جريمة اغتصاب في ألمانيا تشعل مواقع التواصل

مظاهرة ضد الحركات الشعبوية بمدينة ميونخ الألمانية(رويترز)

حادثة اغتصاب شغلت الرأي العام ومواقع التواصل الاجتماعي وقعت في الرابع عشر من شهر أكتوبر/ تشرين الأول الحالي في مدينة فرايبورغ الألمانية، تفتح بابًا واسعًا مرة أخرى على الكثير من القضايا.

ليس اغتصابُا فرديًا، بل اغتصاب جماعي، إذ كانت شابة ألمانية تحضر حفلة موسيقية في نادٍ ليلي عندما تعرضت لاعتداء جنسي تناوب فيه على اغتصابها أكثر من ثمانية شبان أمام الملهى. حادثة مؤسفة للغاية، ومخزية بحق إنسانية الإنسان، لكن المؤلم أيضًا في الأمر أن الشاب الذي اغتصبها سوري، ثم دعا أصدقاءه للتناوب عليها مثلما لو كانت وليمة، في سلوك لا يمكن أن تمارسه بقية المخلوقات الأدنى.

في خصوصيات هذه الجريمة أن الضحية كانت قد وضع لها مخدر في مشروبها في تخطيط مسبق لاغتصابها، لذلك لم يكن بإمكانها المقاومة والدفاع عن نفسها، ربما لو كان بإمكانها لانتهت العملية بجريمة أخرى بعد الاغتصاب. ويمكن القول إن هذا الفاعل ارتكب فعلته بغريزة أكثر من بهيمية، ومع ذلك لا يمكن إلاّ التوقف عند جرائم الاغتصاب التي تتكرر في بلدان اللجوء من قبل بعض اللاجئين.

الغصْبُ هو أخذ الشيء عنوة، وغَصَبَ الشيء غصبًا أو اغتصبه اغتصابًا أخذه عنوة أو ظلمًا. ومع الزمن صارت الكلمة بحد ذاتها عندما تذكر بمفردها في الحديث الشعبي لمجتمعاتنا تشير إلى معنى واحد، الاغتصاب الجنسي. لا بد أن التحرش الجنسي، والاغتصاب، هما سلوك بشري غير طبيعي، وهو موجود خارج ظروف النزاعات والحروب، وفي مجتمعات كمجتمعاتنا تحكمها ثقافة مركبة صيغت عبر الزمن، تجعل من المرأة والأطفال كائنات ضعيفة، يمارس بحقها أشكال متنوعة من العنف واستباحة كيانها بمباركة اجتماعية وتخاذل قانوني، من دون أن يُسأل الجاني أو يُحاسب، نرى العنف مستشريًا في ثقافتها ويطبع سلوك شريحة كبيرة من أفرادها، بل يمكن النظر إليه على أنه الوجه الطبيعي للحياة، فكم تتعرض المرأة للاستغلال والتقييد وانتهاك كيانها الروحي والجسدي؟  وإذ يُعتبر الاغتصاب جريمة يعاقب عليها القانون في مختلف أنحاء العالم، فإن العقوبة تختلف من دولة إلى أخرى، وهذا التباين له علاقة بالأعراف والقيم والثقافة السائدة، كما أن له علاقة بوضعية المرأة، ومكانتها الاجتماعية وصورتها النمطية في ثقافة المجتمع المعني، ينسحب هذا الحكم أيضاً على قيمة الطفل ومدى الاعتراف بحقوقه في الحياة، ومراعاتها. ومن هنا لا يمكن عزل الجريمة عن السياق التاريخي والاجتماعي والظرفي لمرتكبيها. 

من الطبيعي رفض واستنكار الجرائم بكل أشكالها ومحاربتها لكن جرائم من هذا القبيل يرتكبها أفراد قذفتهم الهزات الارتدادية لزلازل بلدانهم إلى المجهول فإنها تستحق الدراسة

النسبة الأكبر من المهاجرين أو اللاجئين إلى دول تتمتع شعوبها بدرجة عالية من الاستقرار وبحبوحة الحياة قادمة من مناطق غالبية مجتمعاتها من المقهورين المهمشين المحرومين من الأحلام، المكبوتين أمام غريزة طبيعية خلقت مع الكائن الإنساني، والواقعين تحت سطوة المحرمات والتابوات التي مجرد التفكير في مسّها تدفع الشخص إلى اضطراب نفسي وسلوكي تحت ضغط الشعور بارتكاب الخطيئة الفاحشة، فكيف إذا أضيفت إليها أسباب أخرى رسخها الطغيان السياسي والديني والاجتماعي، أدت إلى موت الفردية والإحساس بالذات، مجتمعات ترسّخ الرجولة كقيمة كبرى تستند إلى الأحقية في السيادة والإرادة والتصرف وامتلاك مصائر من هم يتبعون صاحبها، في الوقت الذي يشعر صاحب هذه الرجولة المتورمة بالانمساخ والاستلاب، بل ويشعر بالقمع وانتهاك كيانه في كل حين؟ طبعًا زادتها ظروف الحرب والعنف غير المسبوق الذي مورس على الشعب السوري في السنوات الثماني الماضية.

الشاب السوري المتهم الأول، والذي تثبت نتائج تحليل الحمض النووي قيامه بهذه الجريمة البشعة، عمره واحد وعشرون عامًا، ولقد جاء إلى ألمانيا في العام 2014، أي كان عمره سبعة عشر عامًا، يعني أنه عايش ظروف الحرب السورية لثلاثة أعوام كان فيها طفلاً، فأية صور تثقل ذاكرته وتسمم وجدانه وتنتهك وعيه؟ أية حكايات وأية أخبار، كاذبة أو صادقة، سردت على مسامعه عن اغتصاب فلانة، أو حتى فلان، من قبل أطراف عديدة، قد تكون سلطة ما وهذا أكثر ما تمارسه السلطات في بلاده بحق الخصوم أو الأعداء، أي سلطات من الأطراف المتصارعة لم تمارس الاغتصاب بحق المسجونين لديها أو من وقعوا في أسرها، كنوع من أنواع التعذيب البليغ في انتهاك الإرادة قبل الكرامة؟ قد يكونون من أقربائه أو من معارفه أو ممن يشكلون رموزًا لديه وهو الطفل الذي كان من الممكن أن يصبح على غير ما هو عليه لو كانت الحياة عادلة، وحصل على حقوقه فيها، وأولى هذه الحقوق لطفل حق المسكن والملبس والمأكل والتعليم، التعليم الذي يستنبط طاقاته ومقدراته الإبداعية، وأهمها أن يكون له أسرة. من يستطيع أن يخمن الظروف التي مرّ بها في رحلة لجوئه، وأي ظلم كان ينمو في صدره يتحول إلى ضغينة وحقد كلما كبر وراكم خلفه هذا الكم من التجارب القاسية المريرة؟ الأعاصير التي تجتاح منطقتنا العربية تعرّي الواقع وتفضح خباياه التي كانت مطمورة تحت رماد العقود العديدة الماضية، وتكشف أهوالاً تتخلق في فضاء العنف، كما الهشاشة المجتمعية والعقد التي رسختها أزمنة من القمع والاستبداد وفسح المجال واسعًا لدعاة دينيين ليصوغوا الأفكار وفق منظومة تقوم على مسخ كرامة الإنسان وتعليمه فضيلة الخنوع والاستعباد وتعطيل العقل وأسره في النص ومحاصرته كي لا يفتح على المعرفة التي ستحرك المستنقع الذي يوهمون الناس أنه نعيمهم.

من الطبيعي رفض واستنكار الجرائم بكل أشكالها، ومحاربتها، لكن جرائم من هذا القبيل، يرتكبها أفراد قذفتهم الهزات الارتدادية لزلازل بلدانهم إلى المجهول فإنها تستحق الدراسة، ويستحق الدراسة أكثر ذلك السجال الذي يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي، الذي ينذر بإعصار أعتى في المستقبل القادم لشعوبنا ما لم تنشل من استنقاعها، أولئك الذين يدينون الضحية ويباركون اغتصابها لأنها لو لم تكن فتاة بلا شرف وعفة وفضيلة لما تعرضت للاغتصاب، ولأنها كذلك فمن الطبيعي أن تغتصب، بل تعدى الأمر أكثر من ذلك لتصبح الضحية تستحق هذه الجريمة لأنها كبقية بنات المجتمع الكافر بلا شرف، هو بالفعل صراع ثقافات شرس جدير بالانشغال والشغل عليه.

إضافة لا بد منها، كل الأسباب التي ذكرتها عن أسباب الجنوح نحو جريمة من هذا النوع والتي تستحق الدراسة، تنتفي لدى شخص قام بتخدير الضحية ليغتصبها، فالدافع وراء جريمته ينحدر عن الأسباب تلك، لو كان يريد الانتقام للغبن والقهر اللذين بداخله لانتقى ضحية تملك إرادتها ليحطمها، لكنه لم يفعل.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم