دور المخابرات الإيرانية في سوريا (1)

قامت إيران بجهد ضخم ومُكلف ومُتكامل ومدروس للحفاظ على بشار الأسد وعصابته في السلطة لأطول فترة ممكنة، في حين وضعت شروطاً للاحتفاظ بقدرتها على استخدام الأراضي والأصول السورية لمواصلة مصالحها الإقليمية إذا ما سقط الأسد، ولهذا بدا واضحاً تصاعد النفوذ الإيراني في سوريا إلى مستويات مرعبة تنذر بسيطرتها على البلاد من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها وعلى مختلف الأصعدة.

إيران لم تصل إلى هذه الدرجة من السيطرة ووضع يدها على سوريا إلا من خلال التدرج المتسارع في التغلغل، إذ عمدت إيران في البداية إلى إظهار تدخلها في سوريا بالشكل العسكري أحيانا بذريعة تقديم خبراء لمساعدة جيش الأسد في السيطرة على الثورة، وأحيانًا أخرى من خلال تقديم بعض المساعدات الاقتصادية بذريعة عدم انهيار الدولة السورية اقتصاديًا، لكن سرعان ما ظهرت حقيقة هذا الحجم الهائل من التغلغل وعلى كافة الأصعدة العسكرية والاقتصادية والدينية وحتى الفكرية، وأنها كانت خلف كل ذلك التغلغل الأمني.

كل هذا تمّ وفق مخططات مدروسة ودقيقة نظمتها أجهزة المخابرات الإيرانية ونفذها فيلق القدس الذي يقوده قاسم سليماني، هذا الجسم الاستخباري العسكري الذي يعمل بالتزامن مع كتيبة استخبارات الحرس الثوري والمخصص للقيام بعمليات استخبارية عسكرية خارج إيران، وأيضًا بمساعدة عدد من الوزارات والوكالات الإيرانية، وبالاعتماد على مقاتلين من أفغانستان، لبنان، العراق، إيران هؤلاء الذين يتلقون دعمًا مطلقًا، بالإضافة إلى مجموعة من المنظمات الإيرانية التي شاركت في هذا الجهد، بما في ذلك قوات إنفاذ القانون، وأيضًا وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، والشركة المتعهدة الكبيرة لصناعة الإلكترونيات الإيرانية (IEI)، هذه المنظمات التي كانت تنسج العلاقة بين مؤسسات الدولة الأمنية السورية والإيرانية، ويمكن أن نقول إن إيران وضعت قدمها في سوريا بشكل لا يمكن تجاهله من قبل الجميع، لأنّ هذا الخطر سيطول الجميع ابتداءً من الشعب السوري ونسيجه الاجتماعي وليس انتهاءً بدول الجوار.

ما يهمنا الآن هو أن نسلط الضوء على كيفية تنفيذ هذه المخططات حتى وصلت

فيلق القدس استخدم الهلال الأحمر الإيراني كغطاء في نقل الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية وحتى رجال استخبارات إلى سوريا

الأمور إلى ما هي عليه الآن، ومن الجدير ذكره أن بداية التدخل الإيراني كان من مطار دمشق الدولي، وامتد إلى السفارة الإيرانية، وبعض القواعد في جبل قاسيون القريب من القصر الجمهوري، هذه المناطق التي كانت تتلقى النصيب الأكبر من الضربات الإسرائيلية، ويمكن أن نؤكد من خلال مصادر وثيقة أنّ فيلق القدس استخدم الهلال الأحمر الإيراني كغطاء في نقل الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية وحتى رجال استخبارات إلى سوريا، هذا الجسر الجوي الذي أسسته طهران بين دمشق وطهران وعبدان استخدمت فيه أيضاً طائرات من نوع بوينغ 747 تابعة لسلاح الجو الإيراني، والتي تعود ملكيتها إلى شركة "قاسم فارس" للطيران، إضافةً إلى طائرات نقل من تصنيع شركة الليوشن الروسية.

بحسب بعض التقارير المتوفرة والتي قدّرت أن تكون إيران قد نقلت 21 ألف راكب و5 آلاف طنٍ من الأسلحة، من طهران وعبدان إلى دمشق. ومن اللافت أنّ هذه الطائرات كانت تحلّق ليلاً كي لا ترصدها الأقمار الصناعية وعيون الاستخبارات الدولية، ولم تكتفِ إيران بأسطولها الجوي وحتى البري بل استخدمت البحر لنقل كثير من الشحنات الضخمة التي لا يمكن نقلها جوًا، عن طريق شركات مرتبطة بشركة الملاحة الوطنية الإيرانية، كما بدأت إيران ببناء بُنى تحتية لتصنيع الأسلحة في سوريا ولبنان، ومن بينها تصنيع صواريخ أرض – أرض طويلة المدى ولا يخفى على أحد أن عديد القوات الإيراني في سوريا لا يتجاوز 120000 مقاتل بما فيهم الميليشيات الطائفية العراقية والأفغانية وحزب الله اللبناني، وقيادة هذه القوات في منطقة مطار دمشق الدولي، وتعمل في ثلاث مناطق الأولى في منطقة مطار الضمير، والمنطقة الثانية في مطار الشعيرات، والمنطقة الثالثة في مطار التيفور.

وتسعى إيران حاليًا لدمج المناطق المحيطة بمطار دمشق الدولي، حيث تقوم بمحاولة دمج بلدات يلدا والحجر الأسود وببيلا وحجيرة، مع منطقة السيدة زينب وسيدي مقداد، ومنطقة المرج في الغوطة الشرقية مع المنطقة المحيطة بمطار دمشق الدولي، لتكون منطقة نفوذ شبيهة بالضاحية الجنوبية في بيروت، لتصبح هذه المنطقة المركز الرئيسي لقيادة القوات

انتشار قوات الحرس الثوري على مساحة الأراضي التي يسيطر عليها الأسد في سابقة أظهرت إيران من خلالها قدرتها على استعراض قوتها العسكرية خارج حدودها

الإيرانية في سوريا، وبالإضافة إلى العمليات القتالية للقوات الإيرانية وميليشياتها الطائفية، قامت أجهزة الاستخبارات والأمن الإيرانية بتقديم الدعم والمشورة والتدريب من خلال عدد من الخبراء لمساعدة جيش الأسد من أجل الحفاظ على السلطة، وتطورت هذه الخدمات إلى تدريب قوات المشاة باستخدام الحرس الثوري فيلق القدس، والقوات البرية، والمخابرات، وقوات إنقاذ القانون، وهذا أدى إلى انتشار قوات الحرس الثوري على مساحة الأراضي التي يسيطر عليها الأسد في سابقة أظهرت إيران من خلالها قدرتها على استعراض قوتها العسكرية خارج حدودها، خاصة القوة العسكرية الاستراتيجية الاستطلاعية (الأمنية).

إن فشل إستراتيجية الأسد في القضاء على الثورة دعا إيران إلى تقديم المساعدة للميليشيات الموالية للأسد من أجل أن يبقى الأسد حيًا، وهذه الاستراتيجية جاءت منسجمة مع استراتيجية طهران التي طبقتها في العراق ولبنان سابقًا، حيث أُسست الميليشيات الشيعية لضمان حماية مصالحها حتى في غياب الدولة ومؤسساتها، ومن هنا ازدادت أهمية هذه الميليشيات في سوريا بالنسبة لطهران في ظل تدهور القدرات العسكرية لجيش الأسد، إذ إن هذه الميليشيات أضحت تشكّلُ الضامنَ الوحيد لديمومة النفوذ الإيراني في سوريا والمنطقة.

شارك برأيك

أشهر الوسوم