درعا وفرضيات إعلان المقاومة

لأول مرة، وفي حدث لافت صدت فصائل من الجيش الحر وقوات النظام، كتفا إلى كتف، هجوماً شنه "جيش خالد بن الوليد" المبايع لتنظيم "داعش" على جبهة بلدة حيط، جنوب غربي درعا. كذلك أسعف مقاتلون من الجيش الحر عشرات القتلى والجرحى من قوات النظام ونقلوهم إلى المشافي الميدانية التابعة للمعارضة بالقرب من بلدة زيزون، بعدما سقط هؤلاء في هجوم أحد عناصر "داعش" ويدعى أبو الزبير الأنصاري، والذي قام بتفجير نفسه بعربة مفخخة وسط تجمع لقوات النظام ما أسفر عن تدمير عدد من الدبابات والعربات إلى جانب القتلى والجرحى.

وإن دلت تلك الحادثة على شيء، فعلى المنعطف الجديد الذي قد تدخل فيه فصائل الجيش الحر في الجنوب السوري عموماً ودرعا خصوصاً.

حصلت المواجهة المشتركة مع "داعش" قبل حتى أن ينجز اتفاق تشكيل الفرقة التي يفترض أن تنضم إلى "الفيلق الخامس" بقيادة الجنرال أحمد العودة قائد "شباب السنة".

أما القنيطرة والأراضي المجاورة للجولان المحتل فستشهد وضعاً مختلفا نسبياً، بسبب تأكيد إسرائيل على تطبيق اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 والمتعلق بإبقاء المنطقة منزوعة السلاح ونشر قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك "يوندوف" بحسب قرار مجلس الأمن 350 والذي صدر في نفس يوم توقيع الاتفاق في 31 أيار/ مايو 1974.

اذاً، فقد حصلت المواجهة المشتركة مع "داعش" قبل حتى أن ينجز اتفاق تشكيل الفرقة التي يفترض أن تنضم إلى "الفيلق الخامس" بقيادة الجنرال أحمد العودة قائد "شباب السنة"، والتي أعلن عنها في غير مرة، رئيس لجنة المفاوضات الروسية اللواء ألكسندر سيلوفيتش خلال اجتماعات بصرى الشام. لا بل أكثر من ذلك، فقد سبقت المواجهة التشكيل بوقت غير وجيز، وهو ما يبدو أننا سنعتاد مشاهدته، وليس سماعه فحسب، مع استقرار الوضع أكثر في بلدات غرب درعا واستكمال انتشار الشرطة العسكرية فيها. فالوقائع تدل إلى أن بعض قادة فصائل الجبهة الجنوبية يتسابقون فيما بينهم لانتزاع الرضى الروسي وتقديم ولاءاتٍ ينافسون فيها قيادة أحمد العودة.

ما ورد أعلاه، قادم لا محالة ويمكن توقع الأسوأ منه في نتائج الهزيمة في الجنوب. لكن في المقابل، ثمة سؤال ملح يطرح نفسه حول مصير "بنادق الثورة" التي بقيت بيد مقاتلي الجيش الحر. فمعلوم أن السلاح الفردي والخفيف لم يتم تسليمه، وما تسلم اقتصر على السلاح الثقيل مثل الدبابات والآليات العسكرية الثقيلة.  

وعليه، من الخطأ بمكان اعتبار أن اتفاق الاستسلام في الجنوب يخط نهاية الثورة السورية، أو ثورة أبناء درعا التي فجروها قبل سبع سنوات. ومن غير الحكمة تخوين، أو بحسب التعبير الذي شاع مؤخراً "ضفدعة" 70 ألف مقاتل فرض عليهم الاتفاق بتوافق وضغط دولي وإقليمي.

فلا بد اليوم من النظر إلى الجزئيات الصغيرة بشكل أكثر إيجابية ومحاولة البناء عليها سياسياً وشعبياً ومد يد العون لها وعدم مقاطعتها باعتبارها بندقية تحت الاحتلال أو في خدمة المحتل الروسي، كما ذهب كثيرون من السياسيين والمعلقين، في تفسيرهم رفض خيار التهجير إلى إدلب.

ومع الإقرار بخطورة انتشار السلاح في البلدان التي شهدت انتقالاً سياسياً، يبقى أن السلاح الخفيف المنتشر في الجنوب، يمنح ضمانة للسكان في وجه التهجير القسري وفي الحفاظ على حيواتهم، في ظل غياب أي مشروع واضح للانتقال السياسي وانتهاء الحرب، كذلك والأهم أنه يحفز خيارات المقاومة المحلية ويمنع عودة القبضة الأمنية المباشرة.

فبقاء السلاح الخفيف والمتوسط بيد مقاتلي أبناء درعا البلد مثلاً، وإعلانهم حل غرفة "عمليات البنيان المرصوص" وتحولهم إلى "شرطة محلية" بقيادة العقيد محمد الدهني، قائد فرقة 18 آذار سابقاً، ورفض خيار التهجير إلى الشمال والتمسك بالأرض، هو مما يمكن البناء عليه على المديين المتوسط والبعيد.

وتكمن الخطورة العسكرية والأمنية في الجنوب، في المقاتلين الذين سيقبلون الانضواء تحت مظلة "الفيلق الخامس" بشكل مباشر، والذين سيتم استخدامهم روسياً في تطويع بنادق الرافضين للانضمام، لتبدأ مرحلة "نزع السلاح" بالقوة، بالنيابة عن الروس والنظام. وقد يؤدي ذلك إلى احتراب طويل بين أبناء المحافظة، ينعكس على البنية الاجتماعية المركبة مدنياً وعشائرياً، وقد ينتج عنه تمزيق الروابط الأهلية المتماسكة التي حركت أهل درعا في الانتفاضة ضد النظام.

وفي هذه الحالة يصبح من غير المستبعد أن يشارك المنضوون في "الفيلق الخامس" في حرب محتملة يقوم بها الروس في الشمال السوري، ما قد يضع أخوة السلاح ورفاقه، في مواجهة بعضهم البعض، واحدهم يقاتل إلى جانب سهيل الحسن والآخر ضده. وتلك قد تشكل سابقة غير عابرة في مسار الأحداث، وإن كان رفاق السلاح لم يحافظوا على شيء يجمعهم منذ زمن، ودخلوا في حروب استئصال وقتال أكثر من تلك التي شنها النظام عليهم، كما وأزهقوا من أرواح مقاتليهم أكثر مما قتل منهم على جبهات القتال ضد النظام، سواء في الغوطة الشرقية وحمص، أو في إدلب وريف حلب الغربي.

فمع اتفاق الجنوب، يختبر أبناء المنطقة صدق قادتهم العسكريين، ويميزون بين من بقي حاملاً بندقيته إلى جانبهم،

الديناميات المتوفرة وإرادة أبناء حوران على المقاومة ستتبلور مع الوقت، خصوصاً وأن إمكانية ضبطها عسكريا وأمنيا يحتاج إلى نصف أعداد جيش النظام المتبقي لديه.

رابطاً مصيره بمصيرهم، ساعياً إلى تخفيف الخسائر والبحث عن مخارج تضمن سلامتهم وتجنبهم ويلات الاعتقال والتصفية، وبين الذين سلموا حوران في اتفاق بصرى الشام وتوجهوا من هناك إلى عمان مصطحبين نساءهم وأطفالهم وتاركين جنودهم وعوائلهم أمام المجهول دون حتى عناء تقديم شرح لما حصل في التفاوض مع الروس، كما يقتضي الواجب العسكري وأخلاق القادة.  

قد يكون من الترف اليوم التبشير بمقاومة مسلحة في حوران ضد النظام، لكن من المستعجل أيضاً التسليم بالهزيمة الكاملة فيها. فالديناميات المتوفرة وإرادة أبناء حوران على المقاومة ستتبلور مع الوقت، خصوصاً وأن إمكانية ضبطها عسكريا وأمنيا يحتاج إلى نصف أعداد جيش النظام المتبقي لديه. وهذا ما لا طاقة له عليه.

ولكن بعد هزيمة اليوم، على أي مقاومة منشودة إعادة الاعتبار للفرد والمواطن، والإدراك أن الاستقواء بالسلاح على حاضنة الثورة، كانت نتيجته الهزيمة. هزيمة محققة ظهرت مع تفشي ظاهرة أمراء الحروب بدل الثوار، مع فكرة تحرير المدن والبلدات بدل تقطيع الأوصال وضرب الأهداف الاستراتيجية لدى النظام.

شارك برأيك

أشهر الوسوم