ترامب الهوليودي يسقط في هلسنكي

سبق لقاء بوتين وترامب في مدينة هلسنكي بفنلندا ما يشبه حملة صحفية منظمة، عن صفقة كبرى بين الرجلين يتم بمقتضاها رفع العقوبات الأمريكية عن روسيا، والاعتراف بضم موسكو لجزيرة القرم الأوكرانية، مقابل قيام موسكو بإخراج إيران من سوريا، وعززت زيارة نتنياهو للكرملين من هذه التوقعات.

وانطلق الخيال بالبعض، ليقول بأن الصفقة ستشمل مستقبل سوريا السياسي، وسيتم إجبار بشار الأسد على ترك المشهد، أو بأبعد تقدير منعه من ترشيح نفسه مرة أخرى مع الدستور الجديد، الذي تعده روسيا لسوريا والذي سُمي يوما بـ "دستور بريمر".

هذه التوقعات والقراءات لم تأت من فراغ بطبيعة الحال، ومن غير الواضح من قام بتسريبها لوسائل الإعلام، ولأي غاية، ولكنها انتشرت كالنار  في الهشيم لتفقد ألقها بعيد تصريحات ترامب في قمة الناتو، وهجومه الاستثنائي على شركائه في الاتحاد الأوروبي ومديحه بالمقابل لبوتين.

إلى جانب هذه التوقعات كان هناك تحليلات لبعض الصحف والدوريات الأمريكية،

أقصى ما يستطيعه ترامب هو الحصول على ضمانة روسية بإبعاد إيران عن إسرائيل والأردن.

أقل تفاؤلاً، وتعترف بقصر يد واشنطن في سوريا، وتلوم ترامب وأوباما على ذلك، كما في مقال دينيس روس في صحيفة واشنطن بوست. وتحدثت "فورين بوليسي" عن الاتفاق الممكن الذي قد يخرج به ترامب وبوتين حيث ركزت على أهمية بقاء الجنود الأمريكيين ومنع موسكو من التوجه شرقاً نحو المناطق التي تسيطر عليها أمريكا بواسطة "قوات سوريا الديمقراطية \ قسد"، وبالنسبة للتواجد الإيراني رأت المجلة الأمريكية أن أقصى ما يستطيعه ترامب هو الحصول على ضمانة روسية بإبعاد إيران عن إسرائيل والأردن.

وبالرغم من كل ما سبق سواء من رفع سقف توقعاته أو من تواضع فيها، وما ذكره عدة محللين وخبراء أمريكيون، عن ضرورة رفض ترامب سحب الجنود الأمريكيين (يتواجد حوالي 2000 جندي أمريكي) والإبقاء على قاعدة التنف تحت السيطرة الأمريكية كأضعف الإيمان، إلا أن مؤتمر ترامب وبوتين الصحفي بدد كل ذلك مع إصرار ترامب على كيل المديح تلو المديح لبوتين، بل ورفض تقارير استخباراته بشكل علني عن دور موسكو في التلاعب بالانتخابات الأمريكية.

هذه ليست المرة الأولى التي تطلق فيها الصحافة العنان لتوقعاتها فيما يخص ترامب، فبعد استهداف نظام الأسد مدينة دوما بالأسلحة الكيماوية استشاط ترامب غضباً وأطلق التهديدات النارية متوعداً بالرد القاسي واستمرت حملته في تويتر عدة أيام، قامت خلالها بعض وسائل الإعلام برسم سيناريوهات ضخمة لرد ترامب، حتى إن بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي شاركوا بتصريحاتهم النارية عن ضرورة محاسبة الأسد، ولكن هدأت عاصفة التوقعات، وكأنها لم تكن، بعد بضع غارات هزيلة لم تكف حتى لحفظ ماء الوجه.

مرة بعد مرة يقع الإعلام المهتم بالشأن السوري ضحية تسريبات مجهولة المصدر، وينساق وراء التصريحات الحربية للمسؤولين الأمريكيين للترويج لسيناريوهات، سرعان ما تتهاوى ليكتشف أنه تم استخدامه لصنع بروباغندا لهذا الطرف أو ذاك والتغطية على اتفاق ما، بينما يستمر السوريون  في دفع الثمن من دمائهم ووطنهم.

أما ترامب فهو يثبت المرة تلو الأخرى أنه غير معني بكل تلك الحسابات والتحليلات،

ليست إدارة ترامب فقط من تلاعبت بالملف السوري واستخدمته لتصدر الصفحات الأولى وإبرام صفقات لا علاقة لها بمنع النظام وحلفائه عن الاستمرار في قتل السوريين بكل أنواع الأسلحة.

فالرجل لا ينتظر مدائح الآخرين فهو مكتف بصفحته على تويتر ليمتدح نفسه، حيث يرى أن إيران ستعود إليه لطلب إعادة التفاوض حول الاتفاق النووي، وأن كوريا الشمالية ستدمر ترسانتها كرمى عيونه، في الوقت الذي لم يبذل فيه أي شيء جدي للضغط على الدولتين سوى بعض التغريدات الهوليودية من آن لآخر وقدم لهم بالمقابل كل ما يشتهونه.

وللإنصاف ليست إدارة ترامب فقط من تلاعبت بالملف السوري واستخدمته لتصدر الصفحات الأولى وإبرام صفقات لا علاقة لها بمنع النظام وحلفائه من الاستمرار في قتل السوريين بكل أنواع الأسلحة، وأصبح معروفاً أن الاتفاق النووي الذي يفتخر به أوباما ووزير خارجيته إنما جاء مقابل منح إيران الضوء الأخضر لاستمرار حربها على السوريين بعد مئات التصريحات والتهديدات عدا عن الخطوط الحمراء.

الصفقة أو التفاهم الذي خرج به ترامب مع بوتين لم يتضح بعد ولكن مشهد القصف الوحشي لمدينة نوى في ريف درعا يظهر الحصة الروسية من هذا الاتفاق بينما ستكشف الأيام ربما عن الحصة الأمريكية والتي على ما يبدو ستكون بعيدة كل البعد عن سوريا.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم