تعرّي الجسد أم انطلاقة الروح؟

راجت قبل أيام صورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لممثّلة مسرحية شرق أوسطيّة، تقف عارية الصدر في إطار دور تلعبه ضمن عمل مسرحي أقيم في أحد المسارح في كندا، وأثار هذا الأمر بعض النقاش بين مؤيد ومعارض ومتحفّظ.

ثمّة من يعتقد أنّ التعرّي شيء عاديّ وطبيعي، ويندرج ضمن إطار الحريّات الشخصية اللصيقة بالإنسان، وهو يشكّل في مجال الفنّ كما قالت - تلك الممثلة -أداة على المسرح مثله مثل الصوت. يقول هؤلاء إنّ التعرّي أداة فنيّة مهمّة في المسرح الحديث على وجه الخصوص، وهي تتعلق بالفكرة التي يريد المُخرجُ من خلال الممثل إيصالها للجمهور، كما أنّ طبيعة النصّ المسرحي تتطلب التعري أحياناً كي تجذب الجمهور وتشدّه وتأسره، والتعرّي يؤدي إلى إيصال صورة فنيّة أو فكرة معينة بشكل قوي، فهو يخرج في هذا الإطار عن مفاهيم العيب بل على العكس من ذلك يكون في لحظة معيّنة الأداة الأكثر سحراً واستفزازاً لعقل المشاهد الفردي والجمعي بنفس الوقت.

يقول الكاتب والرسّام الأميركي " Jacob Collins" في هذا المجال:

" الجسد العاري يعطي الفنّان مساحة أكبر ليعبّر عن مشاعر مثل الغضب، القوّة، التوتر واليأس، وللتعبير عن الحركة أيضاً: العضلات المتقلّصة، الأوردة الممتلئة، الجذع الملتوي، الساق المليئة بالأوتار.. تعطي كلّها إحساساً بالحركة".

غير أنّ البعض يرى في العُري نوعاً من أنواع الابتذال إن كان بغير ضرورة ملحّة، فالجسد الإنساني

هناك من ينظر إلى التعرّي على أنّه وسيلة للتعبير عن الاضطهاد والقهر أو بمعنى أدّق بأنه أحد أشكال مقاومة الكبت والتسلّط المفروض من الجماعة البشرية أو المجتمع ومن السلطة والدين

لا يصبح أجمل بالتعرّي، بل على العكس يفقد المرء متعة انتظاره للمجهول وشغف معرفة تفاصيل الغائب عن أعيننا الحاضر في مخيلتنا، وهناك من يرى أنّ التعرّي شيء مُخلّ بالحياء سواءٌ أكان بسبب أم من دون سبب، بضرورة للتعبير عن فكرة ما خلال العمل الفنّي أم بغير ضرورة.

هناك من ينظر إلى التعرّي على أنّه وسيلة للتعبير عن الاضطهاد والقهر أو بمعنى أدّق بأنه أحد أشكال مقاومة الكبت والتسلّط المفروض من الجماعة البشرية أو المجتمع ومن السلطة والدين، ويرى هؤلاء في هذا الفعل نزوعاً من المتعرّي الى الحرية التي حُرم منها.

يقول الرسام التشكيلي " Fred Hat" عن التعرّي:

" نحن نصوّر العقل أو الروح كسماويّ، ملائكي ونقي، بينما نصوّر الجسد المادّي كشيء يربطنا بالموت، بالرغبات المُتلفة وبالمعاناة. بالتالي فصورة الفنّ العاري تذكّرنا بأننا أجسادنا.. بأنّ الجنسانيّة والغريزة والوفاة طبيعتنا الفعليّة.. بأنّ جمال الطبيعة الحيوانية فينا لا يمكن فصله عن جمال روحانيتنا".

الجسد والطبيعة وما هو حيّ على الأرض ... تمّ اختزالهم إلى مجرّد أشياء.. أشياء وُجدت لتروّض وتُستغل بلا رحمة في سبيل ترقية الروح المُفترض أنّها طاهرة. لقد عانت الأرضُ كثيراً بسبب هذا الفصل داخل الإنسان، ولكن نحن بدورنا كمخلوقات من هذه الأرض لم نهرب من هذا الألم أيضاً."

لقد نال هذا الموضوع كثيراً من الآراء ووجهات النظر، فالتعرّي ليس بالمسألة الحديثة أو الطارئة على البشريّة، فقد كان الوسيلة الأمثل عند الإغريق لتصور الطهارة والوضوح والبساطة من خلال رسومات ومنحوتات الآلهة، كذلك عبرت كثير من الشعوب عن مواقف فكرية أو فلسفية أو حتى سياسية من خلال التعرّي، فتتوارد إلى الذهن استخدامات الجسد العاري أو شبه العاري في الإعلانات التجارية وخاصة جسد الأنثى، كذلك حركة النساء عاريات الصدر"FEMEN" التي باتت تستخدم التعرّي كوسيلة للتعبير عن النضال ضدّ الاضطهاد الذكوري.

لا شكّ بأنّ التمعّن في هذه الظاهرة يدلّنا بجهد يسير على آثار الانقسام المجتمعي بين الذكورة والأنوثة، فالمنحوتات الحجريّة القديمة لحضارات ما بين النهرين وسوريا ومصر تبيّن جسد المرأة العارية وتصوّرها كرمز للجمال والخصوبة، وهذا ليس بمستغرب بسبب قرب تلك الحضارات من عهد الأمومة حيث كانت السيادة في مجتمعات المشاع للأنثى. بينما في حضارة الإغريق نجد التركيز في لوحات وتماثيل النساء العاريات على حالة الجمال وحدها مترافقة بحالة الاسترخاء والسلبيّة باعتبار الأنثى عنصراً متلقّياً لرغبات الذكر، بينما تظهر تماثيل الرجال العراة كأجسام متوثّبة مفتولة العضلات، وهذا يشي بقدر كبير من تعمّق الدور الذكوري في المجتمع البشري كلّما اقتربنا من زمننا الراهن.

في كتابها "الجندر، الجنسانيّة والسلطة" تقول الدكتورة كاثرين ماكينّين:

" المرأة كائن يعرّف نفسه ويعرّفه المجتمع بصفته صاحب جنسانية موجودة من أجل شخص آخر، هو الذكر. جنسانية المرأة هي قدرتها على إثارة هذا الشخص. إذا كان الجنسي في المرأة هو بالتعريف ما يعتبره الذكر ضرورياً للإثارة، أليس من الممكن القول إن المتطلبات الذكورية استولت على الجنسانية الأنثوية بحيث إن الأخيرة باتت تقتصر على تلك المتطلبات؟"

ترى بعض الحركات النسويّة أنّ استخدام العُري لجسد المرأة هو تشييء لها لتلبية غرائز الرجل في المجتمع الذكوري، ويرى بعضُ الماركسيين أنّ هذا الاستخدام في الإعلام وفي الترويج التجاري وسيلة من وسائل سيطرة رأس المال، ويرى رجال الأديان عموماً أنّه حضّ على الفجور ومعصية الخالق.

يقول الكاتب والناقد الفنّي " John Berger" في هذا الشأن:

"ترافقُ المرأةَ صورتُها لنفسها دائماً، إلّا عندما تكون وحدها- وربّما حينها أيضاً-، لقد عُلّمت بأن تفحص وتتقصّى شكلها باستمرار. لوحات الفنّ العاري أيضاً تصوّر المرأة كمنظرِ ل "يُطالَع" ونادراً ما تمثّل اللوحة شخصية أو صفة. إذن، على العارية أن تكون غرضاً ليعاينها ويقيّمها ويحكم عليها مُشاهدٌ ذكر. عُريها هذا ليس تعبيراً عن مشاعرها الداخليّة، وإنّما علامة على خضوعها للطلب. العُريُ هنا ليس احتفالاً بالحبّ الجنسي الحيوي بين اثنين والذي تكون المرأة فاعلة فيه كما الرجل وتمتصُّ فيه أفعالُ أحدهما الآخر، بل على العكس، فإنّ الشخص الآخر الذي يهمّ هنا هو الغريب المتفرّج الذي يُطالعُ الأنثى العارية. غالباً ما يُلاحظ في هذه اللوحات أنّ اهتمام الأنثى مُنصبُّ على المُشاهد وليس مع مشهد اللوحة. تظهر المرأة غالباً بليدة وخاملة وكأنّها هنا لتُشبع غريزة وليس لتحظى بواحدة لنفسها... لقد أصبح العُريُ نوعاً من الأزياء الموحّدة غير القابلة للخلع والتي تقولُ لنا: أنا مستعدّة الآن للإرضاء الجنسي. تبعاً لذلك، لا يمكن أن نُطابق بين العُري وبين الحريّة باعتبارهما شيئاً واحداً".       

يقول شكسبير:

"المرأة كوكبٌ يستنير به الرجل، ومن غيرها يبيت الرجل في الظلام"

هي إذن ليست مُعرّفة بدلالة ذاتها بل بدلالة غيرها، وكذلك هو العُري الجسدي مُعرّفٌ بدلالة ما يرمي إليه وليس بدلالة ذاته كفعل مادّي أو كسلوك اجتماعي. إذن لا قيمة للتعرّي بحد ذاته، بل تكمن القيمة في انطباعنا عنه وفي ردة فعلنا عليه وفي تفاعلنا معه، نحن من يصنع قيمة المواقف وحتى الأشياء، من الذي حدد قيمة الماس كجوهر باهظ الثمن مثلاً، أليس الإنسان؟ هكذا تكون مقارباتنا للأمور بالمقاييس الاجتماعية لا بالمقاييس المجرّدة.

ينظرُ رجالُ الدين إلى العُري على أنّه انحلالٌ وانحرافٌ عن العقائد والشرائع السماويّة، وبالتالي يدخل في باب المحرّمات التي لا يمكن تبريرها بأي شكل من الأشكال.

قال بعضُ المفسّرين في قوله عزّ وجل في الآية 26 من سورة الأعراف:

{يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}

 

نزلت هذه الآية في قومٍ من العرب كانوا يطوفون بالبيت عُراة ويرون أنّ ذلك أبلغُ في الطاعة وأعظمُ في القُربَة، ويبررون ذلك

المسيحّية كما اليهوديّة والإسلام تنظر إلى التعرّي كموجب من موجبات مخالفة إرادة الله، فالاحتشام ميزة المؤمن

في ناحيتين، الأولى بأنّ الثياب قد دنّستها المعاصي فبالعُري يخرجون عنها، والثانية تفاؤلاً بالعُري من الذنوب. لكنّ الإسلام جاء ليمنع هذه المظاهر معتبراً أنّ التخلّص من الذنوب يكون بالجوهر الإنساني من خلال اقتران نيّة الإنسان المُخلصة لوجه الله تعالى مع عمله الصالح. ومع ذلك نجد بعض الطقوس المتعلّقة بشكل لباس الإحرام والتي لا بدّ وأنّ لها أساس ما أو صلة معيّنة بموضوع العُري والاحتشام.

ثمّة تاريخ طويل ممتّد من الشرق إلى الغرب عن العُري، يتّفقان فيه قليلاً ويفترقان كثيراً. يعود الاتّفاق إلى أسباب دينّية فالمسيحّية كما اليهوديّة والإسلام تنظر إلى التعرّي كموجب من موجبات مخالفة إرادة الله، فالاحتشام ميزة المؤمن، وقد كان من نتائج ارتكاب الخطيئة الأولى – حسب الروايات الدينيّة السماويّة كلّها – انكشاف عورة سيّدنا آدم وسيّدتنا حوّاء، أي أنّ العُري موغلٌ في شعور الإنسان منذ ما قبل الوعي ومنذُ ما قبل تشكّل الإنسان بصورته الواعية المدركة بوجوده على هذه الأرض.

 أمّا الافتراق بينهما فيعود إلى عصر النهضة وما بعده، حيث بدأت تتجذّر النظرة الفردية في الغرب أكثر وبدأت المجتمعات هناك تعطي للحريّة الشخصية مساحة أكبر مع مرور الأعوام، وقد كان للثورات المجتمعيّة والصناعيّة والتقنيّة أثرها الكبير في تغيير علاقة الإنسان بجسده باعتبار نتائجها النهائية كانت هائلة على الصعيد المعرفي، بينما في المشرق بقيت العلاقة محكومة أكثر بموروثات العصور السابقة ولم تستطع أن تخرج من هذه العباءة، ترتبطُ مفاهيم العُري والاحتشام بالدين والشرف والقيم المجتمعيّة، كما ترتبط بالعادات والتقاليد المتوارثة، وكلّ ذلك يحدد نظرة مُسبقة متأصّلة في الشرق عن هذا الأمر.

لا يعني هذا السرد لطبيعة النظرة إلى العري بين الشرق والغرب المفاضلة بينهما ولا إعلاء قيمة العُري على الاحتشام، بل هو مجرّد محاولة لتلمّس وجه جديد من أوجه الإنسان المتعدّدة التي لم تكفّ يوماً عن التجدّد والتغيّر، هل هو عُريٌ أم انطلاقة روح؟ لا أحد يمكنه الإجابة جازماً.

شارك برأيك

أشهر الوسوم