حين يلامس الخراب روح الإنسان..!

منذ أن أتيت مدينة غازي عينتاب، مكرهاً بسبب مفارقة وطني، ومدينة حلب بالذات، وضعتني عينتاب، بنظافتها وترتيبها وشوارعها وحدائقها وملاعب أطفالها ومتنزهاتها، أمام سؤال لطالما شغلني في بلدي سوريا، سؤال مبعثه في العادة مسائل بسيطة، تتعلق بحياة الإنسان العادية من نظافة وترتيب، واحترام للحياة الجماعية، سؤال يتعلق بإهمال شؤوننا الصغيرة التي كانت تحصل في مدينتنا حلب بدءاً من رمي أكياس الزبالة في الطرقات، وأحياناً من الطوابق العليا، والتجاوز على الأرصفة الضيقة أصلاً، والتدخين في الأماكن المغلقة، وليس انتهاء بحرائق حاويات الزبالة ليلاً وتلويث الأجواء، وترك الحاوية أياماً، بعد أن تمرَّ عليها أيدي "النبيشة"، فتفرشها أرضاً، ليجتمع حولها الجرذان، وأنواع الذباب والقوارض وليفوح نتن روائحها.

لماذا وتمتد حلب في عمق التاريخ اثني عشر ألف عام وقد رشحها ابن بطوطة للخلافة "إنها من بين المدن التي تصلح للخلافة" بعد أن شهد نظافة شوارعها ومتانة أبنيتها، وسعة أسواقها وتلاصقها، وارتفاع أسقفها.. أما القنصل الفرنسي دارفيو  فقد وصفها عام 1683 بقوله:

"تأتي مدينة حلب الثالثة بين الممتلكات العثمانية أهمية، فبوصفها وسعتها وسكانها ورخائها، هي أقل من القسطنطينية والقاهرة إلا أنها بصحة هوائها ومتانة بنائها وأناقتها ونظافة طرقها أفضل من الاثنتين.. والحلبيون أحسن شعوب المماليك العثمانية طباعاً، وأقلهم شراً وآمنهم جانباً، وأشدهم تمسكاً بمكارم الأخلاق.." وكذلك فعل الرحالة الفرنسي فولني (القرن 18) الذي قال عنها:

"قد تكون حلب أنظف مدينة في السلطنة العثمانية، وأجملها بناءً، وألطفها عشرة، وأصحها مناخاً والحلبيون هم أكثر أهل السلطنة تمدُّناً.."

أما السؤال الذي وضعتني أمامه عينتاب فهو:

لماذا؟ وما الذي كان ينقصنا لنكون مثل هذه الدولة التي اخترقت أسوار التخلف المزمن، وعالمه الثالث، وكنا قد انفصلنا عنها قبل نحو قرن من الزمن بدوافع قومية، وأملاً بالنهوض، وتجاوز التخلُّف، والارتقاء إلى مستوى تلك الأمم المتحضرة التي كانت طموحاً لمفكرينا ومثقفينا الذين رأوها لأول مرة فنقلوها، من دهشة وعجب، إلى ساستهم الذين وعدوا بالتنمية والتقدم الاجتماعي ارتقاء إلى حال أفضل يماثل تلك الدول ومجتمعاتها، لكنها الوعود التي سوف تسحقها، فيما بعد، نعال العسكر!

لاشك بأن المشكلة السورية اليوم أكبر من ذلك بكثير، ولن تكفيها هذه اللمحة العاجلة، للدخول إلى مسائل كبيرة كمخالفات البناء التي دمرت مظاهر المدن الكبرى، والتجاوز على أملاك الدولة والمجتمع، وحالات تلوث المدينة، وفساد إدارات الدولة، والتمييز بين المواطنين، والثراء الفاحش لدى بعضهم، بفتح ثغرات قانونية لهم، وتخصيصهم بالتالي، بـرمرمة المال العام من مفاصل وجوده الرئيسة تطبيقاً لفكرة تطرق لها "باتريك سل" الصحفي البريطاني، وهي سعي حافظ الأسد لتكوين برجوازية ساحلية تضاهي برجوازية الداخل، إن لم تتفوق عليها، تمتيناً لحكمه واستمراره..

أما التجاوز الأكبر والأخطر فقد مس روح الإنسان السوري المبدع الذي ابتلعته زنازين السجون دونما سبب سوى الخوف الذي يعشش في روح المستبد المتوحش بسلطته، فلم يمضِ على وجودي عدة أشهر في عينتاب حتى التقيت، من خلال المنتدى الثقافي السوري، ولمَّة السوريين، بالعديد من الشباب السوريين المعارضين الذين ينتمون إلى فئات سياسية مختلفة، يعني ليسوا من "الإخوان المسلمين" عقدة النظام المبتدعة تاريخياً التي جعلها "دفع قضاء ورد بلاء" كما يقول المثل العامي، ولطالما حاول أن يزرعها في أذهان مؤيديه وأنصاره، وعموم أبناء الشعب السوري، ولست هنا أدفع عن الإخوان مظلوميتهم التي سُحِقَ المُجْتَمعُ تحت عنوانها الكبير.. أبداً بل أريد أن أشير إلى أن هناك قوى وطنية أخرى متعددة المشارب والأفكار والأهواء والتطلعات السياسية أيضاً قد نالها ما نال الإخوان وغيرهم ومن ضمن هؤلاء البعثي والشيوعي والعلماني المستقل من الذين يسعون إلى دولة علمانية فعلية تتسع للجميع.. وترعى مصالح مواطنيها على

كثيرة هي القصص الحزينة التي تستشف منها عمق المأساة، وما آلت إليه.. فهذا الذي تحايل ليصنع عوداً من مخلفات سحاحير الخضرة، وذاك الذي لم يتعرّف عليه ابنه الذي تركه ابن شهور والتقاه بعد عشر سنوات

أسس من المساواة المحمية بدستور يعطي الشعب دوراً رئيساً في التشريعات كافة، وتنص على أبسط قواعد الديمقراطية.. ولدى الاستماع إلى قصصهم، وأخص السجناء الذين أمضوا سنين طويلة في غياهب الزنازين، وعانوا وأسرهم ما عانوه.. فكل حكاية تؤكد أن هبّة الشعب السوري لم تأت من فراغ، بل من بؤس مرير لم تشهده سوريا في تاريخها، وأقسم أن هؤلاء الذين التقيتهم وأمثالهم لا تطاوعهم نفوسهم على دعس نملة، فكيف بأذية وطن؟! فمنهم الشاعر والروائي والباحث والموسيقي، وفي العموم كلهم مثقفون وطنيون يحلمون بحياة أفضل ووطن أجمل.. هكذا رأيت "إبراهيم بيرقدار" عازف العود في سهرات اللمَّة السورية، وصنوه "محمد حمدان الصالح" الذي غالباً ما يرافقه بصوته الحزين وأدائه المميز.. وبالمستوى الروحي ذاته تنقلنا أشعار "حسن النيفي" إلى منبج أبي فراس وأبي ريشة.. وتحرِّض أذهاننا حوارات ماجد علوش، وراشد صطوف.. لكنَّ السؤال الأكثر أهمية يظلُّ يلحُّ لماذا استهدفت روح المبدع السوري بالذات؟!

كثيرة هي القصص الحزينة التي تستشف منها عمق المأساة، وما آلت إليه.. فهذا الذي تحايل ليصنع عوداً من مخلفات سحاحير الخضرة، وذاك الذي لم يتعرّف عليه ابنه الذي تركه ابن شهور والتقاه بعد عشر سنوات، وثالث ورابع، وقسوة معاناة الزوجات والأمهات.. ولعلَّ هذه الصورة التي التقطها مالك داغستاني زميل سجن هؤلاء أكثر تعبيراً عما يجول في الذهن:

"بعد سنوات من انقضاء سجننا سوف تروي "سميحة نادر" زوجة أحد الأصدقاء المعتقلين معنا، أنه بينما كانت مجموعة من النساء من أخوات وأمهات وزوجات المعتقلين ينتظرن على رصيف محكمة أمن الدولة العليا وصولَ سيارة نقل السجناء، فإنهن حرصنَ على عدم إصدار أصوات عالية خوفاً من ردة فعل عناصر الشرطة التي يمكن أن تودي إلى عدم السماح لهن بما كنّا ندعوه "زيارة المحكمة"، إلا أن امرأة بدأت بالصراخ عند نزول المعتقلين من السيارة، كانت تردد بصوتٍ عالٍ: "يمّه يا تركي، أنا هون.. يمّه يا تركي، أنا هون". ستطلب منها الصديقة أن تكف عن الصراخ:

"الله يخليكِ يا خالة لا تصيحي، هلق ما عاد يخلونا نشوفهن، تركي بيشوفك بدون صياح". وسوف تجيب المرأة: "يا خالة، "تركي" ما يقدر يشوفني. "تركي" أعمى".

أما جريمة "تركي" فقد استمع في مصادفة ما لأحدهم قرأ عليه نتفاً من جريدة: الراية الحمراء..!

ويبقى السؤال الأهم والأكبر أين كنا نحن المتحالفين مع حافظ الأسد بل أين كان الشعب السوري من ذلك الظلم الذي قاد سوريا إلى هذا الدمار وهل كانت وحشية النظام وجلاوزته أقوى من الشعب السوري وسياسييه ومثقفيه.. أم إن خطأ ما قد مرَّ سهواً أو جهلاً أو خوفاً أو ابتلعته فجوة في نفس الإنسان اسمها المصلحة الفردية التي تنطوي على كل ما ذكرت؟!

لعلَّ ممدوح عدوان في كتابه "حيونة الإنسان" حاول الإجابة عن هذا السؤال ببضع جمل استعارها من روايته "أعدائي":

"نتعود.. تعرف ماذا تعلمنا يا أبي؟! ذات يوم شرحوا لنا، في المدرسة، شيئاً عن التعوُّد. حين نشمُّ رائحة تضايُقِنا، فإن جملتنا العصبية

حياة (إن جازت تسميتها كذلك) لا تشبه في مراراتها أي حياة، ومع كل صباح ستحاول أن تقتل فينا شيئاً جديداً

كلها تتنبه، وتعبِّر عن ضيقها، بعد حين من البقاء مع الرائحة، يخف الضيق أتعرف معنى ذلك؟! معناه أن هناك شعيرات حساسة في مجرى الشم قد ماتت، ولم تعد تتحسس.." ويأتي بمثال آخر من سوق النحاسين ليوصل فكرته:

"نحن لا نتعود يا أبي إلا إذا مات فينا شيء ما.."

وأغلب الظن أنَّ مالك داغستاني ردَّ على ما كتبه عدوان تخاطراً.. إذ يقول في حياة السجن:

"حياة (إن جازت تسميتها كذلك) لا تشبه في مراراتها أي حياة، ومع كل صباح ستحاول أن تقتل فينا شيئاً جديداً. وإنما أكتب هنا لأوثّق آليّاتنا التي تفنّنا في ابتكارها للدفاع عن قلوبنا التي كانت ما تزال نديّة. وأحاول قبل كل شيء، تقصّي أثر اللحظات التي كنا نقتطعها من فم ذلك الموت المقيم والمتواصل. أكتب عن فسحة هاربة بين دمعتين مهلكتين، وعن نضال الروح في نِزاعها الضاري لتعيش يوماً إضافيّاً آخر. وربما، على نحوٍ ما، أعرفُ السجان أو أعرّيه بدلالتنا، نحن ضحاياه. باختصار، إني أدوّن تفصيلاً مجهرياً لزهرة بالكاد تُرى في لوحة قاحلة".

ولكن هل ماتت روح الشعب السوري؟! لا.. أبداً.. فما حصل في العام 2011 يؤكد العكس تماماً.. لكن بعض الزاعمين بأنهم طليعة تتعاطى السياسة قد ماتوا فعلاً..! ومن هؤلاء أحزاب الجبهة السورية وبعض المثقفين الذين باركوا القتل، ولا زالوا تحت مسمى محاربة الإرهاب.. والإرهاب هم، وما يمجدونه من أصنام، فهم وحدهم صنّاعه، وتربته الخصبة..!

شارك برأيك

أشهر الوسوم