حقيقة إسقاط الطائرة الروسية

كثرة الأحاديث والتحليلات والتأويلات عن سقوط إحدى طائرات المحتل الروسي "إيل 20"منذ يوم الإثنين السابع عشر من أيلول الجاري، والذي شهد بالإضافة لحادثة الطائرة حدثين مهمين، الحدث الأول كان توقيع الاتفاق التركي الروسي حول إدلب، والثاني القصف الإسرائيلي المركز على أحد أهم المنشآت الصناعية الإيرانية في ريف اللاذقية، لكن حادثة سقوط الطائرة أثار ضجة إعلاميه كبيرة، وردود أفعال من مختلف الأطراف، تبادل من خلالها المعنيون بالحادثة الاتهامات عن مسؤولية إسقاط هذه الطائرة المخصصة للاستطلاع والتشويش الإلكتروني، والتي كانت تحمل على متنها طاقمًا من الضباط الفنيين على مستوى عالٍ من المهنية.

 ولمعرفة حقيقة إسقاط الطائرة الروسية من الناحية الفنية والتقنية والتكتيكية، لابدّ من العودة إلى بيانات وتصريحات كل الأطراف وتحليلها، والخروج بفكرة عن الأسباب الحقيقية وراء إسقاط طائرة بهذا الحجم وبهذه الأهمية الاستراتيجية، بداية وبعد زمن قصير من خبر إسقاط الطائرة، وفي  ليلة الإثنين الثلاثاء، أعلنت وزارة الدفاع الروسية، في بيان نقلته وكالات الأنباء الروسية أن: الاتصال قطع بطاقم الطائرة إيل-20 بينما كانت تحلّق فوق البحر الأبيض المتوسط، على بعد 35 كلم من الساحل السوري،

ثمة نظام لمنع الاحتكاك بين الجيشين الإسرائيلي والروسي، تمّ الاتفاق عليه من قبل قادة البلدين، وأثبت فعاليته مرات عديدة في السنوات الأخيرة.

في طريق عودتها إلى قاعدة حميميم الجوية، القاعدة الجوية الرئيسة لموسكو في غرب سورية، وإذا تابعنا ما صدر في البيان الأول للروس، يمكن أن نستنتج أنه الأقرب إلى الحقيقة من بقية البيانات المتضاربة والتي صدرت من كافة الأطراف تباعًا، إذ حمّل فيه مسؤولية إسقاط الطائرة الروسية للإسرائيليين، واتَهمت موسكو الطيارين الإسرائيليين في إسقاط الطائرة، حسب البيان الذي أعلنته وزارة الدفاع الروسية، بسبب الإجراءات غير المسؤولة من قبل إسرائيل! ما أسفر عن مصرع خمسة عشر عسكرياً روسياً، كما أشارت الوزارة إلى أن الطائرات الإسرائيلية، تعمّدت خلق وضع خطير في منطقة اللاذقية! مشيرًا إلى أن أربع طائرات "إف-16"، تابعة للقوات الجوية الإسرائيلية، قصفت أهدافًا بالقرب من اللاذقية، في نفس توقيت إسقاط الطائرة ، وجاء الرد في بيان للجيش الإسرائيلي، الثلاثاء 18 سبتمبر/أيلول 2018 إذ قال البيان: "أغارت مقاتلات الجيش الليلة الماضية، ليل الإثنين الثلاثاء على منشأة للجيش السوري، كان مخططًا لنقل أنظمة لإنتاج أسلحة دقيقة وقاتلة منه إلى إيران وحزب الله في لبنان، وهذا السلاح كان مخصصًا لاستهداف إسرائيل ويعتبر تهديدًا غير محتمل باتجاهها – حسب زعمها-  وأشار البيان إلى " أنّ ثمة نظامًا لمنع الاحتكاك بين الجيشين الإسرائيلي والروسي، تمّ الاتفاق عليه من قبل قادة البلدين، وأثبت فعاليته مرات عديدة في السنوات الأخيرة"! موضحًا: "تم تفعيل هذا النظام الليلة الماضية أيضا"! وتابع: "من التحقيق الأولي للحادث, يتضح أن نيران دفاعات جوية (صواريخ أرض جوS-200) سورية عشوائية وغير دقيقة، أدت لاستهداف الطائرة الروسية وإسقاطها! وعندما أطلق الجيش السوري الصواريخ , كانت مقاتلات سلاح الجو داخل الأجواء الإسرائيلية!

 وحسب فهمنا لم تسعَ وسائط الدفاع الجوي السوري، للتأكد من عدم تواجد طائرات روسية في الأجواء! وختم البيان: "ستنقل إسرائيل إلى الحكومة الروسية جميع المعلومات الضرورية عن الحادث، وللتأكد من الحقائق الواردة في هذا التحقيق"، وفي بيان إسرائيلي آخر قال مصدر في الجيش الإسرائيلي: "إن منظومات الدفاع الجوي السورية، أطلقت أكثر من 20 صاروخاً لصد الهجوم الذي تحطمت خلاله الطائرة "إيل-20" الروسية! وزعمت هيئة البث الإسرائيلية "كان" ظهر الجمعة أن: "أكثر من 20 صاروخاً مضاداً للطائرات أطلقته الدفاعات الجوية السورية في وقت كانت الطائرات الإسرائيلية قد وصلت الداخل الإسرائيلي!"  كما أكد مصدر في الجيش الإسرائيلي أن: "إسرائيل حذرت روسيا من الغارة الجوية على المنشآت في سوريا، قبل أكثر بكثير من دقيقة واحدة من بدايتها"! وحمّل البيان المسؤولية الكاملة عن الحادث إلى نظام بشار الأسد الذي أسقطت دفاعاته الجوية الطائرة الروسية"!  كما ادعت إسرائيل أن "سقوط الطائرة "إيل-20" في سوريا بسبب عدم تشغيل نظام "الصديق — العدو"!  وأضاف البيان: "كما تعتبر إسرائيل أيضا إيران وحزب الله شريكين في المسؤولية عن هذا الحادث المؤسف".

 وجاءت التصريحات الإسرائيلية بعد صمت طويل حملت فيه موسكو تل أبيب بشكل مباشر المسؤولية الكاملة حول الحادث، وقال بيان للوزارة :إن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغوو هاتف نظيره الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، وحذره من أن موسكو قد تبحث في تدابير رداً على سقوط طائرتها، ونقل بيان لوزارة الدفاع عن شويغو قوله: "المسؤولية الكاملة في إسقاط الطائرة الروسية وموت طاقمها تقع على الجانب الإسرائيلي" أما الطرف المعني بإطلاق الصاروخ وإسقاط الطائرة نظام بشار الأسد، لم يصدر عنه أي بيان ولو مقتضب يؤكد أو ينفي إطلاقه لصواريخ أرض جو أثناء الغارة الإسرائيلية !

ومن خلال هذه البيانات والتصريحات، نجد أن الحقيقة الدامغة هي سقوط طائرة استطلاع وكشف إلكتروني روسية في البحر المتوسط، وقتل طاقمها، لكن لا أحد يعرف كيف أسقطت هذه الطائرة، وحسب خبرتنا وتجاربنا السابقة، وما يملكه كل الأطراف من وسائط كشف واستطلاع راداري وإلكتروني وفضائي، لا أحد يعرف من أسقط الطائرة وكيف إلا ثلاث جهات أساسية، إسرائيل وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في المتوسط، وذلك من خلال أجهزة الرصد الفضائي "أقمار صناعية أمريكية وأوربية"، تعمل على مدار الساعة، فوق المنطقة، وأيضا" أجهزة الرصد الجوي الأمريكية وحلفائها المتواجدة على القطع البحرية التابعة للأسطول السادس في عرض المتوسط، والغريب أن الأمريكيين وحلفاءهم، لم يصدروا أي بيان أو تصريح يحدد على من تقع مسؤولية إسقاط الطائرة!، وهذا ما سيؤكد النتيجة التي سنصل إليها عند تحليل ما حدث فنيًا وتقنيًا وتكتيكيًا، ولهذا لابد من إعطاء فكرة عن منظومات الصواريخ م/ط وآلية تعاملها مع الأهداف الجوية، ولهذا يجب أن نعرف أن أصغر قطعة في منظومات الدفاع الجوي السورية بعيدة ومتوسطة المدى هو كتيبة والكتيبة تتألف من:

  • محطة إطلاق الصواريخ: المؤلفة من كبين القيادة وهو المسؤول عن قيادة الأعمال القتالية في الكتيبة، وبالتالي كشف والتقاط وملاحقة الهدف وإطلاق الصاروخ باتجاه الهدف حتى إصابته، وكبين الهوائيات وهو المسؤول عن اكتشاف الهدف وإرسال واستقبال الأوامر اللاسلكية من المحطة إلى الصاروخ بعد إطلاقه
  • قواعد الإطلاق: وهي التي تحمل الصواريخ حتى لحظة إطلاقها  
  • محطة استطلاع جوي وهي مسؤولة عن كشف الأهداف على مسافات وارتفاعات أكبر بكثير من محطة توجيه الصواريخ وهي بمثابة الإنذار المبكر والتي تعطي كبين القيادة إحداثيات الأهداف الجوية المكتشفة.

هذه الكتيبة تكون مرتبطة عبر وسائط الاتصال بمقر قيادة نيران اللواء، وهذا بدوره مرتبط بمقر قيادة نيران الفرقة، وهو يرتبط أيضًا بالمقر الموحد الجنوبي أو الشمالي، والذي بدوره يرتبط أيضًا بمقر القيادة المركزي م1، ومنه تأتي الأوامر بالتسلسل للتصدي للطيران أي إطلاق الصاروخ على الطائرة المعادية.

أما تحليل المعلومات التي أحاطت بالحادثة، سنفنده عبر ما جاء في البيانات والتصريحات التي صدرت عن الطرفين الروسي والإسرائيلي من الناحية التقنية الفنية والتكتيكية، فالتصريح الأول صدر عن الجانب الروسي، واتهم فيه إسرائيل بإسقاط الطائرة، بسبب الإجراءات غير المسؤولة من قبل طياريها، الذين تعمدوا خلق وضع خطير في منطقة اللاذقية، مستفيدين من الطائرة الروسية بصفتها غطاء لهم، وبذلك أصبحت هذه الطائرة هدفاً لوسائل الدفاع الجوي السوري، التي أسقطتها بصاروخ الدفاع الجوي من طراز إس-200 "، وهذا التبرير من قبل الروس غير صحيح بالمطلق، لأن محطة الصواريخ لا تطلق النار على أي هدف دون التقاطه وملاحقته من قبل طاقم المحطة , ولا يمكن نقل الرمي إلى هدف آخر أو ملاحقة هدف آخر والرمي عليه، إلا بعد إجراءات محددة، تستغرق على الأقل دقيقه ونصف وفي خطأ آخر ووفق نفس التصريح قال الروس: إنّ نظام لمنع الاحتكاك بين الجيشين الإسرائيلي والروسي، تم الاتفاق عليه من قبل قادة البلدين وأثبت فعاليته مرات عديدة في السنوات الأخيرة!  موضحا: " لقد تمّ تفعيل هذا النظام الليلة الماضية أيضًا!.

 وفي التحليل: حتى وإن لم يتم تفعيله فالمنطقة مرصودة بالكثير من الرادارات ووسائط السطع لمختلف الأطراف، ومن يعمل على وسائط السطع الإسرائيلية بالتحديد يعرف ماذا يوجد في سماء المنطقة قبل إقلاع الطائرات في أي مهمة فكيف إن كانت مهمة في مناطق عمل قوات صديقه أو معادية؟!  حتى إن محطات الاستطلاع الروسية في المنطقة، لا بد أنها تتابع وترصد طائرتها المكلفة في مهمة في سماء المنطقة، والتي شارفت على الانتهاء حسب التصريحات الروسية نفسها؟! وأيضا ترصد كل طارئ وجديد فكيف

أكثر من 20 صاروخاً مضاداً للطائرات أطلقته الدفاعات الجوية السورية في وقت كانت الطائرات الإسرائيلية قد وصلت الداخل الإسرائيلي.

لم ترصد إقلاع الطائرات الإسرائيلية وتنفيذها للمهمة، خاصة أن التصريحات الإسرائيلية والروسية نفسها تؤكد أن إسقاط الطائرة تم بعد انتهاء الطائرات الإسرائيلية من مهمتها وهي في طريق عودتها؟  

وفي تحليل بسيط لتصريح آخر لمصدر في الجيش الإسرائيلي أن أكثر من 20 صاروخاً مضاداً للطائرات أطلقته الدفاعات الجوية السورية في وقت كانت الطائرات الإسرائيلية قد وصلت الداخل الإسرائيلي! فكيف يتم إطلاق صواريخ ؟! وعلى ماذا؟!  طالما أنه لا يوجد في المنطقة أي هدف إلا الطائرة الروسية ! فكيف تم إطلاق 20 صاروخ دفاع جوي سوري؟ إذا عرفنا أن إطلاق أي صاروخ يحتاج إلى هدف لالتقاطه وملاحقته وبالتالي الإطلاق عليه خاصة إذا عرفنا أن عدد الطائرات في أجواء المنطقة مع فرضية وجود الطيران الإسرائيلي مع الطائرة الروسية هو خمس طائرات، وعلى أبعد تقدير يمكن إطلاق عشرة صواريخ S200   بمعدل رشقه بصاروخين على كل هدف، وهذا أيضًا غير ممكن لأن عدد محطات إطلاق هذا النوع من الصواريخ في فوج الدفاع الجوي الموجود في المنطقة هو محطتين فقط؟! أيضا من الذرائع التي أطلقها الإسرائيليون أن من أطلق الصارخ على الطائرة الروسية، لم يستعمل مفتاح صديق عدو لتمييز الهدف، وهذا غير صحيح بالمطلق فمحطة إطلاق الصواريخ لا تعمل وحدها في كشف الهدف، بل هناك العديد من محطات الاستطلاع , تعطي إحداثيات الهدف لمحطة إطلاق الصواريخ قبل إعطاء أمر التدمير، عبر سلسلة من الإجراءات وجميع هذه المحطات تتأكد قبل أن تعطي إحداثيات أي هدف لمحطة إطلاق الصواريخ أن إشارة الهدف على الشاشات صديق أو معادٍ ومن غير المعقول أن جميع هذه المحطات التي يقدر عددها على أقل تقدير 10 محطات لم تشغل مفتاح التأكد من الهدف صديق أو معادٍ.

وأمر آخر يجب معرفته أنه على شاشة ضابط توجيه وإطلاق الصاروخ يظهر إشارة الهدف المقاتل أصغر من إشارة الهدف التجاري أو ما يشبهه من طائرات استطلاع جوي وغيره، كما هو حجم الطائرة المسقطة وهذا يدحض ما تذرعت به إسرائيل.

من هذا كله نستنتج أن أغلب التصريحات التي أطلقها طرفا النزاع تظليليه ولا تتحدث عن حقيقة إسقاط الطائرة وملابساتها لسبب ما قد يكون عدم إثارة الرأي العام في كلا البلدين ونزولاً عند سياسة احتواء المشاكل الطارئة، لتحقيق هدف استراتيجي يسعى إليه الطرفان وبمباركة دول مشاركة في تحقيق هذا الهدف وهذا ما دعا أمريكا وحلفاءها للصمت حيال هذه الحادثة وعدم التصريح بأي شيء يتعلق بها على الرغم من وجود معلومات مؤكدة عند هؤلاء عن كيفية إسقاط الطائرة ومن أسقطها وسبب إسقاطها والذي من المؤكد أن طرفًا أو أكثر له مصلحه في تلك الحادثة وبهذا التوقيت بالتحديد أي بعد الاتفاق الذي عقدته في نفس يوم الحادثة روسيا مع تركيا حول إدلب والذي تم استبعاد إيران منه ما دفع إيران لإعطاء تعليمات لأتباعها من الضباط القادة في جيش الأسد كي يعطوا أمرًا بإسقاط الطائرة الروسية أما الاحتمال الثاني وهو إسقاط الطائرة بواسطة الطائرات الإسرائيلية لنفس السبب الإيراني لأن الدولتين تريدان أن يتم اجتياح إدلب في أقرب وقت إمعانًا في قتل أكبر عدد من الشعب السوري تحقيقًا لطموحات خاصة بكل طرف ولتثبيت حكم بشار الأسد وبسط سيطرته على آخر معاقل الثورة السورية.

شارك برأيك

أشهر الوسوم