حريق محطة القاهرة قضاؤنا وقدرنا

في السنوات الأخيرة لعهد محمد حسني مبارك، تعرضت مصر لسلسلة من الحوادث المميتة، أودت كل واحدة منها إلى مقتل العشرات، كاصطدام القطارات وغرق العبارات وانهيار العمارات، عدا عن بعض العمليات الإرهابية التي استهدفت الأجانب السياح والمواطنين، على نحو ارتسم فيه انطباع أن الدولة المصرية مصابة بترهل خطير، وأن إداراتها تواجه الفشل وسوء التدبير، وأن الفساد وصل إلى مستويات تستخف بحياة الناس.

وإذا كانت أخبار مصر العلنية والشائعة، حينذاك، قد أوحت أن هذا يحدث في مصر وحدها، إلا أن معظم الدول العربية الأخرى، رغم كتمان أخبارها أو خفوتها، كانت أيضاً تشهد حوادث مماثلة أو أسوأ، بما يدل على تفاقم "الخراب" وانحطاط الأحوال فيها.

وترتب على مشاهد الحياة العربية، المصطبغة بالبؤس والفساد، ارتفاع منسوب النقمة والاحتجاج، واتساع الفجوة بين النخبة والعامة إلى أن صارت هوة من الصعب ردمها. ومن يتذكر السنوات السابقة لاندلاع الثورات العربية، يستعيد حالاً غرائبية. إذ، شهدت تلك الدول فائضاً متزايداً من مظاهر الثراء والمشاريع الاستثمارية وإقبالاً واسعاً على الحياة الاستهلاكية المترفة، ونشأت طبقة من الأثرياء الجدد كانت تسيطر على الصورة العامة والفضاء العمومي وتشيع قيمها وذوقها وفنها (والصفات الأخيرة هي بحقيقتها: انعدام القيم، قلّة الذوق، وانحطاط الفن). وإذا كان هذا كله وعداً بالبحبوحة والازدهار، من وجه، فإنه كان أيضاً استفزازاً ونهباً وفساداً وفجوراً وإفقاراً، من وجه آخر.

على هذا النحو، قام مجتمعان في كل دولة عربية، مجتمع السلطة وحواشيها وبطانتها، ومجتمع عمومي يسمى "الشعب". والخاصية العربية هنا تتبدى في الانفصال أو ضعف الروابط وتناقض "المصلحة" بين المجتمعين

على هذا النحو، قام مجتمعان في كل دولة عربية، مجتمع السلطة وحواشيها وبطانتها، ومجتمع عمومي يسمى "الشعب". والخاصية العربية هنا تتبدى في الانفصال أو ضعف الروابط وتناقض "المصلحة" بين المجتمعين. وهذا بالضبط، ما أحال الإدارة العامة (خدمة الشعب) إلى موضع إهمال ولا اكتراث من قبل طبقة السلطة ورجالاتها، الذين بطبيعة الحال هم الأقل حاجة للعبّارة والقطار وللعمارات العشوائية وشققها الرخيصة.. عدا عن قيامهم بأمنهم الخاص وغذائهم الخاص وهوائهم الخاص..إلخ.

كان ثمة حياتان تجريان في كل بلد، وتفترقان بتباعد مستمر إلى أن حلت شبه القطيعة وانتصبت العداوة بينهما، على نحو انفجاري في ربيع 2011.

وإذا كانت مصر قد عانت من نتائج فساد الاقتصاد وفساد السياسة وفساد الإدارة، فإن ليبيا وسوريا مثالاً لا حصراً، بالإضافة إلى كل هذه المفاسد، عانتا من قسوة الاستبداد، أي من حرمان فادح في الحريات، ومن مذلة إضافية هي الخوف، الذي يجرد المواطن من كرامته، إلى حد حرمانه من حصانة جسده، من حقه الطبيعي بالحياة.

كان البؤس الاقتصادي والمادي مقترناً بالبؤس الروحي والمعنوي. وهذا ما تجلى في الإقبال اليائس على تعبئة دينية، بنسخة متجهمة وحاقدة وطافحة بالنقمة على النفس وعلى العالم، ومستعدة لتفجير جسدها بسهولة انتحارية مروعة.

إن اضطرابات السودان وتظاهرات الجزائر دليل على أن الأنظمة العربية بالمجمل لم تجد جواباً نافياً للثورة

وإذ انتهت الثورات العربية إلى حروبها وانقلاباتها وهزائمها، وإلى مآلات عدمية أحياناً، إلا أن أسبابها ودوافعها لم تنتفِ بعد، وهي بالتأكيد باقية ومتوسعة. إن اضطرابات السودان وتظاهرات الجزائر دليل على أن الأنظمة العربية بالمجمل لم تجد جواباً نافياً للثورة أو التمرد أو حتى الاحتجاج المطلبي والإصلاحي المتواضع.

كان بالإمكان التعامل مع حادثة محطة القطار في القاهرة على أنها "حادثة مؤسفة" تقع في أي مكان وفي أي وقت، لولا صدى الذاكرة، التي تأخذ الحادثة إلى سياق متصل (سياسي وأمني) بتاريخ الحوادث والكوارث التي أصابت مرافق خدماتية وعمومية، دلت على فساد مستشر إلى حد الجريمة وعلى إهمال فادح ومتواصل إلى حد وصمه كل أداء الدولة وأجهزتها.

فلا يتردد "المواطن" في النظر إلى ما أصاب محطة القاهرة كعلامة على سوء "النظام" وفساده وظلمه. والحال، أن الدولة المصرية الواعية لهذا، تحسست واستشعرت خطورة الحادثة بمعناها السياسي، ولجأت كالعادة إلى حملة إعلامية شديدة التسييس، سرعان ما أتت بنتيجة عكسية: أي أكدت الظنون والمشاعر أن احتراق محطة بروادها العابرين وبركاب القطار، هو ليس قضاءً وقدراً، بل جريمة إهمال وفساد وفشل، تطال أوجه الحياة كلها وتهدد أرواح ملايين المواطنين في كل حين.

لا ينجو نظام القطارات من الحوادث في أي دولة، لكن عندما تترادف حوادثه مع ترهل النظام الصحي والاستشفائي، وضعف متفاقم في البنى التحتية، وتراجع ملحوظ في الأداء الاقتصادي، وتزايد السياسات القمعية والبوليسية، كما تتزامن مع "حفلة" إعدامات جماعية وصادمة، ومحاكمات لا تنتهي بالغة التسييس، وضمور الحريات الإعلامية.. فهذا كله يتكثف مشهدياً في مأساة المحطة القاهرية. وهذا هو مصدر الشعور بالإهانة.

كما تتزامن مع "حفلة" إعدامات جماعية وصادمة، ومحاكمات لا تنتهي بالغة التسييس، وضمور الحريات الإعلامية.. فهذا كله يتكثف مشهدياً في مأساة المحطة القاهرية

والحال، أن الإهانة تترسخ أيضاً مع السجال الذي تشهده مصر حول التعديل الدستوري الذي سيبيح للرئيس عبد الفتاح السيسي تجديد رئاسته أو ربما تأبيدها. ونجد مثيلاً لهذا السجال على نحو أكثر فظاظة في الجزائر. سجال صار الآن في الميادين والساحات والشوارع، حول ترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لرئاسة خامسة. وإذا كانت الأمور محسومة في مصر لصالح السيسي، فربما قد لا تحسم في الجزائر. فحتى كتابة هذه السطور، لم تقرر "المجموعة" العسكرية الحاكمة في الجزائر كيف ستواجه الاحتجاجات، أو إن كان بوتفليقة نفسه سيبقى على قيد الحياة لشهرين مقبلين، موعد الانتخابات!

وتخبرنا سجالات الرئاسات المصرية والجزائرية، كما تعلمنا أخبار الرئاسة السودانية و"طوارئها" العسكرية، أن استعصاء التلاقي بين مجتمع النخبة ومجتمع العامة ما زال مستحكماً. وهو في أماكن أخرى تحول حرباً كما في سوريا واليمن وليبيا. وهذا من أولى تداعيات فشل الثورات أو نحرها. وما سيأتي قد يكون أكثر وخامة ومأساوية.

إن قطار "التحديث" طوال أكثر من قرن، وتأسيس الدولة الوطنية الحديثة، ثم بناء الكيان السياسي مع الاستقلال، وتاريخ مساره الوعر ومحطاته الاضطرارية، كأنه اليوم وصل إلى نهاية خطه.. إلى الاصطدام العنيف والحارق، إلى محطة الموت.

شارك برأيك

أشهر الوسوم