ربّ همّة أحْيت أمّة

تنقّلت مراكز الثقل والتأثير بين البلدان العربيّة كثيراً، في الفترة من بدء عصر التنوير الذي ترافق مع نهايات حكم العثمانيين، وحتى الوقت الراهن. تعدّدت الأسباب التي جعلت مراكز الثقل ومراكز الفعل الحضاري تسافر بين عواصم وحواضر عربيّة مختلفة، وقد يكون من أهمّها حالات الانفتاح السياسي وحالات النموّ الاقتصادي الذين غالباً  كانا ينعكسان على البُنى الاجتماعيّة والثقافيّة بشكل مباشر وعميق. بين القاهرة ودمشق وبغداد وبيروت والكويت وتونس، كانت تتركّز الحركات الفكريّة المعبّرة بشكل أو بآخر عن ضميرٍ جمعي يمكننا أن نُطلق عليه اصطلاحاً روح الأمّة الثقافيّة.  

يمكننا أن نلحظ هذه الحركة بدقّة كبيرة من خلال تركّز الفعل الفلسطيني سياسياً وثقافياً وتنقّله بين العواصم العربيّة المختلفة، فمن الدعوة لتأسيس منظمة التحرير في مؤتمر القمّة العربي الأول المنعقد عام 1964 في القاهرة، إلى انعقاد المؤتمر الوطني الفلسطيني في القدس في حزيران من العام نفسه، إلى وجوده في عمّان ثمّ في بيروت ثم في تونس، ثمّ العودة إلى رام الله، كانت تتنقّل القيادات والنخبُ الفلسطينيّة باستمرار.

إضافة إلى التأثير الكبير لاحتلال فلسطين وما شكّله من تحدٍّ وإعاقة بنيويّة، يمكننا أن نلحظ أحد أهمّ عوامل الانزياح والتنقّل في الانقلابات العسكريّة. هنا حيث يـأتي الاستبداد ليقطع سيرورة التطوّر الطبيعي لبنيّة المجتمعات التي غزاها وحطّمها العسكر. لقد تداخل الاحتلال الصهيوني مع الاستبداد الداخلي ليصنعا ثنائيّة جدليّة معيقة بشدّة لنموّ الثقافة في المجتمعات العربيّة وارتقائها بشكل سليم.

ربّما كان أثر الانقلابات العسكريّة، على بنى المجتمعات العربيّة وتطوّرها، عاملاً حاسماً في ليّ عُنُق التطوّر الطبيعي لهذه المجتمعات

ربّما كان أثر الانقلابات العسكريّة، على بنى المجتمعات العربيّة وتطوّرها، عاملاً حاسماً في ليّ عُنُق التطوّر الطبيعي لهذه المجتمعات. لقد كان لتطلّعات العسكر الانقلابييّن، الذين كانوا أساساً أبناء الفئات الريفيّة المهمّشة، دور بارز في إعاقة حالة التطوّر هذه، في مجتمعات تتصف بأنها منغلقة على نفسها وتؤطّرها دولٌ ذاتُ بنى مؤسساتيّة هشّة.

يقول الدكتور حنّا بطاطو في كتابه (فلّاحو سوريا):

"كان لتدفّق العناصر الريفيّة الكثيف إلى سلك الضبّاط والقوات المسلّحة، نظيره في تسرّبهم إلى بيروقراطيّة الدولة... تشير الأدلّة بقوّة إلى أنّ كثيرين من الموظفين الحكوميّين الجدد، وربّما كتلتهم العظمى، كانوا من خلفيات ريفيّة. وفي هذه الحال، فإنّ قدراً كبيراً من استياء التجّار الحضرييّن المتكرر في فترة بعد عام 1963 – إضافة إلى السلبيّة التي تركتها لديهم مراسيم البعث التأميمّية غير المدروسة كفاية- إنّما ينبع من اضطرارهم مراراً إلى التعامل مع موظفين حكومييّن من أصل ريفي، وهؤلاء، إن لم يكونوا عدائيّين تجاه المجتمع التجاري الحضري، فإنّهم لم يفهموا إلّا قليلاً تعقيدات التجارة، وبالتالي، كانوا، عن قصد أو من دون قصد، يضعون في طريقها أنواع العراقيل كلّها."

ما حصل في سوريا، ينطبق بشكل أو بآخر على بقيّة البلدان العربيّة التي حكمها العسكر مباشرة بعد الاستقلال كما في الجزائر، أو بانقلابات كما في موريتانيا وليبيا ومصر والسودان واليمن والعراق. انسحب هذا التشوّه على جميع مناحي الحياة، فغياب الديمقراطيّة والتداول السلمي للسلطة وغياب التراكم المعرفي وتقاليد العمل المؤسساتي، يورث بلا أدنى شكّ كلّ عيوب الاستبداد، وأهمّها الافتقار إلى روح الإبداع والتجديد والتطوّر الخلّاق، بل على العكس من ذلك نجد استشراء الفساد والتملّق والرياء والغباء. الاستبداد بطبيعته بيئة طاردة للتميّز، فالمستبدّ يُعملُ جزّازة العشب في المجتمع ليكون الجميع على سويّة واحدة في العبوديّة.

غياب الديمقراطيّة والتداول السلمي للسلطة وغياب التراكم المعرفي وتقاليد العمل المؤسساتي، يورث بلا أدنى شكّ كلّ عيوب الاستبداد

هكذا بات حال مجتمعاتنا العربيّة، تتردّى من سيّء إلى أسوأ، ولا يكاد يرى المرء سوى بعض البُقع المتناثرة، التي تضيء أملاً بات أقرب إلى المستحيل منه إلى الممكن. بقعُ الضوء هذه جاءت مترافقة نوعاً ما مع استقرار الحكم الملكي في بلدان الخليج والمغرب والأردن، كما كانت الانقلابات البيضاء في تونس أقلّ صخباً ودماءً وبالتالي كان البلد أكثر استقراراً.

شكّلت تقاليد الحكم الملكيّة العريقة في المغرب، والتقاليد المدنية المتطوّرة إلى درجة معيّنة في تونس، غطاءً شرعياً نوعاً ما حمى البلدان المذكورة من هزّات عنيفة إلى حين، بينما كان للوفرة الماديّة أهمّ دور في صيانة وتطوير دول الخليج. شكّلت الكويت مثالاً يحتذى من خلال شكل العلاقة بين البرلمان المنتخب والسلطة التنفيذيّة المتمثّلة بالعائلة الأميرية.

مع هذا الاستقرار والتطوّر المضطّرد في بنية المجتمعات الخليجيّة، بات التطوّر الفنّي والثقافي والعلمي أمراً شبه حتمي، لذلك نجد أن الرياضة وفنوناً عديدة مثل الموسيقى والغناء الخليجيّين قد باتت علامات فارقة خلال السنوات العشرين الماضية، كذلك بات التوجّه إلى إنشاء مراكز البحوث والدراسات السياسية والاستراتيجية أمراً ملحوظاً بقوّة هناك.

يلحظ العالم مثلاً انتهاج بعض الدول الخليجيّة سياسة القوّة الناعمة التي تسمح لها بلعب أدوارٍ كبيرة في المحيطين العربي والإقليمي، كما إنهّا ترفع بجدّية كبيرة راية التطوير المجتمعي من خلال التطوير المعرفي والثقافي. بعض البلدان لا تتحدّث عن إنجازاتها في هذا المضمار، بقدر ما تترك لهذه الإنجازات أن تتحدّث هي عن نفسها، ولا تصنّف نفسها إلّا بالقدر الذي تحتاجه ضرورة التوثيق والتأريخ.

ثمّة بلدٌ يحتفي بالثقافة العربيّة عموماً فيحتضن الأدباء والمفكّرين والمثقفين من كلّ حدب وصوب وينشئ لهم والمؤسسات البحثيّة ومراكز الدراسات والتطوير الفكري المختلفة، ويهتمّ أيما اهتمام باللغة العربيّة خصوصاً وبتاريخ تطوّرها، فينشئ لها المعاجم ويوقف على خدمتها أبرع علماء اللغة والباحثين والمنظّرين في علوم اللسانيات واللغات!

