رئيس.. رئيس سابق.. رئيس مخلوع

في أسبوع واحد تم خلع رئيسين عربيين في كل من الجزائر والسودان، فيما يذكّر بمناخات بداية العام 2011 حين تم خلع زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر، عن طريق ثورات شعبية كما هي حال الثورتين الجزائرية والسودانية اليوم. مع الأمل بـ "خلع" مزيد من الأنظمة الدكتاتورية في هذه المنطقة المبتلية بها، لا بأس بشيء من التنظير حول مفاهيم "الرئيس" و"الرئيس السابق" و"الرئيس المخلوع".

لا يمكن للنظام الرئاسي أن يخلو من شخصنة، بما أنه يقوم على افتراض أن شخصاً واحداً يمكنه أن يمثل دولة أو أمة أو شعباً (وهي مفاهيم متباينة) وأن يدير شؤونها العامة، سواء تمتع بسلطات مطلقة، كحال الدكتاتوريات، أو مقيدة كحال الديموقراطيات، وما بين الحالتين من تدرجات.

حتى في أرقى الأنظمة الديموقراطية حيث الدستور يقيد صلاحيات الرئيس ضمن حدود صارمة، نرى أن "الشخص" حاضر بقوة بوصفه صاحب قرارات عامة مصيرية، وتسمى فترة

بوسع المجلس التشريعي المنبثق عن انتخابات عامة أن يفرض على الرئيس احترام ما يسنه من قوانين، وأن يشكل حكومة تحظى بموافقة المجلس

ولايته باسمه، كالقول "في عهد الرئيس فلان". ربما لهذا السبب قامت الدساتير الخاضعة لمراجعات و"تحسينات" دائمة بوضع إطار زمني للولاية الرئاسية لإبعاد احتمالات "الأبد" أو التوريث عن مصائر النظم الجمهورية القائمة على مبدأ "سيادة الشعب". كذلك وضعت قيوداً إضافية على صلاحيات الرئيس من خلال مبدأ الفصل بين السلطات، ليصبح بوسع قاض في محكمة أن يستدعي الرئيس للمساءلة أو الحكم عليه، وبوسع المجلس التشريعي المنبثق عن انتخابات عامة أن يفرض على الرئيس احترام ما يسنه من قوانين، وأن يشكل حكومة تحظى بموافقة المجلس، مع احتمال أن تكون بخلاف رغبات الرئيس. وفي بعض الدساتير يقوم المجلس بانتخاب الرئيس وعزله، وفي بعضها الآخر ينتخبه الشعب مباشرةً. وفي كلا الحالين يستمد الرئيس مشروعيته وسلطاته من ناخبيه، فهو مرغم، نظرياً، على الخضوع لإرادتهم.

كل هذه القيود وضروب الخضوع لإرادات خارجية بالنسبة لإرادته الشخصية، بما يجعل من منصب الرئاسة نوعاً من الخدمة مدفوعة الأجر لمخدوم هو الشعب السيد في الأنظمة الجمهورية، لم يحل دون تهافت السياسيين على هذا المنصب واستماتتهم في الوصول إليه كما لو كان مغنماً أو مكسباً لا يعلوهما شيء. وسبب ذلك أن ممارسة الرئاسة في الواقع تقوم بقلب الأمور فيتحول الرئيس من خادم إلى سيد، ومن مأمور إلى آمر، ومن موظف مقيد الصلاحيات إلى "رأس الدولة" وصدارتها وواجهتها.

في الدول ذات النظام الديموقراطي القائم على تداول السلطة، يكون الرئيس ذو الصلاحيات المحدودة سيداً لمدة دورة انتخابية واحدة أو دورتين على الأكثر، ثم يتحول إلى "رئيس سابق" ليحل محله شخص آخر. والرئيس السابق هو مواطن عادي، وإن كان يتمتع ببعض المزايا كالراتب التقاعدي الكبير أو أفضلية الحصول على وظائف رفيعة في مؤسسات أو شركات أو منظمات أو مواقع مهمة في أحزاب سياسية، لكنه في جميع الأحوال يصبح خارج سلطة الدولة بالمعنى المباشر.

معظم الأنظمة الدكتاتورية تحافظ على شكليات النظام الجمهوري الموصوفة أعلاه، من حكومة تنفيذية ومجلس تشريعي منتخب وصلاحيات رئاسية محددة وفصل بين السلطات وغيرها، ويكمن الفارق في أنها، هنا، لا تتجاوز الشكليات، في حين أن السلطة الحقيقية تكون دائماً بيد شخص واحد أو مجموعة ضيقة تستظل بظله وتشاركه الحكم من وراء الستار، فإذا حدث تعارض بينه وبينهم أطاح أحد الطرفين بالآخر، مستخدماً في ذلك صلاحياته الدستورية أو قوته العارية بحسب الحاجة والاضطرار.

تنفر الأنظمة الدكتاتورية، بمختلف أشكالها، من التغيير، وكلما امتد بها المقام في السلطة ازداد تكالبها على البقاء واستشرست في التمسك بموقعها المميز. عنصران جاذبان يجعلان جميع الدكتاتوريين متشابهين عموماً في مسالكهم، وهما السلطة والثروة الملازمة لها، أضيفت إليها في العقود الأخيرة الشهرة وأضواء الإعلام. هناك تعلق مرضي لدى رؤساء الأنظمة الدكتاتورية بالظهور الإعلامي، وبخاصة في عصر التلفزيون، يحوّل الشخص إلى كائن افتراضي يعيش في عالم موهوم موازٍ منفصلاً عن الواقع. وهم ساهم بالذات في صنعه ثم صدقه فبات لا يعرف نفسه. هذا التحول السيكولوجي الخطر ينتج كوارث نشاهد أمثلة متواترة عليها، وخاصة في لحظات فارقة كالثورات أو الانقلابات العسكرية أو الحروب الكبيرة. فالدكتاتور الذي تحايل على الدستور فمدد بقاءه في منصب الرئاسة "إلى الأبد" يتوهم أنه فعلاً الشخص الوحيد المؤهل لـ"قيادة" البلد والدولة، فهو الأذكى والأكثر حكمة وصلاحاً وثقافةً والأقدر على اختيار القرارات الصائبة واجتراح المعجزات، وصولاً إلى هذيانات من نوع أن الشخص باقٍ والأمة عارض زائل، في تناقض مع سنن الطبيعة ذاتها.

في هذا النوع من الأنظمة ليس هناك شيء اسمه "رئيس سابق"، بل رئيس مخلوع ما لم يسبق الموت فينقذه من هذا المصير. وهو مصير مأساوي وكاريكاتوري معاً. مأساوي بالنسبة له بالمعنى الشخصي، حين يتحول، في لحظة واحدة، من الآمر الناهي الذي تطاع رغباته كأوامر، إلى شخص مرذول متهم يقرر آخرون مصيره، سجناً أو إعداماً أو قتلاً بلا محاكمة، وهذا غير الإهانات وأطنان البصاق التي يتلقاها من ملايين الناس ممن كانت حياتهم أو موتهم متعلقين بكلمة تصدر من بين شفتيه. وكاريكاتوري من منظور التاريخ الذي لا يرحم أحداً، حين يظهر خواء الشخص وتفاهته على الملأ بعدما كانا من علامات كينونته الفائقة للبشر.

أصحاب السلطات المطلقة، وأبرز أمثلتهم رؤساء الأنظمة الدكتاتورية الذين يحكمون عملياً على مثال الأنظمة الملكية المطلقة، من المحتمل

يمارس الحاكم الدكتاتور "السياسة"، فيتودد ظاهرياً لأقوياء يكرههم في قرارة نفسه، وإن كان "يتنمر" عليهم على شاشات التلفزيون وأمام الميكروفونات

جداً أنهم يؤمنون بألوهتهم الذاتية، بسبب الوهم الناجم عن قدرتهم على فعل أي شيء، وتحررهم المطلق من أي قيود أو اعتبارات. وهذا ما يدفعهم للنظر إلى سائر الناس، بمن فيهم أركان حكمه، بوصفهم عبيداً أو روبوتات. فلا يحسبون حساباً إلا لأشباههم في الدول الأخرى. وكلما كانت الدولة الأخرى أقوى كلما تعاملوا معها ومع ممثليها "من تحت"، أي من موقع الوضيع. هنا فقط يمارس الحاكم الدكتاتور "السياسة"، فيتودد ظاهرياً لأقوياء يكرههم في قرارة نفسه، وإن كان "يتنمر" عليهم على شاشات التلفزيون وأمام الميكروفونات، إذا لمس أن ذلك لا يكلفه شيئاً، مقابل كسب مزيد من "إعجاب" عبيده أو رهبتهم. بهذا المعنى كانت "السياسة" لدى النظام الأسدي، مثلاً، تعني دائماً وحصراً السياسة الخارجية، أي "اللعب مع الكبار". أما الشؤون الداخلية فتتكفل بها "الحكومة" التي تدير شؤون "الخدمات العامة" وحسب. معروف تلك الواقعة التي سخر فيها حافظ الأسد من رئيس وزرائه محمود الزعبي المشهور بانتحاره بثلاث رصاصات، حين قال عنه إنه "يظن نفسه رئيس حكومة فعلاً".

حتى في دول ذات أنظمة ديموقراطية عريقة، كالولايات المتحدة، تظهر عيوب النظام الرئاسي حين يحتل أشخاص من طينة ترامب أو بوش الابن أو غيرهما منصب الرئيس. ألم يئن أوان تجاوز هذا الشكل من الحكم؟ هل ثمة ضرورة حقاً لـ"مرياع" فائق يقود القطيع؟     

شارك برأيك

أشهر الوسوم