حماية المدنيين بين اليمن وسورية

أطفال يمنيون قرب أحد المنازل التي دمرت بغارة جوية على العاصمة صنعاء (أرشيف - يونيسيف)

اندلعت في الحادي عشر من شباط/ فبراير 2011، ثورة شعبية ضد حكم الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الذي دام لثلاثة وثلاثين عاماً تحت تأثير ثورات الربيع العربي التي بدأت من تونس في كانون الأول/ديسمبر 2010، لقد كانت الثورة اليمنية ملهماً رائعاً ليس فقط لليمنيين فحسب وإنما لكل العرب وخاصة السوريين، فبالرغم من حضور العامل القبلي بقوة في السياسة اليمنية إلا أنه تحول إلى عامل ثانوي أمام قوة وحضور مظاهرات الشباب السلمية لتحقيق التغيير السياسي المنشود، والعامل الآخر هو انتشار السلاح بقوة في المجتمع اليمني لم يعق تطور الثورة اليمنية بوصفها ثورة سلمية تهدف لتحقيق إصلاحات جذرية داخل النظام السياسي بحيث يعيد لليمنيين حقهم في اختيار رئيسهم وشكل نظامهم السياسي الذي يرغبون.

ففي 23 تشرين الثاني/ نوفمبر2011 نجحت الضغوط الدولية وخاصة منها الخليجية ممثلة في مجلس التعاون الخليجي حيث كان ما يزال يمتلك الكثير من التأثير على الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح وقد نجحت هذه الضغوط بالتوقيع على مبادرة مجلس التعاون لدول الخليج العربي وآليتها التنفيذية، وبموجب هذا الاتفاق مُنح الرئيس اليمني الأسبق صالح الحصانة ونُقلت السلطة إلى نائب الرئيس: عبد ربه منصور هادي الذي اعتبر حينها رئيساً مؤقتاً وأشرف بشكل مباشر على إدارة ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني.

واقترنت عملية الحوار الوطني مع عملية وضع الدستور فيما اعتبر حينه أوسع عملية حوار وطني شامل جرت في الوطن العربي

واقترنت عملية الحوار الوطني مع عملية وضع الدستور فيما اعتبر حينه أوسع عملية حوار وطني شامل جرت في الوطن العربي وتهدف وفق نظريات التحول الديمقراطية إلى تحقيق هدف الثورة اليمينة في الاتفاق على شكل النظام السياسي القادم وفق أسس ديمقراطية حقيقية.

لقد عقد مؤتمر الحوار الوطني الشامل بمشاركة مختلف الأطراف. وذلك في 18 آذار/ مارس 2013، وساده الكثير من النقاش والشد والجذب بين القوى السياسية المشاركة المختلفة في التوجهات السياسية والأيديولوجية لكنه نجح في النهاية بالوصول إلى ما سمي حينها "وثيقة الحوار الوطني الشامل" في 26 كانون الثاني/ يناير 2014، في حالة نادرة لمشاركة كل القوى السياسية والشعبية والحزبية منها كما قلنا (كما شاركت قوى اجتماعية وسياسية جديدة لم يسبق انخراطها في الحوارات الوطنية السابقة كالشباب، والنساء، وجماعة أنصار الله "الحوثيون"، والسلفيون، والحراك الجنوبي) وبعدها أثيرت التساؤلات حول مدى إمكانية تطبيق هذه المخرجات والتوصيات النهائية بما فيها تلك المتعلقة بالعدالة الانتقالية في اليمن حيث أوصى المؤتمر بإصدار قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وإنشاء هيئة للعدالة الانتقالية، وإجراء إصلاح مؤسسي بما يحول دون انتهاكات حقوق الإنسان، والكشف عن المختفين قسرياً، وإعادة النظر في قانون شغل الوظائف العليا بما يكفل خضوعهم للمساءلة.

لكن في عام 2014، تصاعد النزاع بين القوات الحكومية بقيادة الرئيس هادي والحوثيين وجماعات مسلحة أخرى بسبب ترتيبات تقاسم السلطة ومشروع الدستور. وفي أيلول/سبتمبر 2014، قام الحوثيون والقوات المسلحة المنحازة للرئيس السابق صالح بالاستيلاء على العاصمة صنعاء وأجزاء أخرى من البلد وإحكام السيطرة عليها. 

وفي آذار/مارس 2015، شكلت المملكة العربية السعودية تحالفاً مع الأردن والإمارات العربية المتحدة والبحرين والسنغال والسودان والكويت ومصر والمغرب لبدء عمل عسكري بناء على طلب الرئيس هادي، وقدمت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، من بين دول أخرى، المشورة والدعم للتحالف. وشنت قوات التحالف حملة جوية أدت إلى وقوع خسائر جسيمة في صفوف المدنيين. 

وتبخرت حينها كل توصيات مؤتمر الحوار الوطني وشهدنا فترة جديدة من انتهاكات قوات التحالف العربي بقيادة السعودية بحق المدنيين في اليمن ففي 8 تشرين الأول/أكتوبر 2016، حيث استهدف التحالف الصالة الكبرى في صنعاء خلال مجلس عزاء، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 137 مدنياً من الذكور وإصابة 695 آخرين، من بينهم 24 صبياً.

وبالإضافة إلى الضربات الجوية، فرضت القوات البحرية التابعة للتحالف قيوداً صارمة، وأنفذت في أواخر عام 2017، حصاراً بحكم الواقع على الموانئ اليمنية، مما أعاق الواردات من الإمدادات الضرورية للبلد. وفي آب/أغسطس 2016، أغلق التحالف فعلياً مطار صنعاء الدولي. ولا يزال المطار مغلقاً أمام الطيران التجاري حتى تاريخه.

مع بدء العمليات العسكرية لقوات التحالف العربي بقيادة السعودية دخل اليمن في حالة نزاع مسلح غير دولي

وعقب استمرار التوترات بين الحوثيين وحلفاء صالح، اصطدمت قواتهما في صنعاء في كانون الأول/ديسمبر 2017. وقُتل الرئيس السابق صالح على يد الحوثيين. وفي كانون الثاني/يناير 2018، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أُنشئ في أيار/مايو عام 2017، حالة الطوارئ في عدن، واشتبك مؤيدوه بشدة مع القوات الحكومية. ثم عادت حالة من الهدوء الحذر عقب تدخل التحالف. ولا تزال قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعومة بقوة من الإمارات العربية المتحدة، تسيطر على المدن الرئيسة في جنوب اليمن.

ومنذ آذار/مارس 2017، اعتبر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن اليمن يمثل أكبر أزمة إنسانية في العالم. وفي نيسان/أبريل 2018، ومن بين السكان البالغ عددهم 29.3 مليون نسمة، كان هناك 22.2 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة الإنسانية، من بينهم 11.3 مليون شخص في حاجة ماسة إليها. وتمتد الاحتياجات عبر كل القطاعات، بما في ذلك الصحة، والغذاء، وخدمات الصرف الصحي والمياه، والإسكان، والحماية.

مع سيطرة الحوثيين الكاملة على صنعاء ومع بدء العمليات العسكرية لقوات التحالف العربي بقيادة السعودية دخل اليمن في حالة نزاع مسلح غير دولي.

وفي هذا السياق، انتقلت اليمن إلى مرحلة جديدة من الصراع المسلح شبيه بالذي يحدث في سورية، إن حماية المدنيين يجب أن يكون في مركز اهتماماتنا وبنفس الوقت الذي ندافع فيه عن حق المدنيين السوريين بسبب البراميل المتفجرة التي يسقطها نظام الأسد ضد السوريين، يجب أن يكون موقفنا حازماً من أجل حفظ المدنيين في اليمن وضمان أرواحهم بغض النظر عن طبيعة الأطراف الإقليمية والدولية التي تدخل في الحرب اليوم، ولذلك أعتقد أنه لابد من وقف هذه الحرب العبثية والعودة إلى مخرجات الحوار الوطني والعودة إلى تطبيق توصياته بتأسيس هيئة للعدالة الانتقالية مع التركيز على عنصر المحاسبة على الجرائم المرتكبة بحق المدنيين اليمنيين منذ عام 2011.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم