حنا مينا .. رواياتٌ قد تكون أكبر من الروائي

الروائي السوري الراحل حنا مينا(إنترنت)

"وداعا يا صديق العمر حنا مينا أنا لاحق بك قريبا.. سيبقى المستبدون وحدهم وسيشعرون بالضجر لأنك ستغيب عنهم وأنا أقول لهم مطمئنا إياهم إن حنا مينة لا يحبكم بالرغم من إنكم كنتم راضين عنه ولكنه كان يخاف منكم كثيرا.. سأعيد قراءتك من جديد كي أقول لهم إن حنا مينة لم يمت بعد ولن يموت ". ستتوقف كثيراً وأنت تقرأ هذا النعي من قبل الأديب شوقي بغدادي لصديق عمره حنا مينا، لعلك تستطيع أن تفهم قليلاً من شخصية هذا الروائي الكبير الذي غادر عالمنا مؤخراً عن عمر ناهز الـ93 عاماً.

الحرية الحمراء

هذا الكلام دفعني لقراءة بعض أعمال مينا علّي أفهم قليلاً من شخصيته، وهو الذي مات ولم ينبس ببنت شفة حول ما جرى في سوريا، والحرية التي خرج الملايين مطالبين بها، رغم أن رواياته تطفح بالنضال من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، والحرية الحمراء، كما جاء في رواية " المصابيح الزرق" حيث تم سجن البطل فارس لأنه ضرب الفران الذي كان يتعاون مع الفرنسيين، ويستغل حاجة الناس للخبز أثناء الحرب العالمية الثانية، فوجد الكثير من الكتابات على جدران السجن، إلا أن الشيء الوحيد الذي وجده مكتوباً بالدم وبالحجم الكبير والخط العريض " حرية".

توظيف سياسي

"المصابيح الزرق" هي أول باكورة إنتاجه الأدبي، وفاتحة الخير لديه، وتتكلم عن وضع اللاذقية أثناء الحرب العالمية الثانية، وكيف كان الناس يطلون مصابيحهم باللون الأزرق خشية من تعرضهم لغارات الطيران الحربي. الغريب في الرواية هو أن فارس الذي خرج من السجن كارهاً للاستعمار ومحرضاً على التظاهر ضده، إلا أنه بعد فترة يذهب مقابل المال للقتال مع الفرنسيين في ليبيا!، وهناك يموت.

هذه الرواية تم تحويلها لمسلسل عام 2012، كنوع من التوظيف السياسي، كونها فضلاً عن ذم الاحتلال الفرنسي، فهي تطالب باستعادة لواء إسكندرون من تركيا، رغم أن النظام تنازل عنه نهائياً في بداية علاقاته مع أنقرة عام 2005، وأزالوا اللواء من الخرائط الرسمية.

رائعة "الياطر"

كما كل البدايات، كانت لغة الكاتب التي لم تكن قد استوت على سوقها مباشرة وتقريرية في بعض الأحيان، لتتطور بشكل كبير في الروايات التي تلتها، خصوصاً في رواية "الياطر" التي تحكي قصة صياد سمك يدعى زكريا قتل خمّاراً لأنه استغله، فهرب الصياد يهيم على وجهه خائفاً في الجبال المحاذية للساحل إلى أن التقى راعية بقر تركمانية اسمها شكيبة، فكان يصيد السمك ويطعمها بينما هي تجلب له مستلزمات الحياة التي كان يعيشها متخفياً في الجبل، فوقعت بينهما حالة حب معقدة، فهو متزوج وهي متزوجة، وهنا يغوص الكاتب عميقاً في تحليل شخصية البطلين، ويبحث عن العقل وعن الوجود، وعن الحب ذاته في ظل سرد جذاب ومثير، " واحد من اثنين: أخون الحب أو أخون الخبز والملح؟ أخون شكيبة أم أخون زوجها؟ أنا لا أعرف زوجها ولا يعرفني، ولكن لو عرفته وعرفني، لو صادفته وصادفني، تبقى النتيجة واحدة: أحب شكيبة  ولا غنى لي عنها، حتى ولو كان هو لا غنى له عنها؟".

البحر ملهم مينا

الياطر هي كلمة تركية وتعني مرساة القارب الحديدية، ومينا برز كروائي يكتب عن البحر، حيث أغلب مؤلفاته كانت توثق ما يدور على البحار أو سواحلها، كونه ولد في مدينة اللاذقية الساحلية، وعمل من ضمن ما عمل بحاراً. فيقول مينا: "إن البحر كان دائما مصدر إلهامي حتى إن معظم أعمالي مبللة بمياه موجه الصاخب، لحمي سمك البحر، دمي ماؤه المالح، صراعي مع القروش كان صراع حياة، أما العواصف فقد نقشت وشما على جلدي لا أدعي الفروسية، المغامرة نعم! أجدادي بحارة هذه مهنتهم، الابن يتعلم حرفة أهله".