بينما نطالع يوميّاً في بلدان مثل لبنان وسوريا والعراق، ترّهات تكاد توحي أن هذه البلاد ما مرّت عليها حضارات ولا أبدعت في تاريخ تطوّر البشريّة يوماً ما، أو أنّها مصابة وأهلها بلوثة عارمة من الجنون.

 فمن وزير النقل العراقي كاظم الحمامي، الذي قال عبر شاشات التلفاز: "إن أول مطار في العالم كان في بلاد ما بين النهرين وتحديداً في محافظة ذي قار قبل الميلاد ب 5000 عام، وإنّ السومرييّن من اكتشفوا الكوكب رقم 12 خلال رحلاتهم إلى الفضاء الخارجي!"(2) إلى إنشاء محطات اتصال هاتفي مباشر بين حجّاج المراقد والحسينيات وبين المهدي المنتظر! إلى السيّدة اللبنانيّة التي أتحفتنا عبر شاشة محطّة تلفزيونيّة، باكتشاف حركات إعرابيّة إضافيّة في "اللغة اللبنانيّة" حسب تعبيرها، غير موجودة في اللغة العربيّة، كذلك اكتشافها أن اللبنانيين يستخدمون في لغتهم اثنين وعشرين حرفاً بدل الثمانية والعشرين العربيّة.

وكانت ثالثة الأثافي، عندما أفاض علينا رئيس ما تبقّى من سوريا من علمه العميق بتاريخ اللغات الساميّة، بنظريّة تطوّر اللغة العربيّة من اللغة السريانيّة! لقد تداخلت الأحقاد بالجهل والاستهتار بالتشبيح، فأعمت عيون من يرفع شعار "أمّةٌ عربيّة واحدة، ذات رسالة خالدة" ليلتبس عليه أصل اللغة العربيّة كحامل لكلّ هذا الإرث بما فيه من مثالب ومآثر، ولولا الخشية من تهكّم لا حدود له لسمعناه يقول بتطوّرها عن الفارسيّة أو الروسيّة!

وكانت ثالثة الأثافي، عندما أفاض علينا رئيس ما تبقّى من سوريا من علمه العميق بتاريخ اللغات الساميّة، بنظريّة تطوّر اللغة العربيّة من اللغة السريانيّة!

تتكرّر مشاهد الإسفاف الفكري في جنبات هذا المحور، لدرجة اننا لم نعد نعرف ماذا يريد أصحابه بالضّبط، محورٌ يتّخذ من العروبة شعاراً وراية، ويهدم أسسها بكلّ ما أوتي من قوّة وعزمٍ وتصميم!

هكذا يحدث في جمهوريّات الموز، حيث تقوم القيامة تعاطفاً مع فنّان مثل راغب علامة لأنّه تعرّض لتهديد من نائب عونّي، بينما لم يكترث أحدٌ لاعتقال حازم الأمين والتحقيق معه وإهانته بشكل كيدي مقصود. لا قيمة للفكر مقابل الخلاعة، لا قيمة للرجولة مقابل الميوعة.

ليس مقصوداً بهذا الوصف شخص الفنّان راغب، بالمقارنة مع شخص الصحفي حازم، بل هي المقارنة بين حالتين متصارعتين في مجتمعاتنا، إحداهما تمثّل الأغلب الأعمّ الذي يعكس روح الخواء الفكري وحجم الفوات الحضاري، والثانية تمثّل العين التي تقاوم المخرز بكلّ شجاعة وعزيمة وإصرار. ضمير الأمّة وروحها العامّة في حالة احتضار، علماؤها ومفكّروها وشعراؤها ومثقّفوها طرائد شاردة وفرائس مباحة، بينما يسود الجهلة والحاقدون والمجرمون القتلة. فلأيّ الجمعين ستكون الغلبة، وهل تنتصر همّةُ البناءِ فتُحيي الأمّة، أم يفوز معول الحقد الهدّام في تدمير ما تبقّى من أسس وجودها؟

 المراجع:

  1. حنّا بطاطو، فلّاحو سوريا- أبناء وجهائهم الريفييّن الأقل شأناً وسياساتهم. ص 308-309
  2. موقع الجزيرة الإلكتروني، نشرة 1-10-2016

 

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم