حمادة الاستراتيجي

(معاك قرش تسوى قرش)، هذا القول المأثور كان خلاصة ما توصل إليه السوريون بعد تجربة البعث الطويلة؛ فتمخضت هذه القناعة؛ ليصبح التقييم مادياً صرفاً، وبذلك تم توجيه المجتمع بشكل ممنهج للانحدار الأخلاقي في سبيل الوصول إلى هذا الاستحقاق الجديد.

في الثورة السورية اختلف وزن الناس، وخصوصاً كل من ركب عربة الثورة بعد انطلاقها؛ ليؤسس لكيان جديد؛ فانبثقت مقولة (مين إلك على الأرض).؟؟

وتعني مقدار جموع المتظاهرين السلميين، أو عناصر الجيش الحر، الذين تتواصل معهم، وتزعم أنك تحركهم من خارج البلاد، ودخل الناس في فضاء مختلط الحقائق، يتحرك فيه المدعون الوصال العضوي مع الثورة بزعمهم امتلاك ناصية القرار في تحريك الثورة، وهذا لا يكلف شيئاً سوى مفردات قليلة أشهرها :( تواصلت مع الشباب بالداخل، وخبرتهم يضربون الحاجز، وبعد شوي رح يبعثون لي الفيديو).

خلال الأشهر الأولى من الثورة كنت أحاول إقناع السوريين، الذين ألتقي بهم أن النظام دموي ومجرم، وأن المقاومة والممانعة كذبة كبيرة، ولكن سدى، لم أستطع إقناعهم بشيء، بل تحولوا إلى شبيحة حاولوا إرهابي بعلاقاتهم مع السفارة وفروع الأمن؛ فتركتهم، واعتزلتهم وما يعبدون، وبقيت وحيداً دون جمهور ومريدين.

في يوم من الأيام كنت أبدل الزيت لسيارتي، وكنت أضع دبوساً على صدري عليه علم الثورة السورية، اقترب مني العامل، وهو يتلفت ذات اليمين وذات الشمال، وقال لي بهدوء مشوب الرعشة: أعرفك على نفسي، أنا حمادة، ومثلك مع الثورة، ممكن نلتقي بشي مكان ونحكي؟؟؟

في يوم من الأيام كنت أبدل الزيت لسيارتي، وكنت أضع دبوساً على صدري عليه علم الثورة السورية، اقترب مني العامل، وهو يتلفت ذات اليمين وذات الشمال، وقال لي بهدوء مشوب الرعشة: أعرفك على نفسي، أنا حمادة، ومثلك مع الثورة

وافقته سريعاً، وتبادلنا أرقام الهاتف، وبدأت بيننا صداقة سرية بعيدة عن الأعين بناء على طلبه، فكنا نخرج إلى أحد الشواطئ، ونجلس بعيداً عن الناس، ونبدأ الحديث عن الثورة، وأقوم أنا بتحليل الواقع السياسي للثورة لحمادة، الذي يستمع إلي بنهم، وعيناه تبرقان بالإعجاب من شحنات التفاؤل؛ التي ترد في ثنايا كلامي، وكان حمادة حريصاً على اللقاء بي مرة كل أسبوع على الأقل، وكنت أنا أحرص منه على استمرار العلاقة؛ لأنه الشخص الوحيد الذي يلتف حولي، ويعتبرني فيلسوف الثورة، في وقت بدأت فيه حالة من الاستقطاب البشع تسود الثورة السورية، فتارة استُخدم المال السياسي، وتارة الترهيب، وتارة الكذب والادعاء، وتشكلت مجاميع تدعي أنها ثورية، ولكن سرعان ما تتفسخ، لأن النوايا الحقيقية بدأت بالظهور، وبدأ أصحاب هذه التشكيلات بالاقتتال على وهْمٍ افترضوه.

في ظل هذا المشهد المختلط كنت ألتقي بحمادة بعيداً عن الأعين، وفي كل مرة تبدأ جلستنا بسؤال من حمادة عن كلمة أو اصطلاح رآه على صفحة فيسبوك، أو سمعه من محلل استراتيجي، من مثل: ما معنى ليبرالية، أو تغير قواعد الاشتباك، أو الجيوسياسي، وهكذا دواليك، وأبدأ أنا بشرح هذه المصطلحات لصديقي حمادة، وهو ينظر إلي بإعجاب، وأنا سعيد بأن لدي من يسمعني ويقبل أن يكون جمهوراً لي.

مرت شهور طوال ونحن على هذه الحالة، وفي يوم موعود بيننا جاءني حمادة وقال: ما معنى كلمة محلل استراتيجي، فشرحت له المصطلح، فقال لي لماذا لا تصبح محللاً استراتيجياً؟!

وفي يوم موعود بيننا جاءني حمادة وقال: ما معنى كلمة محلل استراتيجي، فشرحت له المصطلح، فقال لي لماذا لا تصبح محللاً استراتيجياً؟!

قلت له: الموضوع ليس بهذه البساطة، المحللون الاستراتيجيون عادة مرتبطون بأجهزة المخابرات العالمية؛ التي تزودهم ببعض المعلومات المسربة، وعلى أساسها يتم التحليل، سواء كانت هذه المعلومات صحيحة الحدوث أو كاذبة،
ثم أردف حمادة قائلاً: ماذا يحتاج الإنسان حتى يصبح محللا استراتيجيا؟؟

قلت له: معرفة عميقة بالتاريخ، وبالسياسة، ولغة جيدة، وارتباط بجهاز مخابرات كما قلنا سابقاً.

نظر حمادة إلي، ولمعت عيناه ببريق أول مرة أراه منذ معرفتنا؛ التي دامت لفترة طويلة..... ، ثم نظر إلى البحر، وقال: سيدي ...خير إن شاء الله.

بعد هذه الجلسة انقطعت أخبار حمادة؛ فقد غير رقم الهاتف وحساب الفيس بوك والسكايب، وترك العمل في الورشة؛ التي كان فيها.

وعند سؤالي زملاءه في الورشة، قالوا لي: إنه انتقل إلى مكان آخر واختفى ولا يريد أن يعرف مكانه أحد، وأخذ معه كرتونة ملأها كتباً اشتراها منذ أسبوعين وكلها في السياسة والتاريخ.

أنا لست منزعجا أن حمادة سيصبح محللا استراتيجيا، فالفضائيات مليئة بأشخاص إمكانياتهم المعرفية والثقافية واللغوية، أقل بكثير مما يملك حمادة، ولكنني حزين لأنني بقيت بلا جمهور واستقطاب، ولم يبق عندي شخص يقول لي: كل كلامك رائع

سأنتظر مصادفة أخرى تقود لي مريداً مثل حمادة، أمارس عليه حذلقتي الفكرية واللغوية، وأول عمل قمت به غيرت ورشة تبديل الزيت القديمة، وبدأت أضع الدبوس، الذي عليه علم الثورة في كل مناسبة تبديل زيت ونفخ عجلات السيارة.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم