تراجيديا فلسطينية لمواجهة صفقة القرن

صفقة القرن.. تداعيات كارثية مقبلة على القضية الفلسطينية (أرشيف - إنترنت)

تتسارع المعطيات المتعلقة بصفقة القرن الأميركية لتزيد المؤشرات السياسية حول إمكانية تداعيات كارثية مقبلة على القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال، وهو ما تؤكده التصريحات من مسؤولين أميركيين فيما يخص رؤية إدارة الرئيس ترمب لإنهاء الصراع الفلسطيني/ "الإسرائيلي" إضافة إلى بعض التسريبات المنشورة في عدد من وسائل الإعلام والتي أشارت صراحة إلى ترتيبات كبيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي بهدف خلق مناخ إيجابي لتمرير الصفقة المزمعة.

حتى اللحظة تصر القيادة الفلسطينية في رام الله وكذلك قيادة حركة المقاومة الإسلامية حماس على رفض المشروع الأميركي بشكل قاطع وأعلنتا ذلك من خلال عدة تصريحات ومؤتمرات صحفية، لكن السؤال المطروح هل يكفي الرفض على مستوى القيادة السياسية لمنع تمرير صفقة بهذا الحجم تضع واشنطن كامل ثقلها خلفها، ولعل الأكثر مرارة أن "التنافس" في الرفض بين الأطراف الفلسطينية أصبح ذريعةً لتكريس حالة الانقسام الداخلي أكثر، ليبدو وللمفارقة أن مجرد الإعلان عن عدم القبول بمثل هذه التسويات فعل بطولة ومنّة من القيادة العتيدة على الشعب الفلسطيني.

واشنطن أعلنت أن الصفقة تشكل فرصةً حقيقة للسلام في الشرق الأوسط وفق رؤيتها، وألمحت على لسان أكثر من مسؤول أن عدداً من الأطراف العربية (الخليجية) بالتحديد لا تمانع المشروع وأبدت استعدادها لتأمين الأموال اللازمة لتمريره، الأمر الذي يعطي العديد من المؤشرات أن الإدارة الأميركية لم تعد وحدها من يسوق لهذه الصفقة بل باتت العديد من الدول الأوروبية تؤيدها بعيدًا عن التصريحات العامة والممكن تأويلها في أكثر من اتجاه.

مستشار الرئيس الأميركي جاريد كوشنر أعلن خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي أن صفقة القرن تمثل مناسبة جادة لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مؤكدًا أن التسوية المزمعة لن تأتي على ذكر حل الدولتين لأنه موضوع خلافي، على حد تعبيره، مضيفًا أن الاعتراف بالقدس كعاصمة موحدة "لإسرائيل" سيكون جزءاً من الاتفاق النهائي، مشيرًا إلى أن مسألة ضم إسرائيل للمستوطنات في الضفة الغربية أو أجزاء واسعة منها لم يناقش بانتظار أن يشكل نتنياهو حكومته الجديدة معتبرًا إياه شخصًا جديرًا بالثقة.

هناك محادثات قطعت أشواطًا متقدمة مع المملكة الأردنية فيما يخص نموذج حكم مشترك مع الفلسطينيين

رافق التصريحات الأميركية كم كبير من التسريبات في عدد من الصحف العربية والإسرائيلية كشفت ما وصفته بالنقاط الرئيسة للمشروع الأميركي، إذ بالإضافة للأفكار التي طرحها كوشنر في مؤتمره الصحفي ذهبت تلك التسريبات إلى أن هناك محادثات قطعت أشواطًا متقدمة مع المملكة الأردنية فيما يخص نموذج حكم مشترك مع الفلسطينيين فيما يتبقى من أراضي الضفة الغربية مقابل تعويض عمان عما يمكن أن تخسره من جغرافية بمساحات من الصحراء السعودية إلى جانب تعويضات مالية ضخمة، وهناك أيضًا ترتيبات مماثلة على الصعيد المصري حيث من المفترض أن تتنازل القاهرة عن أجزاء من سيناء الملاصقة لقطاع غزة مقابل حصولها على أراض من النقب الفلسطينية بالإضافة إلى خطط استثمارية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.

في الجانب الفلسطيني -الرسمي- تتواصل مشاهد الكوميديا السوداء مشيرة بوضوح إلى أن من يتربع على كراسي القيادة حاليًا منفصل عن الواقع على أقل تقدير، أما في حال الرغبة بالذهاب إلى سيناريوهات أكثر عبثية فيمكن القول أن ما انتهت إليه قمة الهرم السياسي فلسطينيًا جعل من القضية الفلسطينية مكبًا لكل نفايات المنطقة، وإلا كيف يمكن فهم الجهد المنقطع النظير لتلك القيادات على اختلاف توجهاتها لإعادة إنتاج تجارب أعلنت التطورات في المنطقة وفاتها بعد ما جلبته من خراب على البلاد والشعوب؟.

على سبيل المثال كيف يمكن توصيف رغبة حركة حماس لتشكيل هيئة لرفض صفقة القرن تضيف إليها أطراف عربية وإقليمية ورغم أن الأولى لم تسم تلك الأطراف إلا أنها واضحة ولن تتعدى الدول الداعمة للحركة ماليًا وسياسيًا وعسكريًا، في محاولة قديمة جديدة من حماس لاستثمار الظروف بهدف تشكيل كيان موازي أو بديل عن منظمة التحرير الفلسطينية بغض النظر عن الأثمان السياسية التي قد يدفعها الشعب الفلسطيني والأخطار المحيطة بمجمل القضية الفلسطينية بدءًا بالقدس ومرورًا بحق الاستقلال وتقرير المصير وليس انتهاءً بملف اللاجئين الفلسطينيين.

مشهد أكثر سوداوية يأتي من قيادة رام الله فبعد استعراض العضلات لقدرة الرئيس الفلسطيني على الرفض ومواجهة الضغوط الأميركية، انتقلت قيادة فتح والسلطة ومنظمة التحرير من الأقوال إلى الأفعال وأخذت قرارًا بفرض كتاب جديد على المناهج الفلسطينية بعنوان "قدوتنا رئيسنا" كعملية فدائية تستهدف تحطيم ما تبقى من الضمير الجمعي والمكونات الهشة للهوية الوطنية الفلسطينية، فأي عبث وأي أوهام تحاصر هذه القيادة التي تبدو كأنها هاربة خطأً من متاحف التاريخ السياسي، وهو ما يؤكد بأن أي نهوض وطني فلسطينيًا لن يكتب له النجاح دون إزاحة كل تلك القيادات لأنها العائق الأبرز أمام الأحلام الوطنية للشعب الفلسطيني.

شارك برأيك

أشهر الوسوم