جنودٌ مقيَّدون

النظام يقيد بالسلاسل مجموعة من الشبان المطلوبين للخدمة في صفوفه بدمشق (إنترنت)

الصورة التي انتشرت مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعي، وتُظهر شباناً مقيدين بالسلاسل، لا لكونهم مجرمين، وإنما لضمّهم إلى "حماة الديار"، قادتني إلى استرجاع مشهد سينمائي قديم، من فيلم "عمر المختار" الشهير (1981)، ربما يكون قد حدث واقعياً، ويا لهول المفارقة بين المشهدين، فبينما يُقتاد الشباب بالسلاسل في دمشق، لجرّهم جرّاً إلى "واجب السلاح"، يؤثر رفيق درب عمر المختار "أبو فضيل" (الفضيل بن عمر)، وبعض رفاقه من مجاهدي ليبيا ضد الاستعمار الإيطالي، تقييد أرجلهم في إحدى المعارك، لإرغام أنفسهم على الثبات، في انحياز نهائي لحالة الفداء، فداء الأرض والمبدأ والحرية. 

أما عن الجنود المحتملين المُساقين إلى حتوفهم أو مقابر ذلّهم، بالسلاسل، فقد تعددت الآراء وتباينت، بين لائم ومُتَّهِم ومشفق.. فذهب البعض إلى الشماتة بهم كونهم آثروا الاستسلام والركون إلى الأمن المزعوم في مناطق سيطرة نظام الأسد، وهو المعروف بأنه لا يرعى عهداً ولا ذمة، وقال آخرون إن هذا الذل يليق بمن صالح وصافح.. أما الانتقاد الذي استدعى كثيراً من الجدل؛ فقد صدر عن العضو الدائم في وفد أستانا المعارض، الرائد ياسر عبد الرحيم، الذي شبَّه هؤلاء الشبان بـ"البهائم" التي تُساق لحماية عرش الأسد، فرد معلِّقون بأن هؤلاء ربما كانوا مغلوبين على أمرهم أو على الأقل غير ضالعين في "صفقة" مشبوهة لبيع البلاد، في إشارة إلى مسار أستانا وما ترتب عليه من هزائم سياسية وعسكرية، ولا أدلَّ على كارثيته من إصرار روسيا وإيران عليه بديلاً من مسار جنيف الأممي. 

وبعيداً عن كل ما قيل، أجد أن المقاربة الأَولى يجب أن تركز على سلوك النظام أولاً وأخيراً، فهو يضع مقدمات الجريمة ويوفّر أدواتها وهو الذي يرسم الخاتمة؛ وليس حسن الختام. 

"الجيش السوري" الذي يقاتل السوريين منذ ثمانية أعوام، لا يمكن أن يحشد عنصراً واحداً بدافع وطني

"الجيش السوري" الذي يقاتل السوريين منذ ثمانية أعوام، لا يمكن أن يحشد عنصراً واحداً بدافع وطني، ولذلك لجأ إلى تطييف المسألة منذ أيامها الأولى، ليحشد طائفة دينية ضد أخرى، في حرب ما أرادتها الثورة السورية ولا سعت إليها، كما اعتمد النظام على فئة "الآمنين"، أولئك الذين يؤثرون السلامة على الكرامة والحق والحرية وكل معنى سامٍ، ويمكن إدراج من يعتقلهم النظام الآن في مدن وبلدات "المصالحات" تحت هذا العنوان، إلا أن ثقتهم خذلتهم، فما حصَّلوا الأمان ولا فازوا بالحرية، وهم ليسوا بدعاً من البشر قديماً أو حديثاً، فالرئيس الأمريكي بنيامين فرانكلين؛ قال منذ أكثر من قرنين: "من يضحي بالحرية من أجل الأمن، لا يستحق أياً منهما".  

ولعلَّ هذه المعادلة "الحرية/الأمن" تقود الصراع الآن في المنطقة برمّتها، فتلوّح الحكومات والأنظمة العربية بـ"نعمة الأمن" في مواجهة أي نزوع لشكل من أشكال الحريات أو المطلبيات حتى.. وعلى هذه النغمة يطبّل إعلاميو ومثقفو ومشايخ السلطات، مذكّرين بنعمة الأمن وجاعليها فوق "هرطقات" الحريات والكرامات والحقوق الإنسانية..

ولكي تأمن وتسلم، لا يكفي ألا تكون معارضاً، ولا تُنجيك فضيلة الصمت أيضاً، بل يجب أن تكون مسماراً داعماً لعجلة الظلم التي تدهسك وتعجن لحم أطفالك، وتسير على أشلائكم وصولاً إلى موتكم فداء لحياة الحاكم/ الوطن. 

وكما لعن "الآمنون" العرب ثورة السوريين واتهموهم بتخريب بيوتهم، فإنهم اليوم يلعنون "الديمقراطية" الفرنسية، معتقدين أن ثورة السترات الصفراء ستودي بحضارة باريس ونورها، وهم -في الوقت نفسه- يستهلكون في رفاهيتهم سيارات فرنسا، ويقاتلون أعداءهم بأسلحة فرنسا، ويدرسون نظريات علماء فرنسا.. وكذلك يفعل نظام الأسد المتداعي، الذي يقود الشبان بالسلاسل لقتل إخوتهم السوريين، ولا ينسى في الوقت نفسه انتقاد تفريق مظاهرات فرنسا بالقنابل الصوتية ومسيلات الدموع!!. 

شارك برأيك

أشهر الوسوم