الشراع والعاصفة

ومن هنا تأتي أهمية روايته الشراع والعاصفة التي تعد من أفضل مئة رواية عربية، وتحكي قصة بحار يدعى محمد الطروسي غرق مركبه، فاضطر لفتح مقهى على الشاطئ كي يكسب قوت يومه، ثم يغامر هذا البحار بروحه كي ينقذ مركباً يحمل بحارة آخرين ضاعوا في عرض البحر، نتيجة العواصف، فوهب صاحب المركب نصف المركب للطروسي الذي عاد للإبحار من جديد. الرواية هي وثيقة للحياة البحرية والبرية على حد سواء في اللاذقية في أربعينيات القرن الماضي، تضعك في قلب الموج، فتشعر وكأنك بحار من مساعدي الطروسي في تلك المغامرة الأخلاقية، وتسرد الرواية الكثير من الكلمات والمفردات التي لن تفهمها إلا إذا كنت ابن تلك البيئة، فضلاً عن الوضع السياسي في اللاذقية، وكيف كان كثير من السوريين يتمنون انتصار النازية أثناء الحرب العالمية الثانية، لا حباً بهتلر بل كرهاً بالاستعمار الفرنسي.

محمد الطروسي البطل الشهم الأخلاقي المدافع عن حقوق البحارة والعاملين في الميناء البحري، والباحث دائماً عن العدالة الاجتماعية. وقد تم تحويل الرواية إلى فيلم كتب السيناريو وأخرجه للسينما المخرج غسان شميط.

حكاية بحار

رواية حكاية بحار تحكي قصة سعيد حزوم الذي يريد أن يقلد حياة والده البحار المغامر وأيضاً المناضل، فالوالد كان يناضل ضد الأتراك في مرسين، وكذلك كان الابن يناضل ضد الفرنسيين في سوريا. الوالد الذي كان يدافع عن حي العرب في تلك المدينة الساحلية التركية، فقد في ظروف غامضة، وهذا ما جعل الابن يرتبط به أكثر.

عاهرة ونصف مجنون

الرواية الخامسة التي قرأتها في سبيل اكتشاف حنا مينا هي عاهرة ونصف مجنون وتتكلم عن حكاية كاتبة نشأت في أسرة فقيرة، حيث تنام كل العائلة في غرفة واحدة، فكانت ترى مجامعة أبيها لأمها بعد أن ينام أخوتها، فنمت غريزتها إلى أن أصبحت تتكسب من خلال العيش مع امرأة سحاقية غنية، ثم بعد أن ماتت هذه المرأة تحولت لورنس شعلول إلى كاتبة، " إن شريك لورنس في تجبير هذه الرواية نصف عاقل نصف مجنون، ومحاولته تجبيرها ستقتصر على رسائل مجنونة منه وإليه، تحت عنوان رسائل من الذاكرة المجنونة يوم كان في العشرين من العمر، ويرغب أن يطلع الناس عليه كيف كان يفكر..".

سيرة ذاتية

 هكذا فإن القسم الأكبر من الرواية يفرده الكاتب للحديث عن سيرته الذاتية، وبداياته في اللاذقية حيث كان يعمل كحمال في المينا، ثم بحار، ثم عمل حلاق، وبعدها ذهب إلى بيروت حيث لم يحالفه الحظ، فكانت دمشق تفتح له ذراعيها، حيث عمل كمحرر في جريدة الإنشاء بشكل مجاني في البداية كونه لا يحمل شهادة، ثم بدأ الإبحار في عالم الكتابة. ما استوقفني هو أن مينا يقول إنه تنبأ عام 1982 بأن الرواية ستصبح ديوان العرب بدلاً عن الشعر، وبالفعل فاليوم الذين يهتمون بالشعر هم قلائل جداً مقارنة بالرواية التي تحوز على اهتمام أغلب قراء اللغة العربية.

حرية على ورق

بكل الأحوال، سواء شئنا أم أبينا يبقى حنا مينا أحد أبرز أعلام الرواية العربية، وهو الذي كتب ما يزيد على الأربعين منها، وأغلبها كما قلنا تدعو للعدالة والحرية والمساواة، ولكن هذه الشعارات البراقة بقيت حبيسة كتبه، ولم يترجم مينا أياً منها لفعل ملموس، ولو حتى بشكل لفظي بسيط، وهنا يحضرني قول صديقه الروائي فواز حداد في خاتمة مقال كتبه عن مينا، "الرواية أحياناً، أكبر من الروائي، ومن أخطائه وخطاياه".

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم