دائرة الخداع

باصات التهجير تصل من ريف دمشق إلى مدينة الباب شرق حلب (الأناضول)
مركز كارنيغي - مايكل يونغ

فيما يتركّز قدرٌ كبير من الاهتمام، في هذه الأيام، على الولايات المتحدة وسياساتها في الشرق الأوسط، من السهل أن يغفل عنّا أن المنطقة هي بصورة أساسية رهنٌ بديناميكياتٍ بالكاد ترتبط بالأميركيين أو نزواتهم.

وخير دليل على ذلك القرار الذي اتخذته الإمارات العربية المتحدة والبحرين مؤخراً بإعادة فتح سفارتَيهما في دمشق، مستأنفتَين بذلك علاقاتهما مع الحكومة السورية. الدولتان حليفتان مقرّبتان من السعودية، ولذلك يمكن الافتراض، من دون مجازفة، بأن قرارهما حظيَ بموافقة الرياض. وهذا يُسلّط الضوء على أن السعوديين أنفسهم ينوون تطبيع العلاقات مع نظام الرئيس بشار الأسد، بغض النظر عن الجرائم الجماعية التي ارتكبها خلال الصراع السوري. حتى إن أحد التقارير أشار إلى أن علي المملوك، رئيس مكتب الأمن الوطني السوري، زار المملكة قبل بضعة أيام.

وكانت مصر قد أعادت فتح سفارتها في العاصمة السورية في أعقاب الانقلاب العسكري ضد الرئيس السابق محمد مرسي في العام 2013، ومنذ ذلك الوقت، تتحدّث تقارير عن تعاون عسكري مصري مع نظام الأسد. كذلك، ألمحت الكويت إلى أنها قد تحذو حذو شركائها في الخليج عبر إعادة دبلوماسييها إلى سورية. وقد حملت الزيارة التي قام بها مؤخراً الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق، مؤشراً إضافياً عن أن الأسد يشقّ طريقه للعودة إلى الحضن العربي، حتى ولو أن البشير، الذي أدانته المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب، يُقدّم صورة وافية عمّا تعنيه عودة سورية إلى الحضن العربي.

مانشهده الآن كان متوقّعاً، أي تجمهُر قوى الثورة العربية المضادة حول مبدأ القضاء على ماتبقّى من زخم المعارضة في المنطقة. إذ تلوح في الأفق أجواءٌ قمعية أكثر بعد في عدد كبير من البلدان العربية، حيث لم يُحلّ حتى الآن أيٌّ من المشكلات التي أدّت إلى اندلاع انتفاضات العام 2011. لابل إن الدرس الذي تبنّته الأنظمة العربية هو أنها لم تمارس مايكفي من العنف لخنق مجتمعاتها بالكامل، وهكذا قد يتحوّل لجوء الأسد إلى المجازر الجماعية نموذجاً يقتدي به في المستقبل القادة المتمسّكون بمناصبهم مهما كان الثمن.

ماذا تعني، في هذا السياق، الخصومة بين بعض الدول العربية وإيران؟ يُعتبر المجهود العربي للتقرّب من النظام السوري تكراراً لسلوكٍ تجلّى قبل بضع سنوات عندما استخدمت الدول العربية المكافآت لمحاولة إبعاد سورية عن طهران. ومن شأن ذلك أن يُتيح لبشار الأسد الحصول مجدّداً على تنازلات – بما في ذلك تمويل عربي لإعادة إعمار سورية، وربما تجدُّد النفوذ السوري في لبنان – حتى لو لم يفعل الكثير لتلبية الرغبات العربية.

غالب الظن أن قدرة الأسد على خداع الدول العربية ستؤدّي بشكلٍ كبير إلى بقاء الدور الإيراني في سورية على حاله. وقد تبذل الدول العربية جهوداً لتعزيز الحضور الروسي في سورية بغية إرساء ثقل موازن مقابل الوجود الإيراني. لكن الروس، شأنهم في ذلك شأن الأسد، غير مستعدّين لأن يكونوا أداةً تستخدمها الأنظمة العربية ضد إيران. بعبارة أخرى، تُعدّ قدرة الدول العربية على احتواء إيران محدودة اليوم، مثلما كانت قبل ثماني سنوات، قبل أن تقلب الانتفاضات العربية المنطقة برمتها رأساً على عقب.

لكن ماذا عن الدول غير العربية؟ ظلّ خصوم إيران من العرب يتطلّعون، لوقتٍ طويل، إلى الولايات المتحدة لنجدتهم وإنقاذهم. فقبل عقدٍ من الزمن، ناشد العاهل السعودي آنذاك، الملك عبدالله، واشنطن "قطع رأس الأفعى" عبر قصف البنى التحتية النووية الإيرانية. وفيما تكتفي إدارة ترامب بإبداء استعدادها لفرض عقوبات على إيران، تحوّلت الآمال العربية نحو جهة فاعلة أخرى غير عربية هي إسرائيل. لقد حقّق الإسرائيليون، عبر شنّ هجمات على أهداف إيرانية داخل سورية، بعض الرغبات العربية، حتى فيما يُصفّق داعمو إسرائيل في الولايات المتحدة للرئيس دونالد ترامب لأنه أعطى الإسرائيليين الهامش المطلوب لتنفيذ ذلك.

إذاً نبدو الآن أمام نظام إقليمي يستند إلى ركائز ذاتية الترسّخ تتمثّل في سلطوية عربية أكثر تصلّباً، وتكيّف مع حقبة مابعد أميركية حيث يُتوقَّع أن تؤدّي إسرائيل دوراً موسَّعاً في كبح إيران، وتجدُّد الزخم الروسي مع قيام موسكو بالتلاعب بجميع الأفرقاء سعياً إلى تحقيق نفوذ إقليمي أوسع. يغيب الأميركيون عن هذا المشهد، حتى ولو أدّوا دوراً أساسياً في ظهوره. بيد أن السؤال الأساسي هو: إلى أين سيقود هذا كله؟ هل سيسهم في نشر الاستقرار في الشرق الأوسط، أم على النقيض، سيولّد ديناميكيات جديدة ومدمِّرة؟

في منطقةٍ عاجزة أصلاً عن تلبية حاجات مواطنيها اليومية، من الصعب أن نتخيّل نتيجةً أخرى غير المزيد من الخراب. إذ إن الاستبداد، مقروناً بالتدهور الاقتصادي الواسع النطاق وذكرى احتجاجات 2011، لن يجلب الطمأنينة والهدوء. وقد يولّد الاعتماد على إسرائيل، التي سيكون دورها، على نحوٍ أساسي، حماية الأنظمة في معظم البلدان الخليجية من إيران، مشكلات خطيرة على مستوى الشرعية، نظراً إلى أن بقاء هذه الأنظمة سيصبح مرتبطاً بتضحيات الفلسطينيين. كما أن مكانة موسكو المعزَّزة ستُشكّل عاملاً مزعزعاً، لأنه ستكون للروس، على الرغم من أنهم يدّعون أنهم يعملون على تثبيت الأوضاع، مصلحة في استغلال الانقسامات بين شركائهم الإقليميين لتعزيز نفوذهم.

لا أحد يعرف كيف ستخرج إيران من هذه المعمعة. إذ تتخبّط الجمهورية الإسلامية، وهي ليست أقلّ همجية من جيرانها العرب، في أزمة اقتصادية كبرى، فيما يناهز قائدها الثمانين من العمر ويُشرف على الخروج من منصبه، وتتسبّب المنظومة بإحباط شعبي غير مسبوق. وسيواجه النظام تحدّيات وجودية جديدة، إنما من الممكن جدّاً كذلك أن تولّد الظروف الرديئة في العالم العربي فرصاً تستخدمها إيران للتخفيف من تأثير هذه التحديات.

إزاء هذه الأوضاع غير السويّة التي تسود بكثرة في المنطقة، يجب الابتعاد عن قراءة الأمور بطريقة تختزل كل شيء بتوسّع النفوذ الإيراني. لاشك في أن صعود إيران هو عامل أساسي من عوامل زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، لكنه أيضاً من عوارض تدهور منظومة الدول العربية، بشكلٍ يشبه إلى حد كبير صعود تنظيم الدولة الإسلامية. في الوقت الراهن، يرصّ الأفرقاء في هذه المنظومة صفوفهم للإبقاء على الحكم السلطوي، لكن آلياته تعاني من الانحلال. لذا، ترقّبوا انتفاضات جديدة، فتوازن الطغاة يعني في معظم الأحيان فقداناً تامّاً للتوازن.

 

للاطلاع على المادة من المصدر اضغط هنا 

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم