ترمب وخامنئي: سباق الثورة الثانية أو التعفن

على عكس انسحاب أوباما من المنطقة كسياسة تخلٍ، قرر ترمب أن يجعل هذا الانسحاب تدخلاً مرة جديدة، لكن بـ "صفر تكلفة"، حيث لن يجد الأعداء جندياً أميركياً لإطلاق الرصاص عليه. سياسة التدخل التي تنتهجها الولايات المتحدة الآن هي العقوبات الاقتصادية والجنائية، من دون جيوش ولا حروب مباشرة. إنه سلاح فتاك، بيد دولة هائلة الموارد والقدرات المالية والاقتصادية. ليس الأمر جديداً، فمنذ منتصف القرن العشرين كان هذا التدبير المتفاوت الحدة أو السعة، قد طال دولاً كثيرة حول العالم: كوبا وأفريقيا الجنوبية والاتحاد السوفياتي والصين وكوريا الشمالية وليبيا والسودان والعراق.. عدا عن "الحروب الاقتصادية" السرية التي شنتها على بلدان كثيرة في أفريقيا وأميركا الجنوبية وآسيا.

صحيح أن ثمة عقوبات وتدابير حصار مفروضة على إيران أميركياً، منذ العام 1979، إلا أنها لم تصل إلى هذا المستوى الشمولي ولا طالت هذا القدر من القطاعات الاقتصادية، حتى مع العقوبات الكبيرة ما قبل الاتفاق النووي عام 2015. لقد قررت إدارة ترمب سلسلة إجراءات قاسية وخانقة، فعدا عن قطاع النفط الذي هو عصب الاقتصاد والمصدر الأول للمال، تطال العقوبات مشتريات الحكومة الإيرانية من النقد الأميركي (الدولار)، وتجارة إيران في الذهب والمعادن الثمينة الأخرى، ومعادن الغرافيت والألمنيوم والحديد والفحم، إضافة إلى حظر برامج كمبيوتر تستخدم في الصناعة، والتحويلات المالية بالريال الإيراني، وكل النشاطات التي تتعلق بأي إجراءات مالية لجمع تمويلات تتعلق بالدَين السيادي الإيراني، وقطاع السيارات في إيران ومشغلي الموانئ الإيرانية، وقطاع الطاقة وقطاعات النقل البحري وبناء السفن، والتحويلات المالية المتعلقة بالنفط الإيراني والتحويلات والتعاملات المالية لمؤسسات أجنبية مع البنك المركزي الإيراني. وبعد أسبوعين، سيتوقف العمل بلائحة الدول المستثناة المسموح لها باستيراد النفط الإيراني.

الأهم، أن الولايات المتحدة وبالتزامن مع العقوبات، اتخذت سلسلة خطوات تجاه دول ومؤسسات كانت تعمل إما في مجالات التهريب أو التسهيل أو تبييض الأموال، بما يسمح لإيران بالالتفاف على العقوبات. بمعنى آخر، أقفلت الكثير من المنافذ التي كانت تستخدمها إيران للتحايل على العقوبات، طالما أنها باتت تطال كل طرف يتعامل مع إيران وإن كان لا يتعامل مع أميركا.

آثار هذه العقوبات بدأت تظهر، حتى قبل وضع "الحرس الثوري" على لائحة الإرهاب. الشح المالي أجبر الدولة الإيرانية على تقليص الدعم عن كثير من الهيئات والتنظيمات والجماعات التي تساندها. وبعد أن كانت التصريحات الإيرانية تقول أن ما تفعله أميركا هو مجرد "حرب نفسية"

آثار هذه العقوبات بدأت تظهر، حتى قبل وضع "الحرس الثوري" على لائحة الإرهاب. الشح المالي أجبر الدولة الإيرانية على تقليص الدعم عن كثير من الهيئات والتنظيمات والجماعات التي تساندها. وبعد أن كانت التصريحات الإيرانية تقول أن ما تفعله أميركا هو مجرد "حرب نفسية"، راح خامنئي وروحاني وبقية رموز السلطة يعبّرون بوضوح عن الضائقة المتفاقمة التي بدأت تهيمن على البلاد. ما من مهرب للاعتراف بقسوة العقوبات وتأثيرها المؤلم.

لكن ما هدف أميركا؟ ببساطة، إجبار السلطات الإيرانية على القبول بالعودة إلى المفاوضات، بشروط جديدة فيما يتعلق ببرنامجها النووي، وأيضاً برنامجها الصاروخي.. إضافة إلى البند الأهم: حدود نفوذها ومضمون سياستها وسلوكها، في العراق وسوريا ولبنان، وتجاه دول الخليج وإسرائيل. وهذا إن رضخت له إيران فسيؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في النظام الإيراني، أو بمعنى أوضح: تفكيك حلف "الممانعة". التعايش الذي استمر طويلاً بين أميركا والمد الإيراني، الذي وصل أيام أوباما إلى حد الإقرار بالهيمنة الإيرانية، انتهى. والعقوبات في هندستها واستهدافاتها، تهدد جدياً مستقبل النظام الإيراني. فهي تراهن على تأسيس نقمة شعبية وعلى خلق فجوة وصدع بين المجتمع والسلطة، أو تغذية الشقوق بين التيار الإصلاحي والتيار المحافظ.

بعبارة صريحة، تراهن الولايات المتحدة على "ثورة خضراء" ثانية. 

في العام 2005، انتهت ولاية محمد خاتمي الرئاسية، وانتهت معها مرحلة التطبيع الدبلوماسي والسياسة العقلانية الهادئة بين إيران والدول العربية. وكان الغزو الأميركي قد أطاح بحكم طالبان في أفغانستان (2001) وبحكم صدام حسين في العراق (2003). إيران التي شعرت بذلك أنها تخلصت من عدوين لدودين، عرفت في الوقت نفسه أنها باتت مطوقة بالجيوش الأميركية شرقاً وغرباً. يتزامن هذا مع بداية انكشاف برنامج إيران النووي السري. في هذا الوقت، يواجه "حزب الله" والنظام السوري الحليف انتفاضة شعبية سلمية في لبنان ضد الوصاية السورية، وضغوطاً دولية هائلة لتنفيذ القرار الأممي 1559، الذي يقضي بإنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان وحل ميليشيا "حزب الله" خصوصاً.

إيران التي تشعر بالخطر، ترفع بقيادة أحمدي نجاد شعار "محور الممانعة". فجأة تنبعث حركة "طالبان" كقوة مقاومة ضد الأميركيين في حرب مستمرة حتى اليوم. وفي العراق، سريعاً ما ستنقلب بعض الجماعات الشيعية وتنخرط بـ "مقاومة الاحتلال الأميركي". هذه المقاومة التي بدأتها مجموعات البعثيين وضباط الجيش المنحل وجماعات سنية متشددة، ستجد دعماً إقليمياً متعدد الجهات. وبين "المقاومتين" الشيعية والسنية سيتحول العراق إلى ساحة لأعنف حرب طائفية، وسيفشل المشروع الأميركي في بناء دولة حليفة ونموذجية للمنطقة. مع الانسحاب الأميركي واستتباب السلطة للشيعة، يتحول العراق في عهد نوري المالكي (2006- 2014) إلى محمية إيرانية بامتياز.

إيران التي تشعر بالخطر، ترفع بقيادة أحمدي نجاد شعار "محور الممانعة". فجأة تنبعث حركة "طالبان" كقوة مقاومة ضد الأميركيين في حرب مستمرة حتى اليوم. وفي العراق، سريعاً ما ستنقلب بعض الجماعات الشيعية وتنخرط بـ "مقاومة الاحتلال الأميركي"

أما في لبنان، وبعد مسلسل اغتيالات دموية طالت قادة سياسيين ومثقفين وإعلاميين، فإن "حلف الممانعة" سيذهب إلى الحرب مع إسرائيل عام 2006، تنتهي بدمار البنية التحتية للبنان، ونجاح "حزب الله" في تجنب الهزيمة، فيستثمر "انتصاره الإلهي" انقلاباً سياسياً تحت تهديد إشعال حرب أهلية، توّجه في العام 2008، بفرض هيمنته التامة على القرار السياسي للدولة اللبنانية، لتكون بيروت بعد بغداد ثاني العواصم العربية التي تخضع للوصاية الإيرانية.

في فلسطين، وفي العام 2006 أيضاً، تقوم حركة "حماس" المدعومة من إيران و"حزب الله" بانقلاب دموي على السلطة الفلسطينية في غزة، وتسيطر على القطاع، لتكرس انقساماً أهلياً وسياسياً بين الفلسطينيين مستمراً حتى اليوم. تخوض "حماس" ثلاثة حروب مع إسرائيل (2008- 2012- 2014). يتباهى "محور الممانعة" (إيران و"حزب الله" وسوريا) بالدعم اللوجيستي والمالي لحركة "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، وأن هذا المحور نجح في إفشال عملية السلام أو التسوية العربية الإسرائيلية.

هكذا ارتسم "الهلال الشيعي" لأول مرة مرئياً من العرب والعالم، في قوس أو محور يبدأ من طهران ويمر من بغداد ودمشق ويصل إلى بيروت وغزة.

لكن إيران المنتشية بتلقف العراق وتعثر أميركا شرقاً وغرباً وبهيمنة "حزب الله" على لبنان، وبإحكام بشار الأسد قبضته على سوريا بعد ربيع دمشق الأول (2000-2001)، وبإمساكها القضية الفلسطينية، وبتأييد غالبية شيعة لبنان والبحرين والكويت والسعودية لها، كما هي المنتشية بتسارع نجاح برنامجها النووي وبأسعار النفط المرتفعة.. ستواجه سلطتها "الثورية" أخطر تحد داخلي لها: الثورة الخضراء.

في العام 2009، سيكتشف العالم والعرب خصوصاً إيراناً أخرى، مجتمعاً حياً يريد الحياة الكريمة لا الموت، الديموقراطية لا الاستبداد، العدالة لا القمع. سترتفع شعارات لا تقول "الموت لأميركا". شعارات مدنية لا تطالب بالثأر لدماء الحسين. شبان وشابات وسكان مدن إيران خصوصاً ينزلون إلى الشوارع في انتفاضة سلمية تبدو في مضمونها العميق ضد سلطة "ولاية الفقيه"، ضد هيمنة "الحرس الثوري" على الحياة العامة وعلى المؤسسات الاقتصادية، وضد تسلط رجال الدين على الحياة الاجتماعية والثقافية.

شبان وشابات وسكان مدن إيران خصوصاً ينزلون إلى الشوارع في انتفاضة سلمية تبدو في مضمونها العميق ضد سلطة "ولاية الفقيه"، ضد هيمنة "الحرس الثوري"

على الرغم من نجاح السلطة الإيرانية في قمع الحركة الاحتجاجية، إلا أن ما عبّرت عنه تلك الثورة ليس مجرد احتجاج عابر، بل هو على الأرجح راسخ في المجتمع الإيراني، الذي بات بأغلبيته يصوّت باستمرار لـ"الإصلاحيين".

هكذا تبدو إيران دولتين، أو سلطة من طبقتين: الجمهورية برئاستها ومجلس وزرائها وبرلمانها، و"ولاية الفقيه" بحرسها وشرطتها ومخابراتها السرية. الإدارة لسلطة منتخبة تستمد شرعيتها من الشعب، أما الأمر والقرار فلسلطة متعالية تستمد شرعيتها من "إمامة" معصومة وإلهية. "الثورة الخضراء" عبرت عن الصراع بين هاتين السلطتين، وعن شدة المنازعة بين إرادة الجمهورية وإرادة الثورة الخمينية المستمرة.

أزمة 2009، كشفت عن نقص أو نزيف في شرعية النظام الإيراني وعن تبرم المجتمع الإيراني من الكبت السياسي. لذا، وتعويضاً عن هذا النقص ستندفع السلطة في برنامجها النووي وتحدي المجتمع الدولي وإعادة تعبئة الإيرانيين بوجه "تآمر العالم" عليهم، كما ستندفع أكثر نحو القضايا الخارجية تغطية على أزمتها الداخلية.

بهذا المعنى طرحت "الثورة الخضراء" سؤال شرعية ولاية الفقيه وشرعية "الباسيج" و"الباسدران"، قوام قوة النظام. والأميركيون بعقوباتهم يحاولون تجديد الظروف لنمو النقمة العامة.. ويمتحنون "الإصلاحيين" تحديداً. هل هم فعلاً يعارضون حقاً فكرة تصدير الثورة أو التورط في حروب أهلية طائفية، أم أنهم يرون في ذلك فرصة استراتيجية لتوسيع مصالح إيران وتنمية قدراتها وتأمين مجالها الحيوي في وسط آسيا وغربها. فلا يتميزون جوهرياً عن "المحافظين"؟

ليس لإيران مهرب من تبعات العقوبات: إما أن تتغير أو تتعفن.

شارك برأيك

أشهر الوسوم