دور المخابرات الإيرانية في سوريا (2)

إن فشل استراتيجية الأسد في القضاء على الثورة دعا إيران إلى تقديم المساعدة للميليشيات الموالية للأسد من أجل أن يبقى الأسد حيًا، وهذه الاستراتيجية جاءت منسجمة مع استراتيجية طهران التي طبقتها في العراق ولبنان سابقا حيث أسست الميليشيات الشيعية لضمان حماية مصالحها حتى في غياب الدولة ومؤسساتها، ومن هنا ازداد أهمية هذه الميليشيات في سوريا بالنسبة لطهران في ظل تدهور القدرات العسكرية لجيش الأسد، والذي يمكن أن تكون هذه الميليشيات الضامن الوحيد لديمومة النفوذ الإيراني في سوريا والمنطقة.

أما من الناحية الاستخباراتية ونتيجة الحاجة الماسة لأجهزة مخابرات الأسد لابتكار أساليب وطرق لقمع الثورة، استعانت

لم تكتفِ قوات فرض القانون في إرسال المستشارين والموظفين بل قدمت الدعم المادي لإدارة المخابرات العامة السورية "أمن الدولة"

بالاستخبارات الإيرانية منذ البداية حيث أرسلت طهران مجموعات من قوات فرض القانون لتقديم المساعدة والمشورة لمخابرات الأسد، بل وللأسد نفسه ومن حوله في القصر الجمهوري، وكان على رأس هذه المجموعات نائب قائد هذه القوات "العميد أحمد رضا رادان" الذي التقى مع الأسد ومن ثم أجهزته الأمنية، وقدم خبراته وتعليماته للمساعدة في قمع الشعب الثائر، ولم تكتفِ قوات فرض القانون في إرسال المستشارين والموظفين بل قدمت الدعم المادي لإدارة المخابرات العامة السورية "أمن الدولة"، وقد اعتمدت هذه القوات على خبراتها التي اكتسبتها في قمع الاضطرابات الشعبية التي انطلقت في أعقاب الانتخابات الإيرانية عام 2009، وأصبحت هذه القوات القوة الضاربة لأجهزة الأمن في إيران وقد رُكبت هذه التجربة بشكل جيد ليتم تنفيذها في دعم جهود الأسد للسيطرة على الثورة بوقت مبكر، ولعل ذكرنا لقوات حفظ القانون التي تتبع تنظيميا لوزارة الداخلية الإيرانية وتحت سيطرتها وليست تحت سيطرة الحرس الثوري أو القوات المسلحة الإيرانية، وهذا يثبت بأن إيران قد صاغت استراتيجيتها في سوريا على مستوى الدولة الإيرانية وأجهزتها بالكامل، ويتم تنفيذها من قبل القيادة الإيرانية وعلى أرفع المستويات، وفق تسلسل قيادي محدد يبدأ من إشراف المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني على جميع الأجهزة الأمنية الإيرانية، وهذا المجلس يقدم تقاريره ومقترحاته إلى المرشد الأعلى الذي يصادق عليها ويأمر بتنفيذها وهذا يؤكد بأنّ هناك خطةً لدعم الأسد قد تمّ وضعها من قبل المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وقد وافق عليها المرشد الإيراني ويتم تنفيذها، ووجود ضباط من حفظ القانون في سوريا يدل وبشكل واضح على أن استراتيجية الحكومة الإيرانية بكاملها الداعمة للأسد في سوريا يتم قيادتها والتحكم بها بشكل مباشر من قبل المرشد الأعلى الخامنئي وليس سليماني أو الحرس الثوري الإيراني، أو أي كيان آخر في إيران كما يتبادر لذهن الكثيرين من المتابعين للشأن الإيراني، وتأكيدًا لهذا لابد أن نعرف بأن قوات حفظ القانون ليست المؤسسة الأمنية الإيرانية الوحيدة التي تقدم المعلومات الاستخباراتية والدعم التكنولوجي لمخابرات الأسد بل هناك مجموعات كثيرة ومتنوعة من الكيانات الإيرانية التي قدمت

أخطر شخصية مخابراتية إيرانية لعبت دورا كبيرًا في سوريا وقبلها في إيران هو رئيس جهاز استخبارات مؤسسة الحرس الثوري الإيراني

خدماتها للأسد ومخابراته ومن هذه الكيانات منظمة الاستخبارات للحرس الثوري الإيراني والذي يرأسها حجة الإسلام حسين طيب، وأيضًا وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية وشركة صناعة الإلكترونيات (IEI) التي وقعت عقودًا دائمة مع الجيش الأسدي لتزويده بمعدات اتصال بما فيها أجهزة تشويش من نوع VHF / ascii85HF وأجهزة مراقبة الأنترنت وتعطيله وطائرات بدون طيار غير مسلحة للمراقبة.

ويمكن أن نقول : بأن أخطر شخصية مخابراتية إيرانية لعبت دورا كبيرًا في سوريا وقبلها في إيران هو رئيس جهاز استخبارات مؤسسة الحرس الثوري الإيراني والذي لا يُعرف عنه الكثير، وهو الذي كُلف في الكثير من المهام المعقدة الداخلية والخارجية ولا يظهر على العلن مطلقًا وهو الجنرال "حسين طائب" الذي تم إرساله إلى سوريا في بداية الحراك السلمي للثورة وعقد الصفقات مع جهاز أمن الدولة السوري وقد كان اللواء "محمد ناصيف" هو المكلف من قبل الأسد بعقد هذه الصفقات نظرًا لباعه الطويل في العمل الأمني، وقربه من الأسرة الحاكمة وفعلاً قام ناصيف بعقد عدة اجتماعات مع الجنرال الإيراني في دمشق وطهران واتفقوا على إنشاء مجمع عسكري جديد ومستودع للإمدادات في مطار اللاذقية، وهذا ما فسّر على أن الإيرانيين قد بسطوا سيطرتهم على جهاز أمن الدولة "إدارة أمن الدولة" أحد أهم الأجهزة الأمنية في سوريا، وبدأت تتصرف هذه الإدارة وكأنها القناة الرئيسة للدعم الاستخباراتي الإيراني للأجهزة الأمنية السورية.

موجز القول:

 إن ما قدمته أجهزة الاستخبارات الإيرانية بكافة مسمياتها للأسد وأجهزته الأمنية كان لها الدور الفعّال الذي أبقى الأسد على سدة الحكم ومنعت سقوطه بالوقت الذي فشل الدعم العسكري في تحقيق أي إنجاز لصالح الأسد على الرغم من الإمكانيات الهائلة بالعتاد والعدة الذي فاق كل التوقعات، وهذا يدل وبشكل واضح بأن العمل الاستخباراتي هو أقوى من كل الخطط العسكرية والأسلحة والأساطيل والتي ثبت أن جميع هذه القوات وقوتها لم ولن تستطيع أن تهزم شعب ثار على جلاديه إلا بالخديعة والخديعة هي عمل استخباراتي مُتقن من يستطيع التخطيط له وتنفيذه بشكل جيد سيحقق النصر ولو بعد حين.

شارك برأيك

أشهر الوسوم