دعوة لدراسة دور البوطي غير المنظور بتأسيس الوعي الديني في سوريا

تفتقر المكتبة العربية لدراسة جادة تحيط بأقطار الشخصيات والتيارات والاتجاهات والمدارس الفكرية الإسلامية التي أسهمت في صياغة الوعي الديني وتشكيله لدى عموم السوريين على اختلاف طبقاتهم، بدءاً من القرن العشرين حتى اللحظة الراهنة، علماً أن مصادر المادة البحثية لهذا الموضوع شديدة الغنى والتنوع، وتدعمها كتب وبحوث ومقالات غزيرة وفيرة، وعلى سبيل التذكير يمكن الإشارة إلى كتاب (الإصلاح الإسلامي: السياسة والتغيير الاجتماعي في سوريا أواخر العهد العثماني) لمؤلفه ديفد دين كومنز، أو بعض رسائل الدكتوراة والماجستير مثل: (تطور الفكر الكلامي في بلاد الشام منذ القرن الرابع عشر الهجري ــ قضايا معاصرة) للدكتور محمد ماهر قدسي، أو (جهود علماء الشام في تفسير القرآن الكريم منذ القرن الرابع عشر الهجري) للدكتور أحمد قباوة، أو (مبدأ السببية في مصر والشام منذ القرن الرابع عشر الهجري) للدكتور محمود نفيسة، وسنقع على كتب ومؤلفات اختصت بدراسة الشخصيات الدينية الحديثة والمعاصرة، كطاهر الجزائري، وعلي الطنطاوي، ومصطفى الزرقا، ومصطفى السباعي، وعبد الرحمن حبنكة الميداني، ومصطفى سعيد الخن، ووهبة الزحيلي، ومحمد ناصر الدين الألباني، ومحمد فوزي فيض االله، وعبد الغني الدقر، وأحمد عز الدين البيانوني، ومحمد الحامد، إلخ إلخ.

كان لهذه الأسماء المعاصرة وأسماء أخرى من المشايخ الأقران أكبر الأثر في بناء الوعي الديني في سوريا، لكنّه أثرٌ لم يُكتب له الاستمرار والانتشار كما كُتب للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي للحيثيّة التي سنشرحها، والتي لم يُلتفت إليها ولم يُنتبه لها بحسب علمي واطلاعي.

حصل أستاذنا الدكتور البوطي (1929 ـــ 2013)، على الإجازة في الشريعة من كلية الشريعة في الأزهر سنة 1955، وبعد خمس سنوات عُيّن معيداً في كلية الشريعة بجامعة دمشق، ثم أُوفد إلى كلية الشريعة في الأزهر للحصول على الدكتوراة في أصول الفقه، وحصل على هذه الشهادة سنة 1965، ولما عاد إلى سوريا عُيّن في كلية الشريعة مدرّساً، وتدرّج بالمرتبة العلمية إلى أستاذ مساعد، ثم أستاذ، ثم وكيل للكلية، وفي سنة 1977 غدا عميدها.

لم يُتح له بوجود الرعيل الأول من أساتذة الشريعة إلا موقع الصف الثاني، وظلّ في هذا الموقع إلى نهاية السبعينات إلى أن توفي بعضهم، وسافر بعضهم الآخر، من أمثال الشيخ مصطفى الزرقا (1904 ــ 1999) الذي غادر سوريا سنة 1966، والدكتور معروف الدواليبي (1909 ــ 2004) الذي غادرها بعد انقلاب البعث على حكومته سنة 1963، والأستاذ محمد المبارك (1912 ــ 1981) الذي كان عميداً لكلية الشريعة من سنة 1958 حتى 1963، وغادر سوريا سنة 1966، والدكتور مصطفى السباعي (1915 ــ 1964) الذي يعود إليه الفضل في تأسيس كلية الشريعة سنة 1955، وكان أول عميد لها من سنة 1955 حتى 1958، والذي أصيب بالشلل بعد خسارته في الانتخابات البرلمانية عن مدينة دمشق، والدكتور محمد أديب الصالح (1926 ــ 2017) الذي غادر سوريا سنة 1978، ولا ننسى أيضاً الشيخ علي الطنطاوي (1909 ــ 1999) الذي غادر سوريا سنة 1963، والشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني (1927 ــ 2004) الذي غادرها سنة 1967.

ومن يطلع على تراث هؤلاء الأساتذة الروّاد سيرى آثارهم في إنتاج الدكتور البوطي اللاحق و تأثره الفكري الشديد بهم، ومحاولته تتبع خطى بعضهم خطوة خطوة في انتقاء المواضيع، وأسلوب الكتابة، وصياغة الأفكار، ولا سيما محمد المبارك رجل الإخوان الحصيف الذي كتب: (نحو وعي إسلامي جديد)، و(المشكلة الثقافية في العالم الإسلامي)، و(دراسة أدبية لنصوص من القرآن)، و(المجتمع الإسلامي المعاصر)،

تكشف لنا تواريخ مغادرة هؤلاء الأساتذة والدكاترة سوريا أن مجيء البعث إلى السلطة كان مؤذناً بفراغ الساحة الدينية

و(نظام الإسلام)، و(الأمة العربية في معركة تحقيق الذات)، و(نحو إنسانية سعيدة)، و(الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار الغربية)، و(نظرة الإسلام العامة إلى الوجود وأثرها في الحضارة)، (الإسلام والتيارات الفكرية العالمية) إلخ. ولكنّنا سنلحظ في الوقت ذاته أيضاً نجاح الدكتور البوطي في الظهور بمظهر المفكر المستقل الأصيل الذي لا يدين لأحدٍ من هؤلاء المذكورين بالاستفادة ولا بالتأثر والانتفاع!

تكشف لنا تواريخ مغادرة هؤلاء الأساتذة والدكاترة سوريا أن مجيء البعث إلى السلطة كان مؤذناً بفراغ الساحة الدينية، بل بتفريغها، وأنّه مهّد الجو لمن كان في درجة ثانية أن يُنشد في سره: "خلا لكِ الجو فبيضي واصفري"، وسوف نلحظ أنّ كتبه التي بدأت في الظهور تباعاً بعد الثمانينات ستحتل الصدارة في واجهات المكتبات، ليتلقفها الشباب المسلم المتعطش لقراءة نصوص إسلامية معاصرة تثبّتهم على ما هم فيه، وتضخ فيهم الشعور بالكفاية والامتلاء.

كان حزب البعث حزباً مؤسَّساً على الشمولية من خلال مبدأ قيادة الحزب للدولة والمجتمع، وكان من جملة التدبيرات المتخذة في هذه السبيل السيطرة على مناهج التعليم، وصنعها على عين البعث، وصبّها في قوالب جاهزة معلّبة، وتجلى ذلك في التعليم الشرعي، بمستوييه الجامعي وما قبل الجامعي، بإيجاد مناهج موحّدة مؤلَّفة تأليفاً حديثاً عوضاً عن المناهج المتحركة التي تعتمد على خيار المدرّس وتقديره.

وهنا أتى دور الدكتور البوطي! فقد كان أحد الفاعلين الرئيسيين في وضع هذه المناهج وصياغتها وترتيبها. ففي نهاية السبعينات انتهى في كلية الشريعة عهد المقرّرات المفتوحة التي كان يعالجها الأستاذ في محاضراته مع طلبته، فيوجّههم إلى المصادر والمراجع ليؤسسوا معرفتهم بالمادة المطلوبة، كما هو شأن التعليم الجامعي، وبدأ عصر الكتاب الواحد المضبوط الذي لا يحيد الطالب عنه، فيحصر ذهنه وتفكيره في حدوده وإطاره ومجاله.

قد يعوزنا الدليل لبيان دور الدكتور البوطي في صياغة مناهج كلية الشريعة والهيمنة عليها، لأنَّنا لا نرى اسمه إلا على ثلاثة كتب: (فقه السيرة)، و(مباحث الكتاب والسنة من علم الأصول)، و(العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر)، علماً أنّ إنشاء هذه المناهج تمّ بعد أن غدا رجل الكلية الأول.

لكن لو اطلعنا على مناهج الثانويات الشرعية التي ترافق توحيدها مع تأطير مناهج كلية الشريعة بكتب محدَّدة فسنجد اسم الدكتور البوطي يتكرّر في معظم كتب المنهاج إضافة إلى الأسماء التالية التي تغيب في كتاب وتظهر في آخر: محيي الدين مستو، وعلي الشربجي، ووهبي سليمان غاوجي، ومصطفى سعيد الخن، ومصطفى البغا، وسنخرج بانطباع أنّ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي هو الشخصية الناظمة لهذه الكتب، ولهذا المنهاج، وهو المقدَّم بين مؤلفيها فكراً وأثراً وحضوراً وتمكّناً.

وتكمن أهمية هذا المنهاج في أنّه المسؤول عن تكوين طبقة معظم المشايخ المستقبليين وتأسيسهم وبنائهم البناء المعرفي المؤهِّل لانطلاقهم في لجج المجتمع بعد أخذ دور الموجِّه والربان الديني، وربما الدنيوي أيضاً.

وهكذا طُبع جيلٌ كامل برؤية الدكتور البوطي وبفكره واختياراته، وتسربت منظومته الفكرية إلى الجميع من حيث لا يشعرون، في حين كانت مناهج المدارس الدينية، قبل ذلك، شديدة التنوع والتعدد والاختلاف، ويتحاذى فيها، في أحيان قليلة، النص الكلاسيكي المتين مع النص الإصلاحي المتوثّب، ففي المدرسة الخسروية في حلب والتي غدا اسمها (الثانوية الشرعية)، كان يُدرّس في علم العقيدة جنباً إلى جنب (شرح جوهرة التوحيد)، و(رسالة التوحيد) للإمام محمد عبده، وفي الفقه الحنفي كانت تدرّس (حاشية ابن عابدين) و(مجلة الأحكام الشرعية)، أما في الفرائض فـ (شرح السراجية) و(شرح الرحبية)، إلى آخر ما هنالك.

لم يكن هذا التغيير في المناهج يُقدّم بدون مسوغات، بل صاحبه إغراء شديد الأهمية بالنسبة إلى طلاب العلم

منذ باكورة أعماله الكتابية الأولى سنة 1958 كشف الدكتور البوطي عن مخالفته تيار الإخوان المسلمين في كتابه (في سبيل الله والحق) بمدحه الرئيس جمال عبد الناصر، ووصفه بالرئيس العربي المؤمن الصادق

الشرعي، وهو الاعتراف بشهادتهم، فأصبحت تؤهِّلهم لدخول الجامعات أسوةً بحملة شهادة الثانوية الأدبية، بدءاً من سنة 1972. أما المدارس الدينية التي لم تلتزم هذا المنهاج فظلت بدون شهادات رسمية معترف بها.

هل كان اختيار الدكتور البوطي لكتابة مناهج الثانويات الشرعية الموحَّد عشوائياً أو بمحض الاتفاق؟ أم أنّ النظام وجد فيه مؤهلات تزكي هذا الاختيار وتدعمه فضلاً عن معرفته وتميّزه في اللغة والسبك وحسن العرض وقوة التعبير؟!

وقف الدكتور البوطي مع البعث على أرضية مشتركة من العداوة لـ (الإخوان والسلفية والشيوعية)، ورأى فيه معيناً في تصفية الحساب مع هذه التيارات المتناقضة الثلاثة.

فمنذ باكورة أعماله الكتابية الأولى سنة 1958 كشف الدكتور البوطي عن مخالفته تيار الإخوان المسلمين في كتابه (في سبيل الله والحق) بمدحه الرئيس جمال عبد الناصر، ووصفه بالرئيس العربي المؤمن الصادق، وكان الرئيس يومها قد زجّ بأكثر من ألف قيادي وعضو إخواني في السجن بعد محاولة اغتياله المخفقة في حادثة المنشية سنة 1954، وكان موقفه المعادي للدكتور مصطفى السباعي لا يختلف عن موقف الشيخ أحمد كفتارو الذي كوفئ بتسليمه منصب الإفتاء العام للجمهورية، وقد أشار هو نفسه إلى هذا الخلاف في كتاب (شخصيات استوقفتني) حيث يقول: "وقد كنت كتبت في الرد على آرائه، كما سبق أن قلت، وقد توقعت بعد أن ضمني إليه العمل في كلية الشريعة، أن أجد لديه بعض التأثر أو التألم من بعض ما قد كتبت في حقه... ويبدو أنّه أدرك ما كان يجول في نفسي، فقال لي مرة وهو يتجرع آلام مرضه غصةً وراء غصة: يبدو أنّك تظن أنّي عاتب عليك. اسمع يا أخي: إنّ الإسلام لا مجاملة فيه، ونحن جميعاً جنود لهذا الدين وحده، فمن واجبك أن تكتب وتدعو إلى ما ترى أنّه الحق، وأنا أطالبك بإلحاح أن تظل على ما كنت عليه، بنفس الطريقة والأسلوب ما دام القصد هو وجه الله".

وأما مناظراته ومناكفاته مع رموز السلفية السوريين، فقد نجحت في شيطنتهم وتسخيفهم والحد من تأثيرهم، وجاء كتابه (اللامذهبية أخطر بدعة تهدّد الشريعة الإسلامية)، ليوثِّق تلك الحرب الكلامية مع الشيخ ناصر الدين الألباني والأستاذ محمد عيد عبّاسي، والتي استُخدمت فيها كلّ الوسائل من حجج وبراهين وأدلة وهجاء واستهزاء، وفي المقابل لم يقصّر الخصوم على الإطلاق، بل كان قاموسهم من ذلك أوسع وأقذع، غير أنّ هذا المستوى من شراسة الخصومة لم نره في حجاجه مع الشيوعيين حين كتب (نقض أوهام المادية الجدلية)، فهو لم يتلقَ ردوداً على ردّه، ربما لأنّهم لم يروه في تلك الآونة أهلاً للرد والاهتمام، ما خلا كتاب الباحث عبد الرزاق عيد (سدنة هياكل الوهم: نقد العقل الفقهي. البوطي نموذجاً) الذي جاء في فترة متأخرة جداً سنة 2003، والذي لم يتناوله من زاوية الردّ على (نقض الأوهام)، بل من زاوية أخرى واضحة في عنوان الكتاب.

قد يكون في كلامي عن أثر الدكتور البوطي في تكوين الوعي الديني للسوريين ولا سيما بعد الثمانينات نوع من المبالغة، ولكن المقال بحدّ ذاته هو مجرد لفت نظر، ودعوة للبحث عن هذا الأثر، فالبحث الجاد المكتمل الأركان هو القمين فقط بتحديد مداه، وأهميته، أما الكلام عن ملامح الوعي الديني الذي بثّه الدكتور البوطي، وعن محدداته وسماته فربما نتناوله في مقال آخر.

شارك برأيك

أشهر الوسوم