ديمستورا لقد تأخرت كثيرا

ستيفان دي مستورا خلال اجتماع بجنيف بشأن سوريا(رويترز)

بعد سنوات أربع من ممارسة كافة أشكال الاستثمار، يعلن (ستيفان دي مستورا) عن عزمه تقديم استقالته نهاية شهر  - نوفمبر – تشرين الثاني المقبل، ولا ندري إن كانت من قبيل المصادفات غير العادية أن يختتم ديمستورا مشواره الدبلوماسي – كوسيط دولي – بزيارة إلى دمشق يوم 18 – من الشهر الجاري، تلبية لدعوة من نظام الأسد، علماً أن حكومة بشار هي نفسها التي وصفت ديمستورا في يوم سابق بأنه ( شخص غير مرغوب فيه).

لم يكن يجهل ديمستورا طبيعة المهمة التي أسندتها له الأمم المتحدة، وكذلك لم يكن غافلاً عن الأسباب الحقيقية التي دفعت زميليه السابقين ( كوفي أنان و الأخضر الابراهيمي) إلى الاستقالة، بل إن علمه بطبيعة الصراع على سورية هو ما جعله يقبل بحماس تكليف بان كيمون، ويعدّ العدّة من خلال تصدير رؤية خاصة لما يحصل في سورية، لعل أولى تجليات هذه الرؤية تكرار ديمستورا منذ اليوم الأول لتوليه مهامه كمبعوث دولي إلى سورية، بأن ما يجري في سورية هو حرب أهلية، تتصارع من خلالها عدة أطراف، لدواعٍ إثنية وطائفية وعرقية، وعلى الأمم المتحدة أن تعمل لإنهاء هذا الصراع. وواضح أن توصيف ديمستورا لما يجري – آنذاك – ينسجم مع مجمل مساعيه اللاحقة، علماً أن ديمستورا في تعريفه لطبيعة الصراع في سورية كان ملتزماً بالتعريفات الصادرة عن المرجعيات القانونية العالمية، ولكن المشكلة الجوهرية لديه هي التزامه بالمرجعية القانونية حين تتماهى مع مصالح الأطراف الدولية النافذة فقط، وتخليه بسهولة عنها حيال الطرف الأضعف ، ولو أنه صاحب الحق.

لم يكن يجهل ديمستورا طبيعة المهمة التي أسندتها له الأمم المتحدة وكذلك لم يكن غافلاً عن الأسباب الحقيقية التي دفعت زميليه السابقين ( كوفي أنان و الأخضر الابراهيمي) إلى الاستقالة

لم يفلح ديمستورا خلال تسع جولات بين جنيف وفيينا في إقناع وفد نظام الأسد بالمشاركة الفعلية في عملية التفاوض، وهذه ليست جريرته، ولكن مسؤوليته الحقيقية تكمن في امتناعه الدائم عن تقديم أي تقرير يشير فيه بوضوح لا لبس فيه عن مسؤولية نظام الأسد في فشل المفاوضات، الأمر الذي يلزمه بمطالبة المنظمة الدولية الراعية للتفاوض باتخاذ إجراءاتها اللازمة ووقوفها بجدية أمام مسؤولياتها. ولعل الراجح أن استفراد حكومة بوتين بالملف السوري، وبمباركة أمريكية و أوربية، هو ما دفع المبعوث الدولي للتماهي مع معايير (موازين القوى على الأرض)، والتخلّي كلّياً عن المعايير التي تقتضيها القرارات الأممية، ولعلّ هذه هي النقطة الجوهرية التي وسمت مسعى ديمستورا بالانحياز للأقوى دائماً، والإلحاح على الطرف الأضعف عسكرياً بتقديم المزيد من التنازلات، وهذا ما بدا جليّاً منذ كانون أول 2017 ، حين اجهز الروس على حلب الشرقية، ونفّذوا جريمة كبرى من جرائم التهجير القسري للسكان، بمباركة من ديمستورا ذاته، والذي بدا تماهيه – منذ ذلك الحين – بمسار أستانا، مع معرفته التامة بأن المضي في أستانا يعني الالتفاف الحقيقي على محتوى مقررات جنيف.

حاجة بوتين إلى ديمستورا كانت الدافع الأهم لاستمرار الأخير في منصبه – كوسيط دولي – يعمل ما بوسعه لمؤازرة الروس على الاستثمار التام لعدوانهم الذي بدأ في أواخر إيلول 2015 ، وأفرز – من جملة مخرجاته – ما سُمّي بمناطق خفض التصعيد، التي عدّها ديمستورا فتحاً كبيراً، واختراقاً ناجحاً في التمهيد لعملية وقف إطلاق النار، ولكن عندما تحوّلت هذه المناطق إلى محرقة حقيقية لسكانها المدنيين، كان صوت المبعوث الدولي يرتفع ناصحاً السكان المدنيين بالنزوح عن ديارهم، تحاشياً لحرب الإبادة التي يمارسها نظام الأسد وحلفاؤه الروس والإيرانيون. إن دعوة ديمستورا للسكان المدنيين في حلب والغوطة الشرقية ودرعا، إلى النزوح عن مدنهم وبلداتهم وقراهم، كمخرج وحيد لتحاشي الموت، ليس إلّا انحياز فاضح لممارسة الجريمة،قد يكون غير قادر على وقف تلك الجريمة، ولكنه قادر،بل من موجبات عمله ان يبدي موقفاً ينسجم مع مرجعياته التي حدّدت مهامه، إلّا أنه لم يفعل ذلك، بل ذهب باتجاه كل ما من شأنه تعزيز الهيمنة الروسية، بل وشرْعنة أي منجز عسكري للروس باعتباره بات امراً واقعاً.

حاجة بوتين إلى ديمستورا كانت الدافع الأهم لاستمرار الأخير في منصبه – كوسيط دولي – يعمل ما بوسعه لمؤازرة الروس على الاستثمار التام لعدوانهم الذي بدأ في أواخر أيلول 2015

ولعل اعتماد ديمستورا على مبدأ موازين القوى على الأرض، والذي يعني الانحياز للأقوى، هو ما دفعه أكثر من مرة إلى القول: إن المعارضة السورية قد هُزمت، وعليها الاعتراف بذلك،بل والتسليم به،وهذا ما يدفع إلى الجزم بأن فكرة ( السلال الأربعة) التي كانت تكثيفاً لمقولة ( الواقعية السياسية)، لم تكن – من الناحية العملية – سوى ترجمة أمينة للاستراتيجية المشتركة بين روسيا وديمستورا، والهادفة إلى إفراغ جميع القرارات الأممية ذات الصلة بالقضية السورية من محتواها الحقيقي، وتكريس مخرجات أستانا كمُنتَج ميداني قابل للشرْعنة.

ولئن استطاع الروس استثمار كل منجزهم العسكري الإجرامي خلال السنوات الماضية، من خلال تكريس مخرجات ( سوتشي)، عبر اختزال القضية السورية بتشكيل لجنة دستورية، وتجاوز النقطة الجوهرية في الحل السياسي، أعني إنشاء ( هيئة حكم إنتقالي)،إلّا أن بوتين – وفقاً للمعطيات الراهنة -  لن يُترك له وحده الاستئثار بهذا المنجز دون منغّصات أمريكية جسّدتها الوثيقة الصادرة عن المجموعة المصغرة ( مجموعة الدول السبع) والتي تضمنت دعوة ديمستورا للعمل بعجالة على تشكيل اللجنة الدستورية ولكن من خلال رؤية مختلفة عن رؤية الروس، ما يعني أن مرحلة الاستفراد الروسي بالعملية السياسية قد انتهت، فهل عزّزت هذه الخطوة القناعة لدى المبعوث الدولي أن دوره كشريك للروس قد آذن بالانتهاء؟

لعلّه من غير المُستغرب، أن يفصح ديمستورا للأجيال القادمة في مذكراته عن فصول من دوره حيال القضية السورية، وربما من المتوقع أيضاً، أن يكشف عن بعض الحقائق بدرجة ما، من المصداقية، كما يفعل الكثير من المسؤولين حين تأذن شمسهم بالغروب،في محاولة لتبرئة الذات وراحة الضمير، ولكن من الثابت أيضاً، أن سجلّ ديمستورا في صفحات القضية السورية لن يسقط بالتقادم، ذلك أن الجهر بالحقائق بعد فوات الأوان هو تكريس للمسؤولية وليس تبرؤاً منها.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم