دروس مجزرة نيوزيلاندا 

رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أرديرن أثناء صلاة الجمعة في مسجد النور (رويترز)

عبّر التعاطي الرسمي والشعبي النيوزيلاندي المدهش عن حسّ عالٍ بالمسؤولية، وعن قرار اتخذته كل أركان الدولة والمجتمع للتخفيف من وقع الجريمة الإرهابية التي راح ضحيتها أكثر من خمسين مصلياً.

وإن كان من جائزة ستمنح لشخص ما في هذا السياق فهي حتما ستذهب لرئيسة الوزراء السيدة جاسيندا أرديرن، السيدة أرديرن كانت نجمة الحدث بدون منازع بعد تعاملها المسؤول الذي بدأ حين رفضت بداية ذكر اسم القاتل وطلبت من الجميع عدم منحه الشهرة عبر ترداد اسمه في وسائل الإعلام، ولاحقا من خلال إجراءات عدة اتخذتها وهي على بساطتها كارتداء الحجاب وإلقاء التحية الإسلامية باللغة العربية، ما يدلُّ على إدراكها من موقع المسؤولية لمخاطر الجريمة، وأن بلداً صغيراً مثل نيوزيلاندا لا يحتمل وقوع مجزرة بهذه الحجم.

اليوم أيضاً أثبت الشعب النيوزيلاندي عن وعيه وأن جريمة المسجدين لا يجب أن تتكرر، فشارك بكثافة في أول صلاة جمعة تعقب الجريمة التي وقعت أثناء تأدية المصلين لصلاة الجمعة السابقة.

يبدو واضحاً أن منفّذ الجريمة كان مدفوعاً بأيديولوجية واضحة للقيام بهذه الجريمة بهذا الأسلوب الذي يشبه ألعاب الفيديو، وذلك لما لمسنا بشكل واضح وفجّ كيف استحضر التاريخ عبر التذكير بكل الحروب بين المسلمين والمسيحيين من معركة بلاط الشهداء وصولاً لمذابح المسلمين في صربيا نهاية القرن الماضي. ومن الجيد هنا أن نتذكّر بأن أول من استحضر تلك المعارك في القرن الحالي كان الرئيس الأمريكي بوش الابن بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وزعم بوش في حينها أن الله كَلّمَه.

يبدو واضحاً أن منفّذ الجريمة كان مدفوعاً بأيديولوجية واضحة للقيام بهذه الجريمة بهذا الأسلوب الذي يشبه ألعاب الفيديو، وذلك لما لمسنا بشكل واضح وفجّ كيف استحضر التاريخ عبر التذكير بكل الحروب بين المسلمين والمسيحيين

اليوم أيضاً يعود وزير الخارجية الأمريكية ليقول: ربما خطّط الله لكي يخلص ترامب الشعب اليهودي، وأنا كمسيحي أؤمن بالتأكيد بأن ذلك ممكن!

استحضار المعارك والصراعات القديمة لأجل دعم توجّه ما ولأجل حشدٍ جماهيري شعبوي أمر سهل نظرياً، لكن تبعاته ستكون كارثية على الجميع، فالجنون الذي تخلفه مثل هذه التصريحات لا يمكن السيطرة عليه، وستطال نيرانه الجميع وأولهم مطلقو تلك الصيحات.

جرت العادة حين يكون منفذ العمل الإرهابي غير مسلم، ألا توصف هذه العملية بأنها إرهابية، وغالباً ما يوصف المنفّذ بأنه مختل عقلياً، وتطوى بعد هذا التصريح كل ملابسات ودوافع الجريمة حفاظاً على صورة القاتل الأبيض - الغربي الناصعة.

ما حدث بعد مجزرة المسجدين كان استثناء حيث أجبرت الدبلوماسية النيوزيلاندية العالم والإعلام المتردد على وصفها بشكل مباشر وواضح بأنها جريمة إرهابية، ففي البداية الكثير من وسائل الإعلام الكبرى وصفتها بالحادثة، قبل أن تتراجع لاحقاً وتتعاطى مع منفذها كإرهابي.

يمكن هنا اتخاذ هذه الجريمة كبداية جديدة لتعريف مصطلح الإرهاب وعدم اقتصاره على جرائم المسلمين

يمكن هنا اتخاذ هذه الجريمة كبداية جديدة لتعريف مصطلح الإرهاب وعدم اقتصاره على جرائم المسلمين، بعد ازدياد موجة العنصرية تجاه المسلمين نتيجة صعود اليمين المتطرف ونتيجة لإصرار زعماء الغرب على استخدام وترويج مصطلح الإرهاب الإسلامي؛ ولتوضيح أن الإرهابيين ليسوا فقط أصحاب لحى وثياب رثة، بل يمكن أن يكونوا بيضاً وحليقي الوجه.

الدرس الأول كان ما قدمته رئيسة الوزراء النيوزيلاندية في إدارة الأزمة بعد الجريمة، والدرس الثاني كان في كسر صورة الإرهابي النمطية التي حاول الغرب تكريسها بعد أن انتهت مهمة طالبان في أفغانستان إبان الهزيمة السوفيتية، طالبان نفسها التي وصف مقاتليها الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغن بجنود الله، ليصبح لاحقا هؤلاء القديسون إرهابيين بعد انتهاء حاجة الأمريكان لهم، والدرس الثالث والأهم هو أن من يستحضر الحروب الدينية اليوم - إضافة لمجموعات إسلامية متطرفة غير منضبطة وتأثيرها محدود عملياً- هم زعماء أقوى وأكبر دول العالم حالياً، من حروب بوش الابن الصليبية إلى حرب بوتين المقدسة في سوريا وصولاً لتنفيذ ترامب لإرادة الله.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم