جليد أستانا: "إنجازات" اضطرارية وإخفاقات متعمدة

قلة أولئك المغرَمون بـ "أستانا"؛ وما كان كثيرون يتطلعون إلى نتائج خارقة أو إنجازات كبيرة منها بخصوص القضية السورية؛ على العكس تماماً، كُثُرٌ أولئك الذين لم يروا في أستانا إلاّ مساراً ابتدعه الروس لاغتيال مسار جنيف، وزهق الحق السوري. الأتراك مشكورون- تعهدوا بضمان الفصائل- يذهبون إليها اضطرارا للحد من الخسائر ولكبح جماح وغلواء الروس في استباحة هذا الحق. ولم يكف الروس كل ذلك، بل زادوا في الطنبور نغماً بإقحامهم إيران كراعٍ في أستانا.

أستانا اقتطاع خبيث من القرارات الدولية الداعية في أول وأهم بنودها إلى {وقف لإطلاق النار في سوريا}. بعد /اتفاق أنقرة/ حيث كانت تركيا ضامنا لفصائل الجيش الحر، وروسيا ضامنا للنظام؛ وبعد تحوٌل فكرة "وقف إطلاق النار" إلى ما اصطُلِحَ على تسميته بـ "مناطق خفض تصعيد"، وبعد إدخال إيران كضامن ثالث، وبعد تَدبُر روسيا وإيران ابتلاع النظام لتلك المناطق واحدة بعد الأخرى؛ حَضَرَت إدلب بكل ثقلها والثقل التركي كمنطقة خفض تصعيد رابعة. استمات الإيرانيون كي لا يتم اتفاق في إدلب. توعدوا أن ينسفوا

إيران وافقت مضطرة بسبب عزلتها، ورغبة الجميع باقتلاعها من سوريا. وروسيا- أيضاَ- لا خيار آخر أمامها؛ فإن هي أخلّت في ذلك الاتفاق، فمعناه خسارة تركيا- الأمر الذي يصعب احتماله

أي اتفاق يتم بخصوصها. وفعلاً لم يتم في أستانا إلا تلصيقاً ورفع عتب، بل تم في "سوتشي" وفقط بين الجانب الروسي والجانب التركي في السابع عشر من أيلول الماضي، ودون حضور الضامن الثالث- إيران. لقد أتت "أستانا" 11 لتثبيت هذا الاتفاق - وبحضور العابث الإيراني. تأتي بعد أن قِيل إن أستانا استنفدت أغراضها.

إن نظرة سريعة إلى البيان الختامي لـ /أستانا 11/ توحي بأن نتائجه كانت مزيجاً من الإنجازات الاضطرارية والاخفاقات المتعمدة؛ وكل ذلك كان مُخرَجاً بعناية فائقة. كان الإنجاز الاضطراري الأهم تثبيت وقف إطلاق النار في منطقة إدلب، والتمني أن يتحول ذلك إلى سلام دائم” lasting peace”. هنا إيران وافقت مضطرة بسبب عزلتها، ورغبة الجميع باقتلاعها من سوريا. وروسيا- أيضاَ- لا خيار آخر أمامها؛ فإن هي أخلّت في ذلك الاتفاق، فمعناه خسارة تركيا- الأمر الذي يصعب احتماله.

في الإنجازات الاضطرارية كان استخدام عبارة "جهات انفصالية" التي تأتي أستانا على ذكرها لأول مرة. وهذا الأمر يرضي تركيا جداً ويتجاوب مع مخاوفها؛ ولكنه في الوقت ذاته يحرم النظام وإيران وحتى روسيا من ورقة طالما تلاعبوا وهددوا بها على الدوام. والملفت الاضطراري الثالث كان إدراج بند يتعلق باستخدام السلاح الكيماوي؛ ولكن لم يكن الوقت كافياً (مسرحية غاز حلب)، ولا كانت المسرحية ناضجة أو قابلة للتصديق أو ذات قيمة كي تتم الاستفادة منها أكثر.

كان الأسوأ في أستانا 11 تحويل أمور أساسية /القضايا الإنسانية/- وعلى رأسها قضية المعتقلين، والتي وُجِدَت أستانا أصلاً من أجلها- إلى أمور مكرورة وبلا قيمة. ويبدو –بفعل وإصرار نظام الاستبداد بدمشق، وأزمته الحقيقية تجاه هذا الموضوع- أن هناك نيّة متعمدة إلى جعل هذا الملف بلا قيمة عبر ذكره المتكرر في بيانات أستانا، ولكن دون أي قيمة جوهرية أو إنجاز يُذكَر على الأرض، ليصبح كتكرار مشاهدة العنف بحيث تتبلد المشاعر والأحاسيس؛ ولا يعود للموضوع المطروح أي قيمة تذكر، أو أي استرعاء لأي اهتمام حقيقي.

الإضافة الجديدة في هذه الأستانا؛ والتي لا تقع في حقل الإنجازات الاضطرارية، ولا الإخفاقات المتعمدة، بل في حقل التكتيكات الروسية الركيكة وربما الخبيثة، والتي تتحدث عن "إعادة اللاجئين" السوريين، و"إعادة الإعمار"، ورفع- ما سمّاه البيان الختامي لأستانا- الحصار عن سوريا. ربما يندرج هذا البند في الأمور الإنسانية التي وُجِدَت أستانا أساساً من أجلها؛ وهذا هام جداً؛ ولكن كيف لِمَن لم يطبق أياً من البنود الإنسانية التي تكفلت بها أستانا أن يذكر أموراً إنسانية جديدة هو ذاته المتسبب

فَشِلَ أستانا 11 في إنجاز اللجنة الدستورية، وخاصة أن "اللجنة الدستورية" منجز روسي بامتياز وحصرية؛ وهي ذاتها وليدة /مؤتمر سوتشي/ شقيق أستانا بالرضاعة

في تحويلها إلى ملفات كارثية؟! فمَن اقتلع وهجَر تلك الملايين إلا "السوخوي والميغ"؟ ومن دمر نصف سوريا إلا "السوخوي والميغ"؟! ومن استجلب الحصار إلا إجرام النظام؟! حرياً بهذا البند الروسي أن يكون مرفقاً بعودة المعتقلين إلى بيوتهم، وبتهيئة البيئة الآمنة لعودة اللاجئين ولإعادة الإعمار؛ على الأقل بالوقف الفعلي للتدمير والتهجير الذي كان يُمارس خلال انعقاد أستانا ذاتها.

فَشِلَ أستانا 11 في إنجاز اللجنة الدستورية، وخاصة أن "اللجنة الدستورية" منجز روسي بامتياز وحصرية؛ وهي ذاتها وليدة /مؤتمر سوتشي/ شقيق أستانا بالرضاعة. بعد تلوُّن السيد "ستافان دي مستورة" باللون الذي تشتهيه موسكو، توقّع البعض أن يمنحه الروس في أستانا 11 الموافقة على التشكيل النهائي للجنة الدستورية كجائزة نهاية خدمة. لم ينل السيد دي مستورة هذه "المكرمة"؛ وعليه الآن- ولو لمرة واحدة وأخيرة- أن يستنهض إحساسه وكرامته بأن يسمي الأمور بمسمياتها، ويقول في إحاطته أمام مجلس الأمن إن نظام دمشق وبدعم من روسيا؛ وبسبب بهلوانية فيها الكثير من الجبن والنذالة من جانب حضرته فشلت مهمته وحرم سوريا من السلام؛ وتسبب بزهق الكثير من الأرواح.

شارك برأيك

أشهر الوسوم