جيل بلا جنسية

2019.01.04 | 22:01 دمشق

+A
حجم الخط
-A

إحدى تعاريف الجنسية تقول؛ إنها علاقة قانونية بين الفرد والدولة، وترتب الجنسية بعض الالتزامات على الدولة في مواجهة الفرد المتجنس بجنسية الدولة، تكون في صورة حقوق سياسية ومدنية، كما ترتب على الفرد التزامات تتمثل بواجبات قانونية، مثل دفع الضرائب والتجنيد العسكري.

يبدو أننا، نحن اللاجئين السوريين المتناثرين في دول العالم، سنكون، بموجب هذا التعريف، أمام غموض ما بعده غموض، وخصوصاً أبناء الجيل الجديد، أعني أولئك الأطفال الذين ولدوا خارج سوريا بعد قيام الثورة السورية 2011، إثر نزوح أهاليهم إلى بلادٍ أخرى قريبة وبعيدة.

هذا الطفل الذي أبصر النور بعيداً عن أرضه وأرض الآباء، وخارج سياق عاداته الاجتماعية، وربما خارج لغته الأم، كيف يمكن تخيل أحواله بعد عقدين من الزمن؟ إن الإجابة على هذا السؤال طبعاً ليست سهلة، وهي مرتبطة أصلاً بقدرة هذا الجيل مستقبلاً على الاندماج في البلاد التي لجأ إليها أهاليهم، وتعلم لغتها، وهضم عاداتها وتقاليدها، ومحاكاة شخصيتها.

ثمة أزمة هوية لا أعتقد أنها سوف تكون عابرة تنتظر هذا الجيل الجديد، وقد تنعكس سلباً أو إيجاباً على شخصية هذا الفرد أو ذاك، وقد تكون الأزمة بحد ذاتها فرصة للانطلاق بالشخصية نحو عالم واسع متنوع وغني يمتلك آليات متعددة للتفكير، ويساهم في إبداع صاحبها وتميزه، وقد يكون العكس تماماً، فمن الوارد أن تسبب هذه الأزمة القادمة على صعيد الهوية انعكاسات سلبية تنسف شخصية صاحبها وتأخذه في دروب وعرة وتسبب له معاناة كبيرة.

ثمة أزمة هوية لا أعتقد أنها سوف تكون عابرة تنتظر هذا الجيل الجديد، وقد تنعكس سلباً أو إيجاباً على شخصية هذا الفرد أو ذاك

كل ما سبق يمكن أن يحصل للطفل الذي ولد خارج سوريا وحصل على جنسية البلد الذي ولد فيه، لكن، ماذا عن المواليد السوريين في بلدان أخرى الذين لم يحصلوا على جنسيتها؟ أعتقد أننا سوف نكون في هذه الحالة أمام قنبلة موقوتة قد تنفجر في أية لحظة مستقبلاً، كارثة مستقبلية سوف تحدث إذا لم يتم حلها خلال الحاضر، ومشكلة اجتماعية سوف تتبلور مع الوقت، بما يشبه ــــ تقريباً ـــ مشكلة "البِدُون" في دولة الكويت.

في لبنان وخلال سنوات الحرب السورية، ولد 50 ألف طفل لأبوين سوريين، ولم يتم تسجيلهم رسمياً، وطبعاً الدولة اللبنانية عاجزة عن تجنيسهم لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية خاصة بلبنان، أما في تركيا فبلغ عدد الأطفال الذين ولدوا لأبوين سوريين أكثر من 385 ألف طفل. وهذا الرقم الكبير يشكل تحدياً كبيراً أمام الحكومة التركية التي تحاول قدر المستطاع التعامل بمرونة مع قضايا السوريين على أراضيها.

تدل تصريحات بعض أعضاء الحكومة التركية على وجود نية لتجنيس عدد من المواليد السوريين، على الرغم من تجنيس بعض المواليد لا يعتبر حلاً نهائياً لهذه المشكلة، كما أن تجنيس البعض لن يتم بسهولة، إذ أن المعارضة التركية التي لها ثقل جيد في الشارع التركي تقف موقفاً سلبياً حازماً أمام مشاريع دمج السوريين في الحياة التركية، ولا يمكن للحكومة التركية تجاهل المعارضة، وغالباً ما تحاول استيعابها واستيعاب مخاوفها المفترضة، في الوقت ذاته تتخذ هذه المعارضة من السوريين مشجباً، لتعلق عليه جزءاً جيداً من مشكلات الداخل التركي، تلك المشكلات التي قد لا يكون للسوريين علاقة بمعظمها.

وجود مواليد جدد من السوريين في لبنان أو تركيا أو أي بلادٍ أخرى، دون جنسية ودون أوراق رسمية، قد يهددهم في المستقبل القريب ويضعهم تحت خطر تجار البشر

وجود مواليد جدد من السوريين في لبنان أو تركيا أو أي بلادٍ أخرى، دون جنسية ودون أوراق رسمية، قد يهددهم في المستقبل القريب ويضعهم تحت خطر تجار البشر، الذين ينشطون عادة في أوقات الحروب، وتزدهر مهنتهم السيئة بين اللاجئين والنازحين خلال الكوارث.

هذا يعني أننا أمام جيل كامل من السوريين المشردين في العالم بلا جنسية، ثمّة آثار نفسية واجتماعية سلبية سوف يعانون منها قريباً، وسوف تعاني منهم البلاد التي ولدوا فيها، إذا لم يتم حل هذه المسألة باكراً.

حكومة النظام السوري ليس لديها- بالطبع- أي نية في متابعة هذه المشكلة للسوريين النازحين، ويبدو أنه ليس هناك إرادة دولية بالضغط على النظام لحل مثل هذه المشكلات التي بدأ يعاني منها السوريون في بلدان نزوحهم.

للأسف، لا حلول نهائية حالياً أمام السوريين ومواليدهم في لبنان وتركيا، على المدى القصير والبعيد، ويبدو أن مشكلاتهم سوف تبقى معلقة على أمل أن يحلها: الزمن.