تضييق أمني في التل وصراع بين ميليشيات النظام

هاني العبد الله - تلفزيون سوريا

بعد مرور عامين ونصف على سيطرة النظام على التل بريف دمشق، يعاني سكان المدينة واقعاً أمنياً سيئاً، في ظل التضييق الأمني الذي تفرضه ميليشيات الأسد المنتشرة هناك، وشنّها حملات اعتقالٍ واسعةٍ، في وقت تتصارع فيه تلك الميليشيات لبسط نفوذها على المدينة.

وسيطر الأسد على مدينة التل في كانون الأول 2016 بعد توقيع اتفاق "تسوية"، تضمن خروج حوالي 2000 شخص من أبناء المدينة بينهم 500 مقاتل من المعارضة الى الشمال المحرر، بينما فضّل باقي السكان البقاء في منازلهم، مع تعهد النظام بعدم شن مداهمات أو اعتقالات داخل التل، فضلاً عن إعطاء مهلة لسوق المطلوبين للخدمة الإلزامية والاحتياطية مدتها ستة أشهر.

حيل لاعتقال المدنيين

ومع مضي عامين ونصف على سيطرة الأسد على التل، يبقى التساؤل كيف يبدو الواقع الأمني فيها؟ وفي هذا الإطار قال أبو عرب من سكان مدينة التل: إن "النظام خرق اتفاق التسوية منذ الأيام الأولى لتوقيعه، وشن حملة اعتقالات واسعة طالت العشرات من المطلوبين للخدمة العسكرية، دون الالتزام بالمهلة التي وعد بها، حيث تم نقل المعتقلين الى إحدى القطع العسكرية لتلقي التدريبات السريعة، ثم زجّ بهم في جبهات القتال في دير الزور وريفي حمص وحماة".

وأشار أبو عرب لموقع تلفزيون سوريا إلى أن "الأسد مدّد حينها اتفاق التسوية في مدينة التل شهراً واحداً فقط إلى نهاية حزيران من عام 2017، وذلك بغية تشجيع باقي الشباب في التل على إجراء التسوية، وترغيب المهجّرين في الشمال المحرر بالعودة إلى مدينتهم وإجراء التسوية"، مضيفاً "النظام خدّاع وكاذب حيث لم ينتظر انتهاء المهلة المعطاة للشبان وإنما قام باعتقال الكثير من الشبان بما فيهم من قاموا بالتسوية وأخذوا الأمان من قبل الأسد على عدم التعرض لهم".

وعمد النظام لعدة طرق لاعتقال المدنيين، عبر نصب حواجز مؤقتة (حاجز طيار) في أماكن غير متوقعة وتُعتبر ملاذاً آمناً للهاربين من المُلاحقة الأمنية، أو عبر استهداف الأسواق في أوقات الذروة، حيث تقوم تلك الحواجز بإيقاف المارة وطلب هوياتهم وتفييشها لاعتقال المطلوبين، فضلاً عن مداهمة المنازل والمحلات بحثاً عن مطلوبين، وإن لم يتم العثور عليهم في المنزل، يتم توجيه تهديد لذويهم باعتقالهم جميعاً في حال لم يُسلّم المطلوبون أنفسهم للفرع المذكور في غضون أسبوع.

وأضاف أبو عرب "يعتمد عناصر الأمن السياسي الذين يسيطرون على المدينة، على مخبرين من أهل التل يضعون لثام على وجههم لعدم كشف هويتهم، ويقومون بإرشاد الأمن على الأماكن التي يختبئ فيها المطلوبون مقابل الحصول على مبالغ من المال وامتيازات أخرى"، موضحاً أن "هناك بعض الشبان المطلوبين هربوا من المدينة لقاء دفع مبالغ مالية لحواجز النظام، بينما اضطر البقية من الفقراء للبقاء مختبئين ضمن بيوتهم يعيشون حالةً من الخوف والقلق الدائمين".

وتركزت أغلب الاعتقالات في أحياء حرنة الغربية وحرنة الشرقية وحارة البريد وقرب المركز الثقافي والسرايا والبيرقدار، وتزداد وتيرة الاعتقالات مع كل مرة تصل فيها قوائم جديدة تحوي أسماء مطلوبين للخدمتين الإلزامية والاحتياطية إلى مدينة التل، وتوزيعها على المخاتير لإبلاغ المطلوبين.

بدورها ذكرت "تنسيقية مدينة التل" في صفحتها على الفيس بوك، أن الأمن السياسي اعتقل ما لا يقل عن 20 شخصاً من أصحاب محال الصرافة بتهمة التلاعب بسعر الصرف وتحويل الأموال من جهات مشبوهة، فضلاً عن ملاحقة العديد ممن حوّلوا عن طريقهم.

وتأتي الحملة الأمنية تزامناً مع شهر رمضان الماضي، حيث يعتمد الكثير من السوريين على الحوّالات الخارجية لسد المصاريف الشهرية، حيث جرى إرسال مُخبرين تابعين للأمن السياسي إلى أكثر من صرّاف وتحويل أموال عبرهم كوسيلة لكشفهم في الجرم المشهود.

كما أفادت "تنسيقية مدينة التل" أن النظام اعتقل عائلة كاملة من آل الشبلي كانت قد عادت مؤخراً من السعودية إلى التل وسوّت وضعها لدى النظام ، في حين اعتقل الأخير عائلةً أخرى بتهمة وجود صلة قرابة مع أحد قادة فصائل المعارضة في شمال سوريا، إضافةً إلى اعتقال عشرات النساء من التل، بتهمة التواصل عبر الهاتف مع أقاربهم في الشمال المحرر.

وضمن سياسة النظام للتضيق الأمني على المدنيين، فرض "المجلس البلدي في مدينة التل" بإيعاز من "الأمن السياسي"، على مراكز توزيع مادة الغاز مطلع العام الحالي، تقديم قوائم تضم أسماء الناس الذين يقومون بالتسجيل للحصول على أسطوانة غاز، بغية الحصول على أكبر كم من المعلومات حول المُتوارين عن الأنظار، فضلاً عن استهداف دوريات "الأمن السياسي" أكثر من مرة تجمعات المدنيين الذين ينتظرون دورهم على الغاز، وإجراء الفيش الأمني للموجودين مما خلّف عدة اعتقالات.

وقال الصحفي غياث الذهبي: إن "التل هي من أوائل المدن التي ثارت ضد النظام وخرجت عن سيطرته، كما أنها احدى أكبر المدن في ريف دمشق، وبعد أن سيطر الأسد عليها في نهاية 2016 بشكل كامل، بقي فيها الكثير من سكان التل الأصليين أو من النازحين الذين توافدوا إليها ولا سيما من الغوطة الشرقية، والذين يُشكّلون حاضنةً شعبيةً للمعارضة، وهذا ما يُفسّر تعرض المدينة لحملات اعتقالٍ واسعة".

وأضاف الذهبي لموقع تلفزيون سوريا أن "النظام سيطر على التل بشكل جزئي في 2013 ونصب حواجز في محيطها، لكن حين تم توقيع اتفاق التسوية في 2016، قام بنشر حواجز داخل المدينة رغم تعهده بعد الدخول للمدينة"، لافتاً الى أنه "يوجد تدقيق أمني شديد، وخاصةً من قبل الحواجز التي تؤدي الى بلدات حرمة ومعربا، حيث يتم اعتقال الكثير من الشبان المطلوبين للخدمة، فضلاً عن وجود اعتقالات لأسبابٍ أمنية".

صراع على النفوذ

عقب سيطرة النظام على محيط التل، قام في 2014 بتشكيل لواء "درع القلمون" والذي يتبع "للفرقة الثالثة" التي مقرها مدينة القطيفة، ويضم مقاتلين من أبناء ريف دمشق بما فيهم الشبان الذين وقّعوا على "اتفاقات تسوية" مع النظام.

وقال أحد سكان التل فضّل عدم ذكر اسمه لأسبابٍ أمنية: إن "لواء درع القلمون كان بمثابة فخ من قبل النظام لسوق الشبان للخدمة العسكرية، حيث وعد الأسد من يود الانتساب لدرع القلمون أن يؤدي الخدمة العسكرية في مدينة التل، غير أن تلك الوعود لم تنفّذ، وإنما تم إرسال الشبان إلى جبهات القتال، حيث قُتل الكثير منهم، والآن هناك بعضهم يشارك مع جيش النظام ضمن معارك ريف حماة، كما نهب عناصر الأسد التعويضات المالية التي تقدمها قيادة درع القلمون إلى عائلات القتلى".

ومع سيطرة الأسد على كامل التل نهاية عام 2016، بدأ الصراع بين ميليشيات النظام لبسط النفوذ على المدينة، وقال الناشط الإعلامي معاوية التلي: "منذ عام 2014 أصبح لواء درع القلمون صاحب النفوذ داخل التل والذي ترأسه أبو زيدون شمّو، وهنا استشعرت الخطر باقي الميليشيات الأخرى وعلى رأسها الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري والمخابرات الجوية في المدينة، وبدأت بإنشاء نقاط عسكرية وإغراء العناصر من أجل ترك درع القلمون والتطوع معها".

وأضاف معاوية أن "قائد لواء درع القلمون سعى إلى تهديد بقية عناصر الميليشيات بالتصفية في حال استمرارها باستمالة عناصر اللواء، فضلاً عن قيامه باعتقال كل من يحاول أن ينشق من عناصره، وبنفس الوقت شارك عناصر درع القلمون في معارك الغوطة الشرقية ووادي بردى وبرزة وحرستا كمحاولة لتعزيز نفوذهم في مناطق أخرى لكنهم تعرضوا لخسائرٍ كبيرةٍ خاصةً في إدارة المركبات بحرستا".

وأشار معاوية الى أن "الأمن السياسي الموجود في التل، تخوّف من زيادة نفوذ لواء درع القلمون في التل وانقلابه عليه، كما أن الشباب أصبحوا ينتسبون إليه للتهرب من الخدمة العسكرية، فقام في آب 2018 بحل اللواء واعتقال قائده، ليبدأ عقب ذلك الأمن السياسي بتعزيز سيطرته في التل بدعمٍ من جهاز الأمن الجنائي، ونشّط دورياته في المدينة ليلاً نهاراً بحثاً عن مطلوبين للخدمتين الإلزامية والاحتياطية".

وفي نيسان الماضي أصدرت قيادة "حزب البعث" في ريف دمشق، قراراً بتشكيل ميليشيا تتبع لها باسم “الكتيبة السادسة” بقيادة "وائل رضا الأحمر” أحد أبرز الشبيحة في المدينة، والتي بدأت باستقطاب الراغبين بالتطوع من أبناء المنطقة، خاصةً من كانوا سابقاً في صفوف المُعارضة وأجروا "التسوية الأمنية".

وتعهد رجال أعمال من أبناء التل الذين يقيمون في دول الخليج العربي، بتقديم الدعم المادي لميليشيا “الكتيبة السادسة”، التي تولّت أولى مهامها داخل المدينة بالإشراف على توزيع الغاز والمحروقات، والعمل على حل القضايا الخدمية المُعلقة ونقلها إلى الجهات المعنية.

وفي الفترة الماضية سعى "الحرس الجمهوري" لافتتاح مكتب رسمي في التل في محاولةٍ لبسط نفوذه على التل، لكن الأمن السياسي سعى لعرقلة ذلك، وسط عمليات خطف وسرقة ومناوشات خفيفة بين الطرفين، وفي الوقت ذاته بدأ "لواء القدس الفلسطيني" بالتمدد في التل، عبر تطويع عشرات الشبان من أبناء المدينة ونازحي الغوطة الشرقية المُقيمين في التل، وفق ما ذكر الناشط معاوية التلي.

وكانت فصائل المعارضة سيطرت على التل عام 2012، وفي السنوات التي أعقبت ذلك، خضعت المدينة لفترات من الحصار والقصف والتي انتهت في تشرين الثاني 2016 بعد توقيع مقاتلي المعارضة والقادة المحليين اتفاق "تسوية" مع النظام الذي فرض سيطرته الكاملة عليها.

كلمات مفتاحية

شارك برأيك

أشهر الوسوم