جلجلت... زلزلت!

من معركة "ملحمة حلب الكبرى" لفك الحصار عن المدينة (إنترنت)

قبل عامين بالضبط كان إيقاع «ملحمة حلب الكبرى» ينظم يوم السوريين، سواء منهم المترقبين فك الحصار عن نصف المدينة الواقع بيد الثوار، أو الخائفين من ذلك ومن استكمال سيطرة هؤلاء على نصفها الآخر الذي يحكمه النظام. فقد كانت النجاحات السريعة للمعركة مدهشة للطرفين.

كانت النتائج مفاجئة، أما المعركة فكانت معروفة ومعلنة قبل مدة، ولم تكن تنتظر إلا ساعة الصفر التي عبّرت عنها كلمة واحدة هي «جلجلت»، عمّمت على القبضات وانتشرت على واتساب وتويتر وفيسبوك.

تمكن المهاجمون من كسر الطوق المفروض على الأحياء الشرقية من حلب، كما هو معروف، وهزموا كليات عسكرية كبرى في الطريق، قبل أن يتعثر ما أنجزوه ويتوقف، ويبدأ بالانحسار ثم التلاشي أمام القصف الكثيف والهجمات المضادة، ويعاد ضرب الحصار، مما جعل المعركة بالفعل أشبه «بالجلجلة» التي تعني صهيل الفرس بعنف أو انفجار الرعد.

والحق أن هذا المعنى لا ينفك عن سيرة المفردة التي عرفت بوصفها فاتحة أنشودة إسلامية ذائعة ظهرت قبل وقت طويل، وعبرت «ساحات جهادية» كثيرة قبل أن تدخل حياة السوريين ولغتهم وعالمهم الرمزي.

ألقى شيخ سعودي صاعد، هو خالد الراشد، خطبة شديدة اللهجة عن هذا الموضوع بعنوان «يا أمة محمد»، لاقت انتشاراً واسعاً داخل بلاده وخارجها

ففي عام 2005، إبان أزمة رسوم الكاريكاتير الشهيرة التي نشرتها صحيفة دانماركية عن النبي (ص)، ألقى شيخ سعودي صاعد، هو خالد الراشد، خطبة شديدة اللهجة عن هذا الموضوع بعنوان «يا أمة محمد»، لاقت انتشاراً واسعاً داخل بلاده وخارجها، وحاول تنظيم احتجاجات أدت إلى اعتقاله، المستمر حتى الآن، في سجن «الحاير» المريع. وفي العام التالي سيستخدم منشد سعودي شاب، هو موسى العميرة، مقطعاً من هذه الخطبة ليستهل به أنشودته «جلجلت» التي ستحظى بشعبية قل نظيرها نتيجة تأثير كلماتها وحماسية لحنها.

يفتتح كلام الراشد التسجيل، ومنه: «يا أمة سيد ولد آدم... نبيكم يهااان... فماذا أنتم فاعلون؟»، ليتداخل مع بداية الأنشودة، التي تتخللها أصوات الزئير والمعارك، وتقول بعض مقاطعها: «جلجلت، عالياً في الأفق، صيحة الأباة/ وانبرت، تُسمع الباغين أنغام الممات/ زمجري، أيها الآساد، قد حق الجهاد/ وازأري، غير جيش الحق لا يجلو الوغاد/ هيا هبوا، لا تهابوا/ عزمكم كالنار في وجه الطغاة».

بواسطة المنتديات الجهادية على الإنترنت، وكانت من أبرز سمات تلك المرحلة، ستعبر الأنشودة فوراً إلى بلاد كثيرة، وستلقى شعبية خاصة في المناطق الساخنة كالعراق وفلسطين. ومع اتجاه الثورة السورية إلى العسكرة، وتحولها إلى أن تصبح قضية رأي عام إسلامي (سنّي)، ستصل الأنشودة قبل حتى أن يصل منشدوها. ففي الأشهر الأولى من 2012، ونتيجة رغبة شبان خليجيين متفرقين في دعم الثورة، ستظهر نسخ عديدة من كليبات «جلجلت» السورية التي لم تكن جهادية بالضرورة، بل ربما استخدمت فيديوهات لعمليات الجيش الحر وصور مشاهير ضباطه، بل ظهر في بعضها العلم الأحمر الذي استخدمه الثوار في البداية، قبل أن ينقسم السوريون على فسطاطي الأحمر والأخضر، ثم تتبعهما الرايات البيضاء والسوداء، بالتزامن مع انتشار الأنشودة في أوساط مقاتلي الفصائل الإسلامية وغيرهم.

والحق أن سياق ظهور الأنشودة، وطبيعة كلماتها والمؤثرات الصوتية المصاحبة لها، يدرجها في إطار «الغضبة» التي يطلبها الدعاة المسلمون من جمهورهم

والحق أن سياق ظهور الأنشودة، وطبيعة كلماتها والمؤثرات الصوتية المصاحبة لها، يدرجها في إطار «الغضبة» التي يطلبها الدعاة المسلمون من جمهورهم عند انتهاك إحدى حرمات نبيهم أو دينهم أو إخوتهم في العالم، وهو ما يمكن أن ينطبق على المعارك الكبرى التي بادرت بها الثورة السورية، بوصفها زئيراً أو زمجرة أو هديراً يعتمد البسالة وروح الفداء، واستخدام أكبر ما يمكن حشده من إمكانات بشرية وعسكرية، أكثر مما يستند إلى رؤية مستدامة لحرب طويلة.

من جهة أخرى، بقراءة الهزائم الكبيرة لفصائل الثورة، والتي بدأت من حلب نفسها في الشهر الأخير من 2016، وصولاً إلى درعا، مروراً بالغوطة وريف حمص الشمالي وأماكن كثيرة من أحياء دمشق وريفها؛ نلحظ أن التشبيه الأكثر تداولاً بين ثوار تلك المناطق وسكانها لما شهدوه أثناء الهجوم عليهم هو «القيامة» التي يعبّر عنها القرآن بألفاظ عديدة من أهمها «الزلزلة»، وهذه المفردة اسم إحدى سوره، كما تتردد في سور أخرى.

وسرعان ما تنتقل «القارعة» من الأرض لتستبطن في نفوس سكانها الذين «مسّتهم البأساء» و«زلزلوا زلزالاً شديداً» حتى يقولوا «متى نصر الله»؟!

ووفقاً للتعبير القيامي القرآني فإن الأرض إذا زلزلت أخرجت «أثقالها»، وأول ما يذكره المفسرون من هذه الأثقال «الجثث» التي تتناثر، فيما يصدر الأحياء «أشتاتاً» متفرقين «ليُرَوا أعمالهم» ساعة الحساب، لا ليَروها مختارين. فما فعلوا من «مثقال ذرة» من الخير يظهر، وكذلك ما اقترفوه من فساد في الأرض التي «تحدث أخبارها». وسرعان ما تنتقل «القارعة» من الأرض لتستبطن في نفوس سكانها الذين «مسّتهم البأساء» و«زلزلوا زلزالاً شديداً» حتى يقولوا «متى نصر الله»؟!

للإنصاف يجب عدم التقليل من أثر الزلزال الروسي الذي كاد يتم عامه الثالث، ويستهدف السكان كوسيلة للضغط على المقاتلين، كما يضرب مشافي منطقة العمليات ومنظومة الإسعاف والدفاع المدني، فضلاً عن قصف الأهداف العسكرية عندما تتمايز خطوط الاشتباك. وإذا أمكن اليوم، بعد أن تراكمت التجارب (الهزائم) استخلاص نتائج عامة، بعد أن كنا نتساءل عن سبب سقوط هذه المنطقة أو تلك؛ فمن الواضح أن قصف الروس وطيران النظام عامل مرجّح حاسم، فضلاً عن حشد الميليشيات معظم قواها لمهاجمة المنطقة المستهدفة. أما ما ارتكبته فصائلنا، من أخطاء وخطايا وجرائم، فعوامل مؤهبة ومساعدة ربما كانت آثارها السياسية والأخلاقية والإعلامية أكبر من نتائجها العسكرية.

لا نقصد هنا، إطلاقاً، التقليل من عواقب الفرقة والاقتتال، والاستعلاء على الناشطين المدنيين وهيئاتهم، والقطيعة شبه التامة مع السياسيين، وظلم حاضنة الثورة، والقصف العشوائي على مناطق النظام، وغياب الخطط، وترهل المقاتلين والجبهات... إلخ؛ لكنهم السوريون أنفسهم الذين نعرفهم منذ قبل 2011، ولولا ذلك لما احتاجوا إلى ثورة بالأصل، على أنفسهم قبل أن تكون على الأسد.

وعلى كل حال فقد بات واضحاً للجميع، بعد أن أُخرجوا من أراضيهم، أنهم ما لم «يغيروا ما بأنفسهم» من حال «الجلجلة» وأعراضها، فستدركهم «الزلزلة» ولو كانوا في «بروج» خفض التصعيد، في حلقة مكلفة ومتقهقرة باطراد من الهجوم والدفاع.

شارك برأيك

أشهر الوسوم