حلب: مدينة قوافل الدولة العثمانية

كلَّما رَحَّبَتْ بِنا الرَّوْضُ قُلْنا:      حلَبٌ قَصْدُنــا، وأَنْتِ السَّبيلُ

حلب تلك المدينة العريقة التي سار لها المتنبي يحُثُّ راحِلَتَيْه الفقر والأدب، والتي ذكرها لما توفيت أخت سيف الدولة فقال "فكيف لَيْـلُ فَتَى الفِتْيَـانِ في حَلَبِ"، وذكروا أن للمتنبي قصيدة وجدوها في رحله لما قتل، كان من ضمنها قوله "لِأنَّ رَحِيـليِ كانَ عَنْ حَلَبٍ غَدْرَا".

في كتاب "المدينة العثمانية بين الشرق والغرب" قراءة في تاريخ ثلاث مدن عثمانية (إسطنبول – حلب – أزمير)، تحدث عن كل مدينة باحث متخصص في التاريخ العثماني، وكانت حلب من نصيب الباحث بورس ماسترز مؤلف كتاب "عرب الإمبراطورية العثمانية: تاريخ ثقافي واجتماعي".

يصف الكاتب أجواء حلب العثمانية حيث تحيطها الحدائق التي كان يرويها نهر قويق الذي لم يعد له وجود اليوم، ورغم أن خضرتها لم تنافس يوماً غوطة دمشق، إلا أن المدينة تترك في زائرها أثراً لا يمحى بسهولة، فبروس ماسترز يبدأ كتابته باقتباس من "الكسندر روسل" وهو إنجليزي سكن حلب في القرن الثامن عشر، فيصفها بأنها وإن كانت أقل من القاهرة والقسطنيطية في كثافة السكان وعظمة الثروة، إلا أنه يعدد مزايا جمال مناخها، وأناقة أبنيتها الخاصة ونظافة الشوارع.

لعبت الجغرافيا دوراً، ذلك لوقوع حلب على خطوط التجارة العالمية خصوصا طريق الحرير. ولكن على الرغم من حسنات الجغرافيا وعراقة التاريخ، فالمدينة لم تستطع منافسة مدن تجارية أخرى، مثل أنطاكية في مرحلتها الكلاسيكية، ودمشق في معظم العصور الإسلامية.

 تعرضت حلب لخراب في غزو "تيمورلنك" للمدينة عام 1401م، إلا أن المماليك اهتموا بالمدينة، خصوصا مع خفوت المملكة الأرمنية وانهيار مدينتها المرفئية "أياس" مما جعل التجار، الذين كانوا ينقلون البضائع من آسيا إلى أوربا عن طريق أرمينيا، يقومون بتحويل طرق تجارتهم القديمة إلى حلب. وبلغت أهمية حلب أن عين مجلس شيوخ البندقية قنصلاً في المدينة ليتابع أعمال التجارة، وما لبث هذا المنصب أن تحول إلى قنصلية تامة وكاملة عام 1422،

لم يغير العثمانيون طرق الإدارة المتبعة منذ حكم المماليك، ولم تتغير في البداية تبعية حلب الإدارية لمدينة دمشق، بسبب مركزية دمشق السياسية وخروج قوافل الحج من دمشق، والرمزية التي تحملها عاصمة الأمويين.

وذلك بتأثير توفر منتجات يطلبها الأوربيون مثل الزنجبيل والفلفل، مما أكسب المدينة لقب "الهند الصغيرة" وكذلك بسبب توفر الحرير الإيراني والقطن السوري. وأغدق بكاوات المماليك المال على المدينة وبنوا المساجد والمدارس فيها، لكن تحولات الحكم المملوكي واستبداده سرعان ما نفرت مواطني المدينة حتى لقد ابتهجوا بهزيمة المماليك في معركة مرج دابق 1516 بين العثمانيين والمماليك، وسارع وجهاء حلب إثر المعركة بإقامة الاحتفالات والمآدب للجيش العثماني.

لم يغير العثمانيون طرق الإدارة المتبعة منذ حكم المماليك، ولم تتغير في البداية تبعية حلب الإدارية لمدينة دمشق، بسبب مركزية دمشق السياسية وخروج قوافل الحج من دمشق، والرمزية التي تحملها عاصمة الأمويين. لكن حدث تحول في عهد السلطان سليمان بحدوث تمرد عن طريق "جان بردي الغزالي" في دمشق على سلطة العثمانيين. رفض والي حلب المشاركة في هذا العصيان مما سرع بجعل المدينة مستقلة عن سلطة دمشق عام 1534، وقامت الإدارة العثمانية بتعيين حاكم وقاضي قضاة وفك الارتباط بدمشق إداريا.

 كان استيعاب سوريا ثم مصر والعراق ضمن جسم الدولة العثمانية يمثل تحدياً جديداً للدولة. فالعثمانيون يحكمون رعية تدين بمثل دينهم، إلا أنها كانت تختلف عنهم في الإرث الثقافي الذي اتصف بعمقه واعتماده اللغة العربية وسيلة للتواصل. زودت حلب وغيرها من المدن العربية إستانبول بنخبة من الإداريين الناطقين بالتركية، أطلق الحلبيون عليهم "رجال الباب". يرى بعض المؤرخين العرب المعاصرين أن هذه النخبة تشبه النخب الإمبريالية وكيلة الاستعمار، ولا يسعنا الجزم إذا كان الحلبيون قد رأوا هذا الرأي، فرجال الباب استعانوا بموظفين محليين من أهل المدينة، فالقائمقام والمحصل الضريبي والجابي وكذلك الموظفون والقضاة، ينتمون للمدينة، في حين كان منصب قاضي القضاة معينا من إستانبول.

وتأثرت المدينة بالتواجد العثماني وظهر أثر ذلك في الأذواق العثمانية التي طغت على الجوامع السورية، متمثلة بالقبب البيزنطية والمآذن المخططة، واهتم العثمانيون بالتجارة في المدينة وبنى محمد باشا "خان الجمرك" عام 1574، واشتمل قلب المدينة التجاري على ستة وخمسين سوقاً منفصلة وثلاثة وخمسين خانا، ونافست سوق حلب سوق إستانبول.

وازدهرت تجارة المدينة في القرن الخامس عشر والساس عشر الميلاديين، إلا أنه خلال القرن السابع عشر برزت مدينة إزمير ونافست حلب تجارياً، ولم يكن الإيطاليون وحدهم من تنبه لأهمية حلب تجارياً، بل أسس الفرنسيون تمثيلاً قنصلياً بها عام 1557، وسُجلت شركة المشرق الإنجليزية بها عام 1581، لكن المدينة ضعفت جاذبيتها التجارية بسبب افتقارها إلى ميناء. وكان ميناء طرابلس أبعد من أن ينجح في تلبية رغبة التجار الأوروبيين، إذ كان على الدواب أن تسير ثمانية أيام للوصول إلى طرابلس، فضلاً عن وجود قطاع الطرق. وكان الحل هو اعتماد ميناء إسكندرون كمرفأ لتوزيع بضائع حلب، ورغم وجود عيوب في خليج الإسكندرون إلا أنه كان قريباً وعلى بعد ثلاثة أيام أو أربعة  من حلب، فضلا عن تمتع أنطاكية وهضبتها بأماكن يستريح فيها المسافرون ويجدون ملجأ من السلاب والنهاب.

بقي التجار الإنجليز يراقبون ويرصدون أسعار البن والتوابل في حلب خلال القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، إلا أن الحرير الإيراني والسوري بقي السلعة الأساسية التي تمحورت حولها مصالح التجار الإنجليز في أسواق المدينة. ثم كان أن تعرضت تجارة الحرير لهزة عنيفة بسبب توقف شاه عباس عن إرسال الحرير من إيران إلى سوريا بتحريض من شركة الهند الشرقية الإنجليزية، للإضرار بالعثمانيين الذين كانوا على خلاف سياسي معهم. حاول الفرنسيون والبندقيون إقامة صلاتهم مع بلد المنشأ إيران، لكن الأساطيل الإنجليزية والهولندية المدججة بالسلاح حالت دون وصولهم إلى أبعد من مضيق هرمز.

يمكن أن نطلق على القرن السابع عشر والثامن عشر عصر السلام العثماني، والذي نعمت فيه الدولة بالسلام الداخلي، وازدهرت التجارة في حلب، حيث كان التجار يأتون بالبضائع من مختلف أرجاء الدولة العثمانية، فالملابس الكتانية والأرز من مصر، والبن من اليمن، والفواكة المجففة والملابس الحريرية من دمشق، وقماش الموهير من أنقرة، والمنسوجات الصوفية من الموصل وسالونيكي، واشتهرت حلب بزيت الزيتون والصابون، ونظمت المدينة سير القوافل التي تذرع الطرق بين شتى المدن. كانت القافلة الواحدة ربما ضمت ألفين من الجمال. وتنوعت المدينة في سكانها من مسلمين عرب وأتراك عثمانيين وأرمن ويهود وتجار أوروبيين، وعبر عن حال المدينة الرحالة الفرنسي قسطنطين فولني: "يعد سكان هذه المدينة بحق الأكثر تحضرا في كل تركيا، إذ لم يتمتع التجار الأوروبيون بحرية أكثر ولم يلقوا احتراماً أكبر من تلك الحرية وذلك الاحترام اللذين عوملوا بهما في المدينة".

قضى هؤلاء التجار والوسطاء أوقاتهم في حلب، عانوا قليلاً مع أوقات الفراغ وشعروا بالملل، فالشحنات من النبيذ والبيرة ولحم الخنزير قليلة، وقد كتب أحد الوسطاء الإنجليز في رسالة، بعث بها إلى وطنه عام 1725، أنه على الرغم من تقديره العميق لشحنة لحم الخنزير والشاي وعصير التفاح والبيرة التي وصلت أخيراً إلا أنه يفتقد الزبدة والجبن. وأقام التجار جلسات للمسرحيات والقراءة كما جاء في رسالة من أحد التجار عام 1752 يطلب فيها عناوين مثل حكايات بوكاشيو ومسرحيات شكسبير وتاريخ امرأة راقية ومذكرات فتاة هوى.

لقد تتبع بروس ماسترز حياة التجارة والتجار وتطورات الحالة الاقتصادية معتمداً على وثائق الدولة العثمانية، ومحاضر المحاكمات عند حدوث خلافات تجارية، فضلاً عن مذكرات الرحالة وكتابات المؤرخين، وبهذا قدم تاريخاً اقتصادياً مميزاً لحلب.

مراجعة للعهد العثماني

يجدر الإشارة إلى أن هناك عاملاً مؤثراً في قراءة التاريخ العثماني وتاريخ المدن العربية تحت ظل الدولة العثمانية،

النخب السياسية في كل من سوريا والعراق ومصر - كما يوضح ماسترز - ما أرادت يوماً أن تكون على ما كانت عليه الدولة العثمانية، ومن المهم لها أن تكون كل من بغداد ودمشق والقاهرة مدناً لا جدال في انتمائها العربي.

وهي المواقف السياسية الحديثة من هذا العهد. فالبديهي اليوم هو "وجود عالم عربي منفصل عن الدولة العثمانية"، وكل دولة عربية حديثة تتخيل أنها كانت تخوض علاقة توتر جدلي مع الإمبراطورية العثمانية التي سبقتها وأوجدتها. بكلام آخر، فإن النخب السياسية في كل من سوريا والعراق ومصر - كما يوضح ماسترز - ما أرادت يوماً أن تكون على ما كانت عليه الدولة العثمانية، ومن المهم لها أن تكون كل من بغداد ودمشق والقاهرة مدناً لا جدال في انتمائها العربي، ولا بد لهذا من التقليل من أهمية التفاعل مع العثمانيين تماشياً مع نمو الشعور القومي، والميل إلى ترسيخ الاعتقاد بأن كل والٍ عثماني كان جسماً غريباً دخيلاً غرس في الهيكلية العربية الإسلامية.

النقطة الثانية المهمة التي تجدر الإشارة إليها، عند الحديث عن تاريخ مدينة حلب أو غيرها من المدن العثمانية، أنه على الرغم من كون إستانبول عاصمة الإمبراطورية التي ألقت بظلها على البحث الأدبي  والتاريخي، فإن في هذا من الأسطورة أكثر مما فيه من التاريخ. وسواء أكان الأمر من باب الإعجاب أو من باب الإدانة، فإن فلاسفة السياسية من ميكيافللي إلى فيبر، مروراً بكل من مونتسكيو وماركس وانتهاء بفوكوياما في كتابه أصول النظام السياسي، حاولوا تصوير نظام الحكم العثماني بوصفه  النموذج للدولة الاستبدادية بحكامها ومجتمعها الخاضع لسيطرتهم المحكمة، وافترضوا أن نظاماً كهذا رفض إعطاء المدن الأخرى داخل الإمبراطورية أي نوع من الاستقلالية للتمتع بشخصيتها الخاصة. غير أن هذا الوصف يحتاج إلى مراجعة، فواقع الأمر أن ما أنجزه العثمانيون لم يكن سلطة مركزية صارمة، وإنما هم رصفوا جنباً إلى جنب ألوانا من المدن وحكموها بمزيج من القانون الإمبراطوري والأعراف المحلية.

نختم بعبارات من الشاعر نابي شاعر الديوان العثماني في القرن الثامن عشر:

بئس اليوم الذي أرتحل فيه عنك يا حلب

ويرتحل عني إذَّاك البشر والفرح

فللجمال فيك حقاً موطن

وفاضت فيك النفائس حسنا وزخرفة

ورق فيك الماء وطاب الهواء

فكانا والبنيان فيك فتنة للرائي

وكنت يا حلب منزل الإلهام.

ألا يذكرنا هذا بقول البحتري عن حلب

اُمْرُرْ على (حَلَبٍ) ذَاتِ البَساتِينِ       والـمَنْظَرِ السَّهْلِ، والعَيْشِ الأَفَانِينِ

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم