تعليم الحرية

منذ الحرف الأول الذي يُعطى في المدرسة تُفتح آفاق التفكير والوعي، وتغدو الحروف في العقول كلماتٍ متصلة مترابطة، ومعاني مختلفة، يكتسبها الطالب ويصوغها بإدراكه ويوجهها حسب فهمه، ويطورها حسب ما تتيح له بيئته أن يتطور ويتعلم ويفكر ويبدع، فتنطلق الأفكار وتنتشر ما شاء الله لها أن تفعل، ولا تتوقف عن الحركة والتطور والانتشار، إلا إذا جوبهت بسدٍّ من القهر والقمع والسيطرة، فتتوقف عن النمو، وتتحول إلى حالة الجمود، وقد تتحجّر أو تفسد أو تبلى، فيغدو ركودها وبالٌ عليها، ويصبح أصحابها وقد فقدوا القدرة على التحكم والتطور والنماء، فيسهل تطويعهم واحتلالهم واستعبادهم، ويصبح التعليم أداة تجنيد واستنزاف للبشر، وهذا ما حدث ويحدث في سورية.

الزي المدرسي القديم الذي ينحي براءة الطفولة جانباً ويدفعها دفعاً لحالة التجنيد،

دروس القومية البائسة، مشية " البطة" عقوبة من يرفّ له أو لها جفن، المسيرات غير العفوية، تمجيد البعث، أمورٌ كثيرة لم يكن لها مرورٌ عابرٌ في ذاكرة السوريين، بل حفرت عميقاً في شخصيتهم.

طلاء جدران المدارس بلون واحد كئيب، شعارات البعث في تحية الصباح، صور الأسد في كل حالاته في الدروس والقصائد، روح التقديس والتمجيد وعبادة الحاكم، الشبيبة والطلائع، طرق التدريس التي عفا عليها الزمان ولم تتح " ميزانية الدولة" لها أن تتطور، وهي المشغولة بالتمويل للعسكرة وفروع الأمن.

 دروس القومية البائسة، مشية " البطة" عقوبة من يرفّ له أو لها جفن، المسيرات غير العفوية، تمجيد البعث، أمورٌ كثيرة لم يكن لها مرورٌ عابرٌ في ذاكرة السوريين، بل حفرت عميقاً في شخصيتهم، حتى مع قيام الثورة، وتمزيق صورة الصنم، وإسقاط شعارات البعث، مازالت آثار الأدلجة البعثية باقية وتتمدد في اللاوعي، تساندها حالة الخواء والفراغ العلمي الذي بات سيد الموقف، والجهل الذي امتد كثيراً وبسط سلطته حتى صُنفت سورية من أسوأ البلدان في التعليم في الشرق الأوسط.

لقد استشهد المعلمون في مدارسهم وهم يزاولون مهنة التعليم، ودمّر النظام وحليفه الروسي أكثر من ربع المدارس في سورية وجعلها خارج الخدمة، أما التي كانت حالتها أقل سوءاً فقد تحولت إلى معتقلات مؤقتة، أو مقرات عسكرية، ولم ينجُ منها إلا القليل، وما نجا منها لم يحظَ بمعلمين، فقد هُجّروا بفعل القصف، أو اختاروا التغيب عن العمل بسبب غياب الأمن، مما أوقع الطلاب في حالة من الشتات، وباتوا يعانون من الأمية وقد اختاروا ألا يعودوا إلى مدارسهم أبداً بعد أن اعتادوا على حياة العبثية وغياب التنظيم، وأصبحوا يعملون في مهنٍ ليساعدوا أسرهم، أو اختاروا اللاشئ، كمهمة يومية في دولة قضى طاغيتها على كل شيء له قيمة ومعنى، ولم يكن بوسع المؤسسات الثورية سوى أن تحاول ترقيع واقعٍ ممزق، وأن تحاول إيجاد بدائل مؤقتة عن دولة ذات مؤسسات وسلطة، فكانت البدائل ضعيفة التأثير باهتة الأثر، إضافة إلى سوق التعليم والمتاجرة بالعلم الذي لا يختلف كثيراً عن الإتجار بالسلاح والبشر، والذي بات يقدم الضئيل من المعلومات، والقليل من الوقت، عن غير كفاءة أو دراية، والذي فعّل خاصية الواسطة في اختيار المعلمين أو الموجهين أو المديرين، فتحولت المصيبة إلى كارثة، ونما وهم التعلّم، فما عاد النجاح يشبه النجاح في شيء إلا بتغيير اسم الصف أو المرحلة، وما عاد العلم يشبه نفسه، وتحول الطلاب من حالة تجنيد العقول واستعبادها في عهد النظام، إلى حالة العبثية والتشرذم ضمن الثورة.

لم يحصل طلاب الحرية على حريتهم التي طمحوا لها في المكان الوحيد الذي ظنوا أنه ملاذهم، بل حصلوا على رواسب البعث بأشكالٍ وألوانٍ شتى، وعلى الرغم من وجود كفاءات علمية، وقامات لها وجودها واحترامها في المناطق المحررة، إلا أنها لم تُفعّل كما يجب، بل تم تجاهلها وتهميشها وكأنها دعوة للمغادرة أو تجديد للقهر.

لسنا بصدد جلد الذات، لكن مرارة الواقع التي تلتقي

سنبقى نمارس القمع والقهر والاستبداد فيما بيننا، ويظلم بعضنا بعضاً حتى نغير آلية التعليم وأساليبه القائمة على القيد والتكرار والتلقين بعيداً عن التفكير.

مع ما يحتويه من طاقات وإمكانات دافعة لكسر حاجز الصمت، والدعوة إلى إعادة النظر في كل شيء من جديد.

إننا سنبقى نتقلب من احتلال لاحتلال مادام الأميون يشكلون أكثر من النصف في المدن والأرياف، وسنبقى نمارس القمع والقهر والاستبداد فيما بيننا، ويظلم بعضنا بعضاً حتى نغير آلية التعليم وأساليبه القائمة على القيد والتكرار والتلقين بعيداً عن التفكير، وحتى نجسد الحرية أفعالاً وحقيقة، وسنبقى نعاني الفشل ما دامت آلية النظام وأساليبه التعليمية هي قبلتنا ووجهتنا والأساس الذي نقتبس منه مناهجنا، ومادمنا نعاني العجز عن خلق أنموذج بديل قوي.

لقد اكتسب أطفال سورية وشبابها في سنوات الثورة ما لا يمكن لمدرسة في العالم أن تلقنهم إياه، من دروس شجاعة وصبر وإيثار وتضحية، وقد تلقوا دروس الإدارة عملياً في الحصارات، وتعلموا دروساً في الطب وهم يضمدون جراحهم وجراح ذويهم، وخبروا كيف يستعيضون عن كثير من الأدوية بالأعشاب، وصارت لديهم معرفة بالطاقة والطاقة البديلة، والعسكرة وفنون القتال، ومارس جزء لا يستهان بهم مهاماً في الإعلام، ولفتوا أنظار العالم بصورهم وتعليقاتهم المؤثرة، كل هذا وهم يقاسون الخوف والجوع والفقد، ومع الاعتراف بذكائهم ومرونتهم وقدراتهم وشجاعتهم إلا أن ذلك كله يتطلب واجباً أكبر في احتوائهم وحمايتهم من مستقبل مرعب قد ينتظرهم إن ظلوا متروكين مهملين إلى هذا الحد.

إن ارتكب النظام جرائمه في حق السوريين وأودى بالتعليم إلى الهاوية، فنحن نرتكب جرائم مشابهة بالصمت والتجاهل وقلة المبالاة، إننا نحتاج إلى مبادرات جديدة واعية، واهتمام حقيقي بالجانب التعليمي، وعناية واضحة بتأسيس الكوادر التعليمية، وضخ ذلك كله في مشروع الحرية والكرامة عن وعي ونزاهة وبصيرة، وعندها لابد أن تثمر الجهود، وتنتج أملاً لا زيف فيه.

شارك برأيك

أشهر الوسوم