جاري القصف على إدلب

غارات للنظام وروسيا على المنازل في ريف إدلب الجنوبي (الأناضول)

إزاء عملية التنقيب في كتب اللغة والمعاجم، عن المعاني الإصطلاحية المرادفة لمعنى ( الحقد ) نجد عدداً من المفردات، من مثل ( الضغينة – النقمة – الغل – الدّخن – الدّخل – الغش – البغضاء – الداخلة ، وغيرها الكثير). وجميع هذه المعاني ، وإن امتازت ببعض الفروقات الجزئية، إلّا أن المعنى الكلّي الإصطلاحي لها، يحيل إلى الرغبة في إيقاع الأذى في الخصم، وغالباً ما ينتهي مفعول هذه المعاني بإيقاع الرغبة، أي بتنفيذها في الخصم، ما يدعونا للقول إن الحقد – كما جاء في قواميس اللغة – مقرون دائماً بحادثة محدّدة، غالباً ما ينتهي بانتهائها. أمّا أن يكون الحقد نزعة متأصلة في النفس البشرية، منفلتة من ارتباطها بحدث ما، باحثة على الدوام عن تجسيدات حسية لها، فحينئذ يخرج مصطلح ( الحقد ) من سياقه اللغوي، ونصبح حيال ظاهرة تستدعي اللجوء إلى ميدان العلوم النفسية والاجتماعية. قد يكون من السهل استخدام مصطلح ( السادية ومشتقاتها) في محاولة تلمّس الظاهرة، إلّا أنه ليس من مقاصد هذه المقالة الوجيزة الحديث عن ظاهرة نفسية، بقدر ما تريد الوقوف أمام واقع يعيشه السوريون، لم يعد فيه الحقد المنهمر على رؤوسهم مجرّد حادثة طارئة، بل ديمومة يمارسها نظام الأسد وحلفاؤه، باعتبارها الإجراء الوحيد والأجدى للبقاء على رأس السلطة.

إبان انطلاقة الثورة السورية في آذار 2011 ، كان يرى قسم كبير من أنصار الثورة وجوبَ احترام آراء الموالين لنظام الأسد طالما أن التعبير عن تلك المواقف ظل ضمن الأطر المشروعة

في موازاة للحرب الوحشية القائمة على إدلب وغربي وشمالي حماة، يغتبط مؤيدو الأسد بأغنية شعبية لمغنٍ قيل أنه يُدعى جمال عساف، تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي، وهي تحاكي بلحنها أغنية شعبية كان قد غناها أيمن رضا، في عمل تلفزيوني يُدعى أبو جانتي، يقول جمال عساف في أغنيته:

( جاري القصف عا أدلب....

غير الأسد ما يغلب ....

تقدّمْ يا جيش السوري

اسمك للعدو يرهب ...)

وفضلاً عما توحي به لفظة ( جاري)، من معنى الاستمرار، فإن إقترانها بلفظة ( يغلب) تحيلنا أمام معادلة جوهرية بالنسبة إلى الأسد ومؤيديه، أي إن الغلبة ( البقاء في السلطة)، لن يكون سوى باستمرار القصف على إدلب.

لعلّ ما يستوقف المرء هو أننا لسنا أمام حالة تخص مُنتِج أو منتجي هذه الأغنية، بل أمام شريحة بشرية من سكان سوريا – كثر عددها أو قل – يجدون في هذه الأغنية تعبيراً عن انتصار نظام مازالوا يعتقدون أن الذين يموتون بفعل قصفه ووحشيته هم إرهابيون، تماماً مثلما أننا لسنا في مواجهة حاكم، وبضعة من رجاله يمارسون الإجرام بغية التمسّك بامتيازاتهم السلطوية، بل حيال شطر كبير من المواطنين السوريين ما يزالون منتظمين ضمن الأطر الرسمية للكيان الأسدي، وما زالوا – عبر انتظامهم هذا – مستمرين في إعادة إنتاج السلطة إدارياً ومؤسساتياً، فهل يمكن القول ليس الأسد وطغمته القلية من يمارس الإجرام، بل يشاطره الجريمة  شطر واسع من السوريين وإنْ بنسب متفاوتة؟ الإجابة بنعم أو لا – على الرغم من كونها صادمة – قد لا تكون هي المقصد، بل الأجدى – كما أعتقد – هو الوقوف أمام ظاهرة، بقدر ماهي واضحة المعالم والدوافع والمعطيات، إلّا أنها شديدة التعقيد، ومصدر هذا التعقيد تكمن في السؤال التالي: هل بات الموقف من الجريمة كواقعة منافية للعرف الإنساني، مجرّد وجهة نظر تكفلها حرية التعبير كما هو وارد في لوائح حقوق الإنسان؟

إبان انطلاقة الثورة السورية في آذار 2011 ، كان يرى قسم كبير من أنصار الثورة وجوبَ احترام آراء الموالين لنظام الأسد طالما أن التعبير عن تلك المواقف ظل ضمن الأطر المشروعة، ولم يتجاوز حدود التعبير عن الرأي، سواء بالطرق المكتوبة أو المنطوقة، وحين باشرت قوات الأسد في ممارسة العنف، ثم أوغلت فيه إلى درجة تجاوزت حالة ردع الخصم، بل دخلت في مرحلة الجريمة الممنهجة، ابتداء من مجزرة الحولة في 25 – 5 – 2012 التي أودت بحياة 117 مواطناً مدنياً، منهم خمسون طفلاً واثنتان وثلاثون امرأةً، ثم تالياً مجزرة البيضا في بانياس ( 3 – أيار 2013 ) إذ قضى فيها ما يزيد عن سبعين مدنياً، علماً أن الذين قضوا في المجزرتين المذكورتين قُتل أكثرهم ذبحاً بالسكاكين والسواطير، مروراً باستخدام البراميل المتفجرة التي تنهمر من الطائرات فوق المدن والبلدات، وليس انتهاءً باستخدام السلاح الكيمياوي لعشرات المرات، فضلاً عن آلاف المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب في السجون. ما ارتكبه نظام الأسد من جرائم بحق السوريين لم يعد موضع نفي أو إثبات بين النظام وخصومه، بل أضحى قضية إنسانية عامة، توثقها عدة جهات قانونية وإنسانية، وتسعى لدى المحاكم الدولية لمحاكمة الفاعلين، الأمر الذي يؤكد أن الانحياز إلى جانب نظام الأسد والدفاع عنه لم يعد تعبيراً عن موقف سياسي، فالأمر تجاوز السياسة، بل بات انحيازاً للجريمة. وقد يقال: ليس الأسد وحده من مارس الإجرام بشكله الممنهج، بل ثمة من شاطره ذلك من الفصائل الإسلامية وسواها من القوى المتطرفة، أقول: نعم ، فإجرام هؤلاء لا يختلف عن إجرام الأسد، ولكن ما هو مؤكد أن الذين طالهم الإجرام الأسدي من المدنيين السوريين، أطفالاً ونساء وشيوخاً هم ليسوا إرهابيين، بل مدنيون عُزّل، وما هو مؤكد أيضاً أن المتطرفين والإرهابيين الذي شاطروا الأسد جرائمه بحق السوريين، كانوا الأبعدَ دوما عن استهداف قوات الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين.

حين تمتدّ الدعوة إلى الاستمرار في قصف إدلب إلى حيّز الأغاني الشعبية في أوساط الموالين للأسد، فإن الأمر – عندئذ – لا يبقى مجرّد رأي او وجهة نظر في الشأن السياسي للبلاد

حين تمتدّ الدعوة إلى الاستمرار في قصف أدلب إلى حيّز الأغاني الشعبية في أوساط الموالين للأسد، فإن الأمر – عندئذ – لا يبقى مجرّد رأي او وجهة نظر في الشأن السياسي للبلاد، بقدر ما يتحوّل إلى موقف أو قناعات، وحين يصل هذا الموقف إلى مرحلة الترنّم به، فلا شكّ أن الحقد – إذْ ذاك – تجاوز مرحلة الرغبة في الانتقام وأصبح حالة من التشفي لا يُخمِد أوارها إلى المزيد من سفك دماء السوريين.

في الفترة الممتدة من عام 1980 – 1991 من القرن الفائت، كان اللواء سليمان الخطيب يشرف بنفسه على تنفيذ عمليات إعدام المعتقلين في سجن تدمر، وكانت أكثر الحالات التي يبلغ فيها ذروة النشوة والسلْطنة، حين يكون انتهى من تنفيذ الإعدامات، حيث يعود ماشياً على قدميه من فناء الباحة السادسة في السجن، باتجاه الإدارة، وأثناء عودته كان يطلق ضحكات هستيرية متواصلة، ويطلب على إثرها من أحد عناصر الشرطة العسكرية أن يغني، فينطلق الصوت عالياً: ( عدّيت كل النجم – باقي ثلاث نجمات – وحدة لحافظ أسد – واثنين للوحدات)، ثم يتجمهر بقية عناصر الشرطة حوله ويتحوّل المشهد إلى دبكة على أنغام ( الهوّارة الهوّارة).

المشاهد الطربية الغنائية التي تستمدّ مضامين نشوتها من موت المواطنين السوريين، والتي لا تزدان طقوسها إلّا فوق الجثث والرؤوس المهشّمة، لم تكن جديدة أو طارئة على تاريخ السلطة الأسدية، وما يدعو إليه أنصار النظام بالقول ( جاري القصف على إدلب) فيه الكثير من الإنسجام، من حيث كونه استمراراً لنهجٍ دموي أصبح جزءاً من تاريخ نظام الأسد منذ انقضاضه على السلطة في سوريا.

هل هي دعوة للانتقام وتأجيج المشاعر؟ بالمطلق لا، ولكنها – بكل تأكيد – دعوة إلى جميع السوريين الحالمين بالتغيير والإطاحة بالاستبداد، إلى معرفة حقيقية لطبيعة نظام الأسد، معرفة لا تكتفي بملامسة القشرة القبيحة للنظام فحسب، بل تستبطن مكنون الإجرام اللامحدود في دواخله.

 

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم