خلفيات الضوء الأخضر التركي في إدلب 

ساحة الساعة في مدينة إدلب (أرشيف - إنترنت)

أثار التصعيد الأمني الأخير الذي تسببت به قوات النظام السوري بالتنسيق مع المقاتلات الروسية في مناطق سيطرة المعارضة بريف حماة، ومنذ 25 نيسان الماضي، تساؤلات كثيرة حول ما يجري.

أصوات في دمشق تقول إن قوات النظام ستكمل عمليتها العسكرية، من أجل تحرير المناطق من الإرهابيين، بعد سقوط الخط الدفاعي وفتح الطريق أمام التقدم السريع والواسع. لكن هناك أصوات أخرى تقول إن ما يجري هو أبعد بكثير من مسألة "الحرب على الإرهاب" لأنه يدور ضمن منطقة خفض التصعيد المتفق عليها تركيا وروسيا ولأن مشاركة الروس في العمليات بهذا الشكل العنيف يعني أنهم وراء بناء معادلات سياسية وميدانية جديدة هناك.

قبل أسبوعين تحديدا كانت أنقرة وسط عاصفة من الانتقادات والاتهامات الحادة من قبل أقلام وأصوات عديدة تتساءل عن أسباب السكوت عما يجري. البعض في الإعلام العربي كان يتحدث عن صفقة تركية روسية حول مقايضة تل رفعت بالطرق الدولية مقابل فتح الطريق أمام قوات النظام لتواصل عمليات قضم الاراضي في إدلب ومحيطها. قرأنا وسمعنا من يتحدث عن رغبة تركية روسية في فتح الطريق أمام قوات النظام للتقدم نحو مواقع "هيئة تحرير الشام" لإخراجها من المعادلة بعدما عجزت أنقرة عن فعل ذلك في تعهدات أستانا وسوتشي. 

نظرية المؤامرة دفعت الراغبين في تصفية الحسابات مع تركيا لطرح تساؤل ما الذي يعنيه قيام قوات النظام السوري وحلفائه بقصف مناطق محيطة وقريبة من نقاط المراقبة التركية، في إطار تصعيده العسكري ضد المناطق السكنية في إدلب فتنسحب منه القوات التركية مكتفية بنقل الإصابات وتسجيل الاعتراض على هذه العملية لدى الشريك الروسي؟

موسكو أزعجها فشل اجتماعات أستانا 12 وتجدد الاتصالات بين أنقرة وواشنطن حول سوريا

موسكو أزعجها فشل اجتماعات أستانا 12 وتجدد الاتصالات بين أنقرة وواشنطن حول سوريا والتحرك الدولي الداعم للموقف التركي باتجاه وقف الهجمات ضد المدنيين في إدلب. لذلك حركت قوات النظام هناك لكن السؤال ومنذ أسابيع كان حول ما ستفعله أنقرة وهل سيكون هناك ردّ تركيّ على كل هذه الاستفزازات أبعد من رسائل التعبئة العسكرية على الحدود؟

الروس لا يبدون الجدية باتجاه الضغط على دمشق لوقف إطلاق النار وكأن المسألة تتم بضوء أخضر روسي متعدد الأهداف: محاصرة تركيا بورقة الكارثة الإنسانية على حدودها ووجود حوالي 350 ألف مدني بدلوا من أماكنهم بسبب التصعيد الأمني وقصف النظام والمقاتلات الروسية المنطقة. لذلك كان لا بد من الرد وهذا ما فعلته أنقرة ولم تتحدث عنه بعد التنسيق مع الفصائل في حملة الانتقال من الدفاع إلى الهجوم للرد على كل هذا التصعيد. محاولة روسية واضحة بالتنسيق مع النظام للاستفادة من انشغال أنقرة بأكثر من ملف داخلي وخارجي وفرض واقع ميداني جديد على المنطقة وتركيا.

بعد عمليات القضم والتموضع العسكري الجديد لقوات النظام تحول الموقف الروسي فجأة من مجرد ساعي بريد ينقل المطالب التركية إلى دمشق ويحمل الرد الذي يقول إن النظام يقبل بوقف إطلاق النار شرط احتفاظه بالمناطق التي سيطر عليها مؤخرا. فكان الرد التركي ميدانيا أولا وبالتفاهم مع قوات المعارضة باتجاه التعامل مع كل هذه التحرشات والاستفزازات ثم سياسيا بالإعلان أن العودة إلى خارطة الطريق الروسية التركية في إدلب مشروطة بانسحاب قوات النظام من المناطق التي تمدد فيها في الأسابيع الأخيرة. 

أولى مؤشرات التحول في الموقف التركي كشف النقاب عنها نائب الرئيس فؤاد أوكتاي عندما دخلت قوات المعارضة التركية إلى قرى تل رفعت ردا على الاستفزازات والتحرشات المتواصلة لمجموعات "قسد" التي تستفيد من الحماية الروسية هناك. ثم عادت وغادرتها في رسالة واضحة أن تركيا والفصائل لن يسمحوا بلعب ورقة تل رفعت ضدهم.

ثم جاء الرد التركي في أعقاب استهداف نقطة المراقبة التركية في تحد واضح لاتفاقية سوتشي. أين المسؤولية الروسية هنا وهل ستكتفي أنقرة بتحميل المسؤولية للنظام السوري الذي لن يغامر في القيام بعملية تصعيدية من هذا النوع دون موافقة موسكو؟ 

المؤشر الآخر المهم جاء على لسان الدبلوماسي التركي ومندوب تركيا في مجلس الأمن الدولي فريدون سينيرلي أوغلو خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي حول الهجمات على إدلب، والتطورات الأخيرة في سوريا، حين عبر عن قلق أنقرة البالغ إزاء انتهاكات وقف إطلاق النار من قبل النظام السوري منذ نهاية أبريل وحتى اليوم، التي تجاوزت 600 انتهاك، وأن هجمات النظام تشكل خطرا إنسانيا وأمنيا على تركيا وأوروبا، وأن ما تقوم به أنقرة وما ستفعله لاحقا هو من أجل حماية تفاهمات سوتشي. 

"استهداف نقطة مراقبة تابعة للجيش التركي في 4 أيار الحالي، وإصابة جنديين جراء ذلك، رغم الاتفاقيات والتفاهمات لا يمكن أن تصبح أعمال مشروعة باسم مكافحة الإرهاب".

ربما الذي دفع أنقرة للتحرك في استراتيجية جديدة من هذا النوع هو تكرار موسكو أن كل تفاهماتها مع تركيا مبنية على أساس عودة النظام إلى السيطرة على كل الشمال السوري

ربما الذي دفع أنقرة للتحرك في استراتيجية جديدة من هذا النوع هو تكرار موسكو أن كل تفاهماتها مع تركيا مبنية على أساس عودة النظام إلى السيطرة على كل الشمال السوري وحتى المناطق الحدودية عاجلا أم اجلا. وتمسك موسكو في رفض أي سيناريو يعيد تشكيل المجموعات المحسوبة على هيئة تحرير الشام من المواطنين السوريين ودمجهم مجددا في البنية السورية.

بين ما قاله وزير الدفاع التركي بعد خروج أنقرة عن صمتها في أعقاب عمليات الهجوم المضاد الناجح والصاعق للفصائل إن النظام في دمشق يسعى لعرقلة تفاهمات سوتشي التركية الروسية في أيلول 2018 حول إدلب والمنطقة العازلة. وإن أنقرة لن تخلي نقاط المراقبة ودعا موسكو لوقف النظام عن الاستمرار في خروقاته التي تهدد التفاهمات التركية الروسية وإن إدلب هي أرض سورية لكنها أرض جميع السوريين ومنهم الذين هربوا من ظلم النظام."صحيح أن إدلب أرض سورية ولكن قاطني هذه المحافظة عانوا من ظلمكم، وتركيا كباقي الدول الأخرى ستقوم بما يلزم حين يتم إعداد دستور جديد للبلاد، وتجري الانتخابات وتشكل الحكومة الجديدة".

الورقة الروسية الإيرانية التي تلعب ضد أنقرة منذ البداية كانت تهدف لتحريك مسألة محاربة الارهاب في إدلب الذي يتحصن في البقعة الجغرافية الأخيرة المتبقية له والذي يعيق التفاهمات ويعرقل الحلول في الملف السوري. وهذا ما كانت تركيا تعرفه وتراقبه عن قرب. لذلك رأينا الرسائل التركية الموجهة إلى موسكو تقول إن خروقات النظام في إدلب تتحمل موسكو مسؤوليتها المباشرة قبل دمشق نفسها. الروس هم الطرف الضامن أمام أنقرة وأية هجمات ينفذها لا يمكن أن تكون بمعزل عن موسكو وموافقتها حتى لا نقول تشجعيها على ذلك.

الرسالة التركية الأهم قد تكون حول أن لا معنى لهذه الاتفاقيات إذا ما كان النظام سيعرضها للخطر بشكل دائم وعلى هذا النحو "رغما" عن الروس والإيرانيين قبل أن يكون تحديا لأنقرة والفصائل.

شارك برأيك

أشهر الوسوم