخليل بالريموت كونترول، أنا من اقترح على الحُجاج كل سنة أخذ نصف كيلو من مخلل البصل؛ لأن ذلك يبارك في الحج ويبعد عين الحاسدين، وهذا ما رفع من مبيعات شركة سامسونج للمخلل أأأأخ لو تعرف أنني عضو في مجمع المخلل العالمي.

ماذا أقول لهذا الرجل حتى يقتنع، ويشغلني في ورشته.. نعم ،نعم تذكرت : الصمت ،وهزّ االرأس .. هكذا كانت تقول لي أمي،  عندما تقع في مأزق .. اصمت وهزَّ رأسك .. لا تكذب ..

تفحصت السيدة حسنية بقايا جسمي وقالت: بماذا سينفعنا هذا؟؟!!! .. جسمه ضعيف، ولا يقدر على فعل أي شيء ..

-جنس النساء لئيم وسطحي، هذه وجهة نظري منذ القدم .. منذ كنت راعياً .. ما علاقة الجسم بالفعل، الموضوع في العقل والإبداع، هذه المرأة فعلاً كلبة. ستقطع رزقي لمجرد أنني نحيل الجسم.. لتتدخلْ إرادة الله، وتبعد هذه المرأة ذات الأثداء الكبيرة من هذا المكان.. إذا أعطاك الله هذه الجسم العملاق والأثداء الكبيرة تتكبرين على خلقه الضعاف .. هذه الدنيا ليس فيها عدل ..

قاطعها السيد بهجت، وقال سنجربه بأي شيء .. تعال يا .. ما اسمك؟؟

اسمي: علوان

تعال يا سيد علون

دخلت إلى القبو التي يتم فيه تصنيع المخلل .. عشرات البراميل البلاستيكية، مجموعة من النساء يجلسن على طاولات.. يقمن بتقطيع اللفت والخيار، والقرنبيط، والبصل، والباذنجان، والثوم.

يا إلهي ما هذا المكان؟؟!! الرطوبة شديدة، كيف يجلس هؤلاء هنا؟؟!!الجو مليء بالبكتريا؛ التي تخمر الخضروات، انتابني شعور أنني سأتخمر تدريجياً.. نعم تابعت شيئاً شبيهاً بذلك في مسلسل سندباد، كان الساحر يحول الضحية بالتدريج، بدأت أتخيل شكل البكتريا؛ التي ستهاجمني وتخللني، انظر انظر هناك.. هذا كبير البكتريا يراودني عن نفسي .. إنه يضحك.. هل هذا معقول؟ هل ستكون نهايتي مخللاً؟

... ولكن بعد أن أنتقل إلى عالم المخلل هل سيأكلني الفقراء في سندويشات الفلافل، ومع وجبات الفول، أم سيرسلون قطعاً مني إلى الفنادق الفخمة .. مايدريك ربما يرسلون شيئاً من مخللي إلى قصر السيد الرئيس، وربما يزور السيد الرئيس مجموعة من الرؤساء والزعماء، ويقول لرئيس الوزراء: ابذل لنا خمراً يا غلام، ولتكنْ المازة مخللاً فاخراً، فيأتون بالوسكي والفودكا و يقتطعون

الأفضل أن يقوم السيد بهجت بتوزيعي في مناطق شعبية، هناك سيأكلون كل شيء مني، الفقراء يحفظون النعمة لا يلقون شيئا في الزبالة

جزءاً من مخلل جسدي، ويضعونه على طاولة الزعماء، أي قطعة من مخلل جسدي سيأكلها زعماء المغرب؟ وأي قطعة سيأكلها زعماء المشرق؟ وأي قطعة سيأكلها زعماء الخليج .. كيف سيكون طعم مخللي مع الوسكي.. طيب مع الفودكا؟؟؟ .. هل سيأكلون كل مخلل جسدي .. كم سيكون رائعاً أن أسمع صوت السيد الرئيس وهو يقول: هذا المخلل طيب، ويقتطع من مؤخرتي قطعة صغيرة يعطيها لصاحب السمو ويقول له: مخلل المؤخرة طيب مع الشامبانيا ..

لا لن يكون ذلك سيأكلون قطعاً صغيرة.. والباقي سيُرمى في الزبالة .. أنا ستكون بقايا جسدي المخللي في الزبالة ماهذا المصير؟؟؟!!

.. الأفضل أن يقوم السيد بهجت بتوزيعي في مناطق شعبية، هناك سيأكلون كل شيء مني، الفقراء يحفظون النعمة لا يلقون شيئا في الزبالة.

كان هذا التداعي يرسلني ذات اليمين وذات الشمال، ريثما تجمع الفريق كاملاً، وحتى وصلت السيدة حسنية ذات الجزيرة الجسدية، وبدأ الجميع باستجوابي .

هل تستطيع حمل هذه البراميل؟

-لا

هل تستطيع حمل صناديق الخضار من السوق إلى هنا ...

-لا أستطيع إنها ثقيلة جداً

-لا أستطيع لا أستطيع.. ماذا ستفعل إذن ..

مارأيكم أن تصنعوا مني مخللا؟؟ قلتها بطريقة بلهاء محاولاً إحداث جّوٍّ من الضحك من خلال النكتة؟

قالت السيدة حسنية .. أنت نحيف جداً، عليك أن تأكل بشكل جيد، وتصبح سميناً حتى تكون عملية تخليلك رابحة ..

سؤال : إذا وجدت عملاً جيداً، وبدأت آكل بشكل جيد حتى اكتنزت وصرتُ ذا لحم، وقررت أن أعود إلى ورشة السيد بهجت، والسيدة حسنية لصناعة المخلل، وقلت لهم: اصنعوا مني مخللاً، هل يعد ذلك من باب التجارة بالأعضاء؟؟

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